الإحباط السياسي في لبنان: تجربة المسيحيين تحذر الشيعة
العرب اللندنية
الخميس 2 نيسان 2026
بعد انتهاء الحرب الأهلية في عام 1990، دخل لبنان مرحلة جديدة من إعادة بناء المؤسسات الدولة وإنهاء الصراع الداخلي. ومع ذلك، لم تكن هذه المرحلة عادلة لجميع المجموعات اللبنانية: فجزء كبير من المجتمع المسيحي شعر أنه فقد الدور القيادي الذي كان يلعبه قبل الحرب.
فهم هذه التجربة ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل محاولة لاستخلاص درس عميق: كيف يمكن للخيارات السياسية الكبرى، أو رفض التسويات الممكنة، أن تدفع مجتمعًا بأكمله إلى سنوات طويلة من الإحباط والعزلة والتراجع؟
وقبل الحرب الأهلية، كان يُعتقد أن المسيحيين يمثلون حوالي 40 في المئة من سكان لبنان، وكانوا يحتلون موقعًا مركزيًا من خلال رئاسة الجمهورية وكذلك في مؤسسات الحكومة والجيش والاقتصاد والتعليم.
ومع اندلاع الحرب عام 1975، بدأ هذا الموقع يتآكل بسبب الانقسامات الداخلية، والنزاعات الأهلية، والهجرة الواسعة، والتحولات الإقليمية.
وبحلول الوقت الذي انتهت فيه الحرب رسميًا باتفاق الطائف عام 1989، كان المشهد اللبناني قد تغير جذريًا، ولم يعد من الممكن العودة إلى الوضع السابق.
ولم يكن اتفاق الطائف مجرد تسوية دستورية، بل إعلان لتوازنات جديدة للسلطة داخل لبنان وعلى الصعيد الإقليمي بشكل عام. فقد أعاد توزيع السلطة بين رئاسات الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، وقلّص بعض صلاحيات الرئيس، وضمن شراكة أوسع بين المسلمين والمسيحيين في الحكم.
ومع ذلك، رفض جزء كبير من المجتمع المسيحي، بما في ذلك بعض القادة المؤثرين في ذلك الوقت، الاتفاق، معتبرين إياه تسوية غير عادلة على حساب موقع المسيحيين في الدولة.
ولم يؤدي رفضهم إلى تعديل أو إسقاط الطائف. بل أدى عمليًا إلى عزلة عدد كبير من المسيحيين عن عملية إعادة تشكيل السلطة، خصوصًا بعد الاقتتال الدموي بين المسيحيين والتحركات السورية التي هدفت إلى تقويض روح الطائف بعد حرب الخليج 1991.
وباعتقادهم أن البلاد تحت السيطرة السورية بالكامل وأن مشاركتهم لن تغيّر شيئًا، قاطع جزء كبير من السكان المسيحيين الانتخابات النيابية عام 1992.
وقد أدى هذا المقاطعة إلى تقليل التمثيل المسيحي في المؤسسات المنتخبة، مما زاد من شعورهم بأن القرارات الوطنية تُتخذ دونهم.
وأظهرت التطورات اللاحقة صحة موقفهم ضد الهيمنة السورية، والتي تحوّلت لاحقًا إلى احتلال كامل.
ووصل النفوذ السوري في لبنان إلى ذروته واستقر بين حرب الخليج 1991 والتحولات الإقليمية التي سبقت وتلت غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003.
وقد حافظت دمشق على قبضتها المحكمة على المشهد السياسي اللبناني، في حين كان القادة المسيحيون متفرقين، معزولين، منفيين، أو مسجونين.
وقد أدى هذا الوضع إلى ما أصبح يعرف لاحقًا بـ "الإحباط المسيحي"، الذي تميز بانخفاض الثقة في الدولة، وزيادة الهجرة، وتراجع الاستثمار في الاقتصاد المحلي، والشعور المتزايد بأن المجتمع فقد تأثيره في تحديد مصير البلاد.
واستمر هذا الإحباط حتى عام 2005، عندما أُجبرت القوات السورية على مغادرة لبنان تحت ضغط موجة الاحتجاجات الشعبية المعروفة بـ "انتفاضة الاستقلال". عندها فقط بدأ المسيحيون في استعادة بعض المبادرة السياسية، ليس لأن كل شيء تغير بين ليلة وضحاها، بل لأنهم عادوا إلى الساحة الوطنية من داخل المؤسسات، بدلاً من النشاط خارجها.
ولا تعكس تجربة المسيحيين واقع الشيعة اليوم في لبنان، لكنها تقدم تحذيرًا واضحًا. يُقدّر أن الشيعة اليوم يمثلون حوالي 35 في المئة من السكان ويمتلكون تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، لكنهم يواجهون حاليًا لحظة حرجة. فالحرب مع إسرائيل عام 2024 وتداعياتها المستمرة (بما في ذلك الصراع الحالي)، إلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بالقرى والبلدات والمؤسسات، تفتح الباب لتحولات عميقة داخل المجتمع الشيعي نفسه.
وما يعقد الأمور أكثر هو تراجع التمويل الإيراني، والأضرار التي لحقت بالبنية التنظيمية والخدمية لحزب الله، وسقوط النظام السوري المتحالف مع حزب الله في عام 2024.
ويرافق هذه التحولات موجات نزوح وقصف إسرائيلي مستمر، قد يؤدي إلى هجرة واسعة، كما حدث سابقًا مع المجتمع المسيحي.
ويشعر الكثير من الشيعة أنهم يعيشون في مناطق تهدد مستقبلها الاقتصادي والأمني، ويخشون أن يكون البقاء في البلاد أكثر كلفة من المغادرة، خاصة إذا استمر الضغط الدولي على رأس المال الشيعي في لبنان، وإذا استمر حزب الله في الهيمنة على اتخاذ القرارات السياسية داخل المجتمع الشيعي.
يشعر الكثير من الشيعة أنهم يعيشون في مناطق تهدد مستقبلهم الاقتصادي والأمني. وفي هذا المناخ، قد يظهر إحباط مشابه لما عاشه المسيحيون، ناتج هذه المرة عن دمار الحرب، وفقدان الثقة بالدولة، والشك في أن المؤسسات الرسمية قد تتحول من مصدر حماية إلى مصدر ضغط أو قمع.
وفي هذا المناخ، قد يظهر إحباط مشابه لما عاشه المسيحيون، ناتج هذه المرة عن دمار الحرب، وفقدان الثقة بالدولة، والشك في أن المؤسسات الرسمية قد تتحول من مصدر حماية إلى مصدر ضغط أو قمع.
وهذه المخاوف حادة، نظرًا لأن جزءًا من المجتمع الشيعي طوّر عبر السنوات علاقة غامضة مع الدولة بسبب القوة المفرطة التي ضمنت بها أسلحة حزب الله نفوذها.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو ليس حتميًا، ويمكن تجنبه إذا بدأت مناقشات جادة داخل المجتمع الشيعي حول أولوياته للمرحلة القادمة، مع وضع مصالح لبنان الوطنية واستقراره فوق كل الاعتبارات الأخرى.
ويجب أن تعيد هذه المناقشات النظر بجدية في جدوى الحفاظ على الموقف العسكري والإيديولوجي لحزب الله وأبعاده الإقليمية، في ضوء التكاليف المتزايدة لهذا الموقف على الدولة والمجتمع اللبنانيين.
كما ينبغي للشيعة التفكير في كيفية المساهمة الفعّالة في إعادة تشكيل الدولة اللبنانية وإعادة بناء البلاد كجزء من تسوية تنهي الصراع المسلح مع إسرائيل وتمهد الطريق لاتفاق سياسي وأمني يضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.
ومثل هذا القرار سيكون بلا شك صعبًا ومؤلمًا، خاصة لأولئك الذين عانوا مباشرة من جرائم إسرائيل وحروبها وخسائرهم ونزوحهم.
ولا يمكن توقع أن ينسى الناس ألمهم أو شهداءهم أو خسائرهم بسهولة. ومع ذلك، السياسة ليست مجرد إدارة للذاكرة، بل حماية للأجيال القادمة. فإذا كان الخيار بين استمرار الاستنزاف المفتوح وتسوية مؤلمة تحافظ على ما تبقى من جنوب لبنان ومشاركة المجتمع الشيعي في الدولة، فقد يكون الخيار الأقل كلفة على المدى الطويل هو الأفضل، رغم مرارته على المدى القصير.
وفي هذا السياق، تكمن المشكلة في التوجهات الإيديولوجية لحزب الله، واعتماده على إيران، وعدم قدرته على قبول الخيارات المحدودة المتاحة واقعياً في علاقته بالدولة اللبنانية.
وعندما تكون الخيارات محدودة، تكمن الحكمة في اختيار الأقل ضررًا، لا في إنكار الواقع أو خوض معارك محكوم عليها بالفشل.
ويمكن أن تبدأ المساهمة الشيعية الحقيقية في مستقبل لبنان بإعادة تأسيس الدولة كالإطار الوحيد لتأمين حقوقهم وتحسين فرصهم، وحماية وإعادة بناء جنوب لبنان.
والمشاركة في الدولة، حتى من موقع ضعف ونكسات، هي الطريق الأصعب والأكثر قابلية للاستمرار. وأي فصيل لبناني يختار إنقاذ الوطن دون أن يكون رهينة للديناميات الخارجية، لن يكون مستسلمًا بل يحمي مستقبله.
وفي النهاية، القضية ليست عن فريق يخسر وآخر يفوز، بل عن منع مجتمع لبناني جديد من الانزلاق في دورة الإحباط والعزلة التي عانى منها لبنان سابقًا. التجارب التاريخية لا تتكرر بالضبط، لكنها تثبت أن الابتعاد عن الدولة أو الخضوع للقوى الخارجية – مهما بدا مبررًا في لحظة معينة – غالبًا ما يؤدي إلى تقليص الدور والقدرة على التأثير.
والتحدي اليوم ليس مجرد إنهاء الحرب، بل الخروج من دورة الحرب نفسها. هل يتم التغلب على هذا التحدي بتكرار نفس شروط الصراع، أم بفتح مسار مختلف يعيد الدولة كإطار موحّد؟
وما سيحدد الإجابة ليس فقط توازن القوى، بل أيضًا الخيارات التي تتخذها كل طائفة لبنانية وقدرتها على إعادة تقييم تجاربها بشكل واقعي.
ومن هذا المنظور، فإن تجنب الإحباط ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة قرارات سياسية واجتماعية يمكن، إذا توفرت الإرادة، أن تعيد تعريف موقع كل مجموعة في لبنان، مانعةً البلاد من الدخول في دورة جديدة من الانحدار والانقسام.