كأسُ دمشق وراحُها: أبعد من التديّن..أقرب إلى السياسة
إبراهيم الجبين
الأربعاء 25 آذار 2026
لا يصدر كثيرٌ من المنشغلين بالمشهد السوري وتحولاته اليوم، عن لغة أكبر وزناً من لغة السوشيال ميديا التي تفشّت واتسع تأثيرها حتى غدت نمطاً للتفكير، بديلاً من التدقيق والتحقق قبيل اتخاذ موقفٍ نقدي أو مؤيد حيال هذه الظاهرة أو تلك. وما زال قرار محافظة دمشق بحصر بيع الخمور في المناطق التي عدّها البعض "مسيحية"، وحظرها في بقية جغرافيا المدينة، ومن ثمّ إصدارها بياناً توضيحياً مذيلاً باعتذارٍ ووعدٍ بإعادة النظر، يتفاعل، مستدرجاً ردود أفعال أوسع على شكل آلاف المنشورات التي جادلت وخوّضت فيه.
قصة الكأس في دمشق قصة طويلة، لم تبدأ اليوم أو البارحة، بل تعود في جذورها إلى عهد الفتح الإسلامي لبلاد الشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (القدس ودمشق وغيرها من الحواضر المدنية) وتنفتح على أبواب أوسع من المُسكرات لتصل إلى فكرة "أهل الذمة" وعلاقتها اليوم بـ"المواطنة" والمساواة.
"أحكام أهل الذمة"
وقد نوقش موقف عمر من بيع الخمور في أوساط الفقهاء، كي يحددوا كيف تعامل معه، فوجدوا أنه استند إلى ما فعله النبي في المدينة، فلم يكن يأمر اليهود بالكف عن تصنيع الخمور وبيعها، بل اقتصرت أحكامه على المسلمين. لكن حين اتسعت الدولة في عهد عمر وبات من الضروري تنظيم الخراج والضرائب، سُئل عمر كيف يتصرف الولاة مع الخمور وعائداتها المالية، وما العمل إذا اختار بعض المسيحيين واليهود دفع تلك الضرائب خموراً لا أموالاً؟ وأورد ابن القيم في "أحكام أهل الذمّة" العديد من الروايات من بينها "حدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالاً قال لعمر: إن عُمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، لكن ولّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن". إذاً قال عمر "ولّوهم بيعها" أي اتركوا هذا الأمر للمسيحيين واليهود، حسب شريعتهم، ولا تتدخلوا فيه.
وعلى ذلك المبدأ، مضت كل العهود الإسلامية المتعاقبة حتى ما قبل نشوء الدولة الحديثة في سوريا بقليل، حين ظهر القانون العثماني المتخصص في شأن التنباك والمسكرات. وأول ظهور له كان ضمن قانون الجزاء في العام 1858 في النظامنامات الإدارية والمالية المتصلة بالأشربة المسكرة والتبغ والتنباك والريجي و"الميخانات" (وهي كلمة مركبة من مقطعين "مي" أي خمر بالفارسية، و"خانة" أي محل أو موضع، وتقابلها شايخانه وسفرخانه وكرخانه وغيرها). ولا تزال الحساسيات المسبقة تجاه تلك الكلمات، وما يختبئ خلفها من أفكار، تتحكم في نظر من يريدون التفكير في مثل هذه القضايا التي تستجد أمامهم وهي ألغام مدفونة ستنفجر يوماً ما دون أن يتم تفكيكها وتحليلها بعقل حر.
ورد في التنظيمات العثمانية حينها ما نصه أن "كل من فتح محلًا لبيع الأشربة المسكرة من دون إذن من الحكومة أو خالف الشروط المفروضة يُعاقب بالحبس أو الغرامة، ويُغلق محله". بعدها سيظهر مفهوم جديد سيتكرر معنا كثيراً عند الحديث في هذا الشأن إدارياً وقانونياً، وسيتطور ليصبح "النظام العام"، وذلك عندما نص قانون الجزاء العثماني على أنه "يُمنع إحداث محال لبيع المسكرات في المحلات التي يكون فيها ذلك مخلًا بالآداب أو مسببًا للفتنة، ويعود تقدير ذلك للإدارة"، ويُعاقب كل من تسبب في الشغب أو الإخلال بالراحة العامة بسبب السكر وفقًا لأحكام هذا القانون. وتم وضع نظام خاص للميخانات ينطلق من شروط ترخيصها، وينص على أنه "لا يجوز فتح ميخانة أو محل لبيع الخمر، إلا بإذن رسمي من الوالي أو المتصرف".
وفي هذا المبدأ تم تحديد الجهة المخولة بالترخيص إلى السلطة المحلية (الوالي، المتصرف، المحافظ حالياً) وذلك حسبما يقتضيه "النظام العام" مجدداً. كما حُدّدت الفئات المسموح لها بالحصول على الترخيص صراحة في نص نظام الميخانات في هذه المادة "لا يُرخّص للمسلمين ببيع الأشربة المسكرة، ويُسمح بذلك لغير المسلمين ضمن الشروط المحددة". كما جرى تحديد موقع الميخانة بشكل يراعي حساسيات المجتمع (كل المجتمع لا المسلمين وحدهم) في فرض "ابتعاد الميخانات عن المساجد والمدارس والأماكن الدينية"، وباشتراط ألا تُفتح في الأحياء الإسلامية "إلا بإذن خاص"، على أن تخضع للتفتيش بصورة دائمة ويمكن أن تُغلق حين تخالف النظام. وكم هو معلوم فقد استمرت القوانين والتنظيمات العثمانية تعمل في سوريا بعد رحيل الأتراك ونشوء المملكة العربية السورية في عهد فيصل بن الحسين حتى عزله وإلغائها على أيدي الفرنسيين في العام 1920.
تراخيص الانتداب
مضت أربع سنوات بعد ذلك، والحانات في دمشق تعمل وفقاً للنموذج العثماني، إلى أن قرّر الانتداب الفرنسي وضع قانون خاص ينظم عملها من جديد. فأصدر المندوب السامي القرار رقم 24 في العام 1924 والذي تم إعلانه في النشرة الرسمية مع جملة القرارات التي نظمت الإدارة والاقتصاد لسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي آنذاك.
في هذا القرار لم يتم التطرق إلى التمييز الديني في مسألة منح التراخيص لصناع وباعة الخمور، لكن.. أرجع القرار الفرنسي كما في القانون العثماني صلاحية منح ونزع تلك التراخيص للسلطة المحلية، والسبب كما يمكن لك أن تتوقع "النظام العام" وأناط بالإدارة في كل مدينة أو بلدة أن تحدّد الموقع المناسب ومن المتضرر ومن غير المتضرر من افتتاح حانة أو مطعم يقدّم الخمور. إلا أن القرار حظر بيع وتقديم الخمور للقاصرين و"السكارى" أي لمن هم تحت السن القانوني وللذين تظهر عليهم علامات فقدان الوعي التام مما قد يؤثر بدوره على النظام العام والجوار والأهالي واحتمال إثارة الشغب.
واستمرت الدولة الوطنية في سوريا بتطبيق المبدأ ذاته الذي وضعه الانتداب على المستوى الإداري، مع الالتزام بتنظيم الميخانات العثماني ضمناً، أي مع منح التراخيص للمسيحيين لا للمسلمين ومع ضرورة الابتعاد عن أماكن العبادة المختلفة، وصدر المرسوم التشريعي رقم 180 في 23 آذار عام 1952 في عهد الحكم العسكري لأديب الشيشكلي وكان رئيس الجمهورية آنذاك فوزي سلو، وقد حظر المرسوم على كافة المطاعم والحانات تقديم المشروبات الروحية في أوقات محددة من السنة، وكانت المادة 11 منه تنص على وجوب "غلق الحانات والملاهي حتمًا ليلة المولد النبوي الشريف، وليلة 27 رجب، وليلة منتصف شعبان، وليلة 27 رمضان من كل سنة".
مع تطور الحياة المدنية في دمشق، انتشرت حانات في أماكن عديدة، غالبيتها كانت تراعي التحفظات المذكورة في القوانين، وكان أبرزها جوار شركة الكهرباء "الكوبانية" في البحصة، أي شارع شيكاغو الشهير المتفرع من شارع بورسعيد، بجوار النادي العربي الذي احتضن المؤتمر السوري وأعلن الاستقلال وقيام المملكة السورية، وقد تم إغلاق حانات شارع شيكاغو ومرابع السهر فيه بعد عودة ملكيته إلى أوقاف دمشق، وتحوّل إلى شارع متخصص في بيع كاميرات التصوير ومعداتها.
أما مركز دمشق فقد اشتهرت فيه حانات ومطاعم تقدم الكحول كان يلتقي فيها العامة والمثقفون والسياسيون والفنانون، كمطعم "القنديل" في الصالحية، و"الإتوال" قرب مدرسة ودير الآباء الفرنسيسكان، و"النورماندي" (الريّس) في ساحة يوسف العظمة، و"فريدي" في شارع العابد، و"ماجدولين" قرب مدرسة التجهيز ومطعم "الندوة" في الشرف الأعلى من دمشق، وحانة بلا اسم ثابت كانت تختبئ خلف فندق سمير أميس في فيكتوريا، وغيرها من الأماكن. وكانت الأسماء المسيحية لمدراء تلك الحانات، الأكثر سماعاً بين بقية أسماء الملاك والمشغّلين، باستثناء مطعم القنديل "اللاتيرنا" الأكثر شهرة، والذي افتتحه برهان قصاب حسن وشقيقه الصديق القدير المحامي والأديب الراحل نجاة قصاب حسن، وحتى هذا المكان كانت رخصة بيع وتقديم الكحوليات فيه، باسم أحد العاملين المسيحيين لا باسم مالكه.
يضاف إلى ذلك الالتفاف الاجتماعي على الحظر الديني، فسحٌ من نوع آخر كانت تتيحه النقابات، والتي لا تعود ملكية مطاعمها إلى أفراد وبالتالي لا تخضع للتقييد ذاته، كنقابة الفنانين التشكيليين (الرواق) واتحاد الصحافيين في حي العفيف أيضاً ورابطة المحاربين القدماء مقابل حديقة السبكي في الشعلان، وشرفة اتحاد الكتّاب العرب في مقرّه بالمزة ونقابة الفنانين في شارع بغداد، وجميعها كانت تقدم الخمور بلا أي تحفظ. ناهيك عن نادي الضباط في الصالحية والذي كان يستقبل غير العسكريين بطرق مختلفة.
في الفنادق والمطاعم الدمشقية لم تكن هناك أية حساسية في تقديم المشروبات الروحية، وكانت تراخيص تلك المطاعم تتضخم بتضخم الحياة العامة واندفاع أصحاب رؤوس الأموال لتدشين هكذا مشاريع. وفي الوقت ذاته بدأت تتمتع بما أتاحه الفساد والمحسوبيات في تجاهل القانون، ومنح رخصة بيع خمور لضباط أمن وواجهات وتجار مقربين من نظام الأسد فانتشرت تلك المحلات المتخصصة على شكل مطاعم صغيرة وكبيرة بلا ضوابط، تضاف إليها أكشاك صغيرة لبيع الخمور المهرّبة وكان أغلب من يعملون فيها من العسكريين و"الشبيحة".
داخل السور
أما في دمشق القديمة التي يغلب الطابع الأثري على حاراتها وأزقتها، بالإضافة إلى التنوع الثقافي والديني فقد بدا التقييد أكثر صعوبة. وانطلاقاً من سور دمشق وأبوابها الغربية والجنوبية والشمالية، تبدأ الحياة الاجتماعية الإسلامية والتي عانت من محاولات طويلة للتغيير الديموغرافي مارسه فيها الأسد والإيرانيون وغيرهم، لكنها صمدت في النهاية وحافظت على هويتها، فيما لم تكن أحياء باب شرقي وباب توما وحي القصاع، والتي عرفت بأنها ذات غالبية مسيحية، تواجه الإشكالات ذاتها، لأنها استفادت من الاعتبارات سابقة الذكر، وكان من السهل الحصول على ترخيص بافتتاح مطعم أو حانة ذات طابع سياحي ثقافي جذاب للسوريين والقادمين إلى دمشق من العرب والأجانب.
ولم يكن يُنظر إلى هذه الأحياء على أنها أحياء للرذيلة أو كما وصفها البعض مؤخراً بأنها "ريد لايت" دمشق، بل على العكس من ذلك بقيت تحظى بالاحترام والتقدير من كافة السوريين على الرغم من الاختلاف الواضح في العادات والتقاليد واللباس والمأكل والمشرب، وكان هذا جزءاً من التنوع الثقافي السوري الذي يباهي به السوريون عادة. وبالحديث عن الجهل وانحطاط المعرفة لدى من يدلون بآرائهم في هذا الشأن فإن "الشارع الأحمر" لدمشق لم يكن في أي من أحياء الأقليات الدينية تاريخياً بل في آخر سوق السنانية بدمشق، يُعرف بزقاق قليط، واستمر كذلك حتى نقله العثمانيون إلى محلة المرقص بشارع البدوي في الشاغور وبقي كذلك إلى أن توافق أهل الشام على إغلاقه واستيعاب ساكناته الشهيرات في المدينة و"الستر عليهن" كما قيل حينها.
وكان قبل ذلك حياً معروفاً تقبّله المجتمع الدمشقي وورد في أوراق المؤرخين ومن بينهم البديري الحلاق الذي ذكر أن بعض الدمشقيين حاول التخلص من تلك الظاهرة آنذاك وطلب لقاء أسعد باشا العظم أبرز ولاة الشام، واشتكى له من كثرة المنكرات واجتماع بنات الهوى في الأزقة والأسواق، واقترحوا على أسعد باشا حينها أن يرحلوهن أو يحصروهن في مكان واحد لا يتجاوزنه، فرد الباشا بالقول "إني لا أفعل شيئاً من هذه الأحوال، ولا أدعهم يدعون عليّ في الليل والنهار"، بل اتجه نحو تنظيم عملهن والتفتيش عليهن، وعيّن لهن الشوباصية من العسكر ليشرفوا على شؤونهن، وفرض عليهن الضرائب بمعدّل "عشرة غروش في كل شهرٍ على كل واحدةٍ منهنّ".
ووفقاً لما سلف فإن موضوع النظام العام ومراعاة حساسية المجتمع لمثل هذه المظاهر، يبرز كعامل أساسي وراء القرار الذي اتخذته اليوم محافظة دمشق، إلا أنه لا يراعي الكيفية، فجميع العهود الماضية سارت على الأعراف نفسها من دون أن تعلن ذلك صراحة، كي لا تصطدم بالذهنيات غير المؤهلة لمناقشة الملف دون تعصّب، وكي لا تجد نفسها بمواجهة أسئلة لا ضرورة لطرحها عن التمييز الديني والاجتماعي، أسئلة لم يكن بوسع برلمانات وسلطات أكثر استقراراً التصدي لها، فضلاً عن كونها خارج اختصاص الإدارة وحدها، فهي مسائل غير محسومة في مراكز البحث والأوساط الفقهية ومجامع العلماء والعمران والسوسيولوجيين.
رامي مخلوف
أخيراً شهدت سنوات ما قبل العام 2011 والثورة السورية، تلاعباً كبيراً من طرف مافيات نظام الأسد في هذا الحقل، ولعل أبرز أمثلته ما وقع مع مطعم "الندوة" في دمشق، الذي أراد رامي مخلوف الاستحواذ عليه، وكي يرغم مستثمره على التخلي عنه، قام بالضغط على المحافظة لتغيير تصنيف مدفن قديم قريب منه، هو المدرسة العزية في منطقة الشرف الأعلى من دمشق، فزعموا أن المدرسة جامع، وبالتالي أصبح من الممنوع على مطعم "الندوة" أن يقدّم الخمور وهو لا يبعد عنها سوى بضعة أمتار. وفوق ذلك ادعى مخلوف والمجموعة التي عملت معه أن هذا القرار جاء حفاظاً على التراث الدين والتاريخي لعز الدين أيبك وشجرة الدر، بينما الحقيقة أن المدفون في ذلك المكان كان الأمير عز الدين أيبك المعظمي، الذي طرده الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 643 للهجرة من دمشق بعد سيطرته على بلاد الشام فمات في مصر ونقل ابنه جثمانه بعدها إلى دمشق. وأيبك هذا هو غير عز الدين أيبك الذي اغتيل في الحمام بعد زواجه من شجرة الدر التي لقيت حتفها بعده بالطريقة ذاتها رمياً بالقباقيب.
وهكذا هي حال النقاشات في سوريا حول القضايا كافة؛ لم يسأل أحدٌ؛ ماذا عن معامل تصنيع المشروبات الروحية التي تملكها وتديرها الدولة في القطاع العام؟ وكيف وأين ستبيع منتجاتها؟ وماذا عن عالم استيراد تلك المشروبات وخفاياه؟ وماذا عن خط التهريب الكبير للمشروبات الروحية من لبنان إلى سوريا؟ كل تلك الأسئلة تأتي قبل الحديث عن الهوية الدينية والحريات الشخصية والعامة، ولا علاقة لا للإسلام ولا للمسيحية ولا للعلمانية بأي منها، بل بالثقافة أولاً وأخيراً، وعلى الرغم من أنك ستشاهد اليوم أينما ولّيت وجهكَ في دمشق لافتاتً رفعتها الحكومة السورية ذاتها، كُتبت عليها كلمات قصيدة نزار قباني الدمشقية، غير أن الواقع يقول إن هذي هي دمشق على مرّ الزمن وهذي هي الكأس والراحُ.
المصدر: المدن