لاوون وترامب: صدام على معنى أن تكون مسيحياً اليوم
إيلي الحاج
الأربعاء 15 نيسان 2026
لا شيء يجمع، في سلّم القيم، بين البابا لاوون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن يبحث في خلفيتيهما يستنتج سريعًا أن اصطدام مواقفهما حتمي، أمس واليوم وغدًا.
البابا لاوُون الرابع عشر (روبرت فرانسيس بريفوست) راهب من جماعة القديس أوغسطينوس. وُلد في شيكاغو عام 1955، وعاش سنوات طويلة راهبًا ومبشّرًا في البيرو. ثم تولّى رئاسة الرهبانية الأوغسطينية عالميًا، قبل أن يُعيَّن أسقفًا فكاردينالًا، إلى أن انتُخب في أيار/ مايو 2025 خلفًا للبابا الراحل فرنسيس. وهو أول بابا أميركي الجنسية، وأول راهب أوغسطيني يجلس على كرسي بطرس.
انحياز البابا لاوون
لَخّص معلّم البابا الروحي، القديس أوغسطينوس (354-430)، نظرته إلى العالم بعبارة عميقة: "أحبِب وافعل ما تشاء". قالها بعد تجربة تحوّل روحي في حديقة ميلانو، إثر صراع مرير مع الشهوة والإرادة. ولم تكن دعوة إلى الفوضى، بل تأكيدًا أن من يحب حقًا، على مثال يسوع، لا يفعل الشر بمن يحبّهم، وهم البشر جميعًا بلا تمييز.
بالنسبة إلى البابا لاوُون، المسألة محسومة: الناصري قال "مملكتي ليست من هذا العالم". وهو منحاز إلى الفقراء والضعفاء، وموقفه واضح من عبادة المال. لذا يرفض "وهم القوة المطلقة" الذي يغذّي الحروب، ويكرّر أن "الله لا يبارك أيّ صراع"، وأن تلميذ يسوع، "أمير السلام"، لا يمكن أن يقف بجانب من يُلقي القنابل.
في المقابل، ينتمي ترامب في خلفيته الفكرية-الدينية إلى مسار مختلف جذريًا. نشأ في بيئة مشيخية بروتستانتية تقليدية في نيويورك، لكن التأثير الأبرز في وعيه الديني جاء من القس نورمان فينسنت بيل، صاحب كتاب "قوة التفكير الإيجابي" الشهير وعشرات الكتب الأخرى، والذي يمزج بين اللاهوت المسيحي والنجاح المادي والثقة بالنفس والصحة والفوز. الغنى والتألق الاجتماعي هنا هما تعبير عن رضا الله على الفرد، على نقيض أمثولة يسوع: "إدخال حبل في خرم إبرة أسهل من دخول غني ملكوت الله".
لاحقًا، اقترب ترامب من الإنجيليين المحافظين، في تلك البيئة بدأ النظر إليه كـ"أداة إلهية". صفة يطلقها عليه بعض رموز "التيار المسيحي-الصهيوني"، ويشبّهونه بالملك الفارسي قورش الكبير، الذي أنهى سبي بابل وأعاد بني إسرائيل إلى أورشليم، سامحًا لهم بإعادة بناء الهيكل. أي رجل غير مثالي يستخدمه الله لتحقيق أهدافه.
في هذا المنظور، يُقاس الإيمان بالقوة وليس بالمحبة والوداعة، ويُنظر إلى السلام باعتباره ضعفاً، وإلى الرحمة تجاه "العدو" -سواء أكان دولة كإيران أم مهاجرين غير شرعيين- كنوع من الخيانة. لذلك وصف ترامب، في 12 و13 نيسان/ أبريل الجاري، دعوة البابا إلى السلام بأنها "ضعف حيال الجريمة" و"سيئة جدًا في السياسة الخارجيةط. وطالبه بأن "يكون بابا عظيمًا لا سياسيًا"، بل ذهب أبعد، فزعم أن البابا "مدين" له بمنصبه لأن الكرادلة انتخبوه لاسترضائه هو. ورفض الاعتذار، قائلًا إنه "لا يملك ما يعتذر عنه".
الصلاة كاستعراض سياسي
لا يقف الأمر عند التصريحات. فمشهد ترامب، وقد وضع رجال ونساء أيديهم على رأسه وكتفيه وهم يصلّون من أجل فوزه، يُعدّ، بأقل تقدير، سلوكًا أقرب إلى الشعبوية الدينية والشعوذة في نظر الفاتيكان. تختصر موقفه العبارة الآتية: إن أردتم القتال، فليس باسم يسوع.
ومن يتأمّل صور تلك الصلوات قد يلحظ ابتسامة ماكرة في عيني ترامب، كأنها تقول: أريد دعمكم وأصواتكم، وما عدا ذلك لا يهمّني.
في الواقع، يصعب نسب ترامب إلى مذهب ديني محدد. ففي بعض مناحي سلوكه ملامح نيتشوية وإن مشوّهة. كان أعلن سنة 2020 أنه لا ينتمي إلى طائفة محددة، وأظهر مرارًا، محدودية اطلاعه حين يتناول الشأن الديني، باستثناء إبداء إعجابه بمبدأ "العين بالعين والسن بالسن" الوارد في العهد القديم، وبحادثة طرد يسوع للتجّار من الهيكل، وهي واقعة لطالما استخدمها، تاريخيًا، أنصار حكّام ديكتاتوريين لتبرير عنفهم في بعض الدول المسيحية.
الفاتيكان و"المسيحية- الصهيونية"
ثمة نقطة خلاف إضافية بين الفاتيكان وترامب، تتمثّل في تقريبه إليه شخصيات نافذة في "التيار المسيحي-الصهيوني"، المنتشر في كنائس بروتستانتية متعددة. فالخلاف مع هذا التيار ذو طابع لاهوتي وسياسي: يتبنّى "المسيحيون الصهاينة" تفسيرًا حرفيًا للتوراة يبرّر الاستيطان، بزعم التعجيل في عودة المسيح. في المقابل، يرفض الفاتيكان تسييس النبوءات، ويدعم حل الدولتين وحقوق الفلسطينيين. وتُوّج هذا الخلاف في "إعلان القدس" (2006)، حين دانت كنائس القدس برمّتها، بدعم كاثوليكي، هذا التوجّه واعتبرته تحريفًا للأناجيل وتهديدًا للسلام.
يجدر التوقف عند معطى مهم: يشكّل الكاثوليك نحو ربع سكان الولايات المتحدة، ومع ذلك تبقى الكنيسة الكاثوليكية أكبر كنيسة موحّدة في البلاد، في مقابل تشتّت البروتستانتية إلى آلاف الكنائس المستقلة والمتفاوتة الحجم والتأثير. لذلك ليس أمرًا بسيطًا أن يهاجم ترامب، بهذه الخفة، رمزًا روحيًا يتبعه أكثر من مليار وثلاثمئة مليون كاثوليكي حول العالم، متجاهلًا أن روحانية المسيحية قامت على تحمّل الإهانة والغفران، على قاعدة: "إنهم لا يدرون ماذا يفعلون".
من هذه الخلفية، بدا طبيعيًا أن يتجنّب البابا الرد المباشر على ترامب، مكتفيًا بالقول، خلال زيارته إلى الجزائر في مستهل جولة أفريقية، إنه سيواصل العمل لنشر ثقافة السلام والرحمة. وهو بذلك ينضم إلى قادة دول كثر، شرقًا وغربًا، فضّلوا تجاهل إساءات ترامب اللفظية على الانخراط في سجالات معه.
في المحصلة، لا يلتقي مبدأ "مملكتي ليست من هذا العالم" مع شعار "أميركا أولًا… بالقوة". الخلاف هنا لا يدور بين رجلين، بل بين رؤيتين لمعنى أن تكون مسيحيًا في عالم اليوم: أهو انتماء ثقافي- وطني يخدم القوة، أم رسالة عابرة للحدود تدعو إلى المحبة، حتى للأعداء؟
المصدر: المدن