العلمانية
إيران المتعددة: القوميات والجغرافيا وحدود تماسك الدولة

مها غزال

الثلاثاء 17 آذار 2026

في الخطاب السياسي والإعلامي السائد تُقدَّم إيران غالباً بوصفها دولة فارسية شيعية متجانسة، لكن هذه الصورة المبسطة تخفي واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً أكثر تعقيداً. فإلى جانب الأغلبية الفارسية تعيش في البلاد جماعات قومية ولغوية متعددة، أبرزها الأذريون والأكراد واللور والعرب والبلوش والتركمان، وهو ما يجعل إيران واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعاً من الناحية الإثنية واللغوية.
 
 
وبسبب غياب إحصاءات إثنية رسمية في التعدادات السكانية الإيرانية، تعتمد معظم الدراسات على تقديرات لغوية وثقافية. وتشير هذه التقديرات إلى أن الفرس يشكلون ما بين 55 و65% من السكان، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين جماعات قومية متعددة، في مقدمتها الأذريون والأكراد.
 
 
لكن أهمية هذا التنوع لا تكمن فقط في البعد الديمغرافي. فمعظم هذه الجماعات تتركز في الأقاليم الحدودية التي تحيط بالهضبة الإيرانية، حيث تتقاطع الهوية القومية مع الموارد الاقتصادية والممرات الجيوسياسية. ومن هنا يكتسب ملف القوميات في إيران أهمية تتجاوز مسألة التنوع الثقافي، ليصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي وإدارة الأطراف في الدولة الإيرانية.
 
الجذور القومية في إيران
ولا تعود التعددية القومية في إيران إلى مرحلة الجمهورية الإسلامية فقط، بل ترتبط بتاريخ أطول من تشكل الدولة المركزية الحديثة. فمع صعود رضا شاه بهلوي إلى السلطة عام 1925، تبنت الدولة مشروعاً سياسياً يهدف إلى توحيد الإدارة وتعزيز الهوية الوطنية الإيرانية حول اللغة الفارسية، في إطار بناء دولة مركزية قوية على غرار النماذج القومية الحديثة.
 
 
أدت هذه السياسات إلى تقليص استخدام اللغات المحلية في التعليم والإدارة، ما ساهم في ترسيخ الفارسية بوصفها اللغة الرسمية للدولة، وأداة رئيسية لبناء الهوية الوطنية. ومع ذلك بقيت المناطق الطرفية التي تقطنها جماعات قومية مختلفة تحتفظ بخصوصياتها الثقافية واللغوية.
 
 
وفي أربعينيات القرن العشرين، ظهرت أولى الحركات القومية الحديثة في إيران. فقد أُعلنت عام 1946 جمهورية مهاباد الكردية في شمال غرب البلاد بدعم سوفياتي، كما شهدت مدينة تبريز في العام نفسه، قيام حكومة أذرية محلية. وعلى الرغم من أن هاتين التجربتين لم تستمرا طويلاً، فإنهما كشفتا مبكراً عن التوتر الكامن بين الدولة المركزية وبعض الأطراف القومية.
 
 
وهكذا فإن المسألة القومية في إيران ليست ظاهرة حديثة، بل جزء من تاريخ تشكل الدولة الحديثة وعلاقتها بالمجتمعات المحلية المختلفة.
 
البنية الديمغرافية لإيران
وتشير التقديرات الأكاديمية المتداولة إلى أن المجتمع الإيراني يتكون من طيف واسع من الجماعات القومية. وبسبب غياب بيانات رسمية حول الانتماء الإثني، تعتمد معظم الدراسات على مؤشرات لغوية وثقافية لتقدير هذا التنوع.
 
 
وبحسب هذه التقديرات التقريبية يمكن تلخيص التوزع القومي للسكان على النحو الآتي: الفرس بين 55 و65%، والأذريون بين 15 و20%، والأكراد بين 8 و10%، واللور والبختيارية نحو 5 إلى 6%، والعرب نحو 2 إلى 3%، والبلوش نحو 2 إلى 3%، إضافة إلى التركمان وجماعات أخرى الذين يشكلون أقل من 2%، لكن هذه الأرقام تبقى تقديرات تقريبية، إذ يعيش كثير من الإيرانيين في المدن الكبرى خارج مناطقهم القومية التقليدية.
 
 
كما شهدت العقود الأخيرة حركة هجرة داخلية واسعة نحو المدن الكبرى، ولا سيما طهران وأصفهان ومشهد. ونتيجة لذلك يعيش ملايين من أبناء القوميات المختلفة في بيئات حضرية مختلطة، ما يعزز التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين الجماعات القومية ويجعل الحدود الإثنية التقليدية أقل وضوحاً مما كانت عليه في الماضي.
 
الجغرافيا القومية لإيران
ومن أبرز سمات التركيبة القومية الإيرانية أن معظم الجماعات غير الفارسية تتركز في المناطق الحدودية التي تحيط بالهضبة الإيرانية. في المقابل يتركز الثقل الديمغرافي الفارسي في قلب البلاد الممتد من طهران إلى أصفهان وفارس ويزد.
 
 
ويعيش الأذريون في الشمال الغربي، وهم أكبر جماعة غير فارسية في إيران، ويتركزون في محافظات أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية وأردبيل وزنجان، إضافة إلى حضور واسع في العاصمة طهران.
 
 
أما الأكراد فينتشرون في غرب إيران، خصوصاً في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام، ضمن منطقة جبلية تقع في سلسلة جبال زاغروس التي تمتد على طول الحدود الغربية للبلاد.
 
 
وفي الجنوب الغربي تقع محافظة خوزستان التي تضم نسبة مهمة من العرب الإيرانيين، وتعد من أهم المناطق الاقتصادية في البلاد بسبب احتياطيات النفط والغاز الكبيرة التي تحتويها.
 
 
أما الجنوب الشرقي فتقع فيه محافظة سيستان وبلوشستان، وهي أكبر محافظات إيران مساحة وأقلها تنمية، ويقطنها البلوش الذين يشكلون غالبية سكانية في هذه المنطقة الحدودية مع باكستان وأفغانستان. وفي الشمال الشرقي يعيش التركمان في منطقة تركمان صحراء، ضمن محافظة كلستان وأجزاء من خراسان الشمالية. ويجعل هذا التوزع الجغرافي من التعدد القومي في إيران مسألة ترتبط مباشرة بالحدود والموارد والممرات الاستراتيجية.
 
الاقتصاد السياسي للأطراف
ولا تقتصر أهمية المناطق التي تقطنها الجماعات القومية في إيران على بعدها السكاني، بل ترتبط أيضاً بموقعها في شبكة الموارد الاقتصادية والممرات الاستراتيجية للدولة. فمحافظة خوزستان تمثل القلب الرئيسي لإنتاج النفط والغاز في إيران، بينما يشكل ميناء تشابهار في سيستان وبلوشستان بوابة استراتيجية نحو بحر العرب والمحيط الهندي. وفي الشمال الغربي تلعب أذربيجان الإيرانية دوراً مهماً في التجارة والصناعة والربط البري مع تركيا والقوقاز.
 
 
هذا التقاطع بين الجغرافيا القومية والموارد الاقتصادية، يمنح المناطق الطرفية أهمية خاصة في حسابات الدولة الإيرانية المتعلقة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية. كما أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران، ولا سيما تأثير العقوبات الدولية، انعكست بدرجات مختلفة على المناطق الطرفية. ففي بعض المحافظات الحدودية التي تعاني أصلاً من ضعف التنمية يمكن أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى زيادة الشعور بالتهميش المحلي.
 
الحركات القومية والتحديات الداخلية
وشهدت إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، توترات سياسية وأمنية في بعض المناطق التي تقطنها جماعات قومية غير فارسية. ففي السنوات الأولى بعد الثورة اندلع تمرد كردي واسع في غرب البلاد قادته أحزاب كردية طالبت بالحكم الذاتي وحقوق ثقافية وسياسية أوسع، وشهدت مدن مثل مهاباد وسنندج مواجهات مسلحة استمرت عدة سنوات قبل أن تستعيد الدولة سيطرتها العسكرية في منتصف الثمانينيات.
 
 
وفي الفترة نفسها دخلت منظمة مجاهدي خلق، وهي حركة معارضة ذات طابع أيديولوجي، في صراع مسلح مع النظام عام 1981 ونفذت سلسلة هجمات داخل البلاد قبل أن تنتقل قيادتها لاحقاً إلى خارج إيران.
 
 
بعد نهاية الحرب العراقية–الإيرانية، تراجع النشاط المسلح الواسع داخل البلاد، لكنه لم يختفِ تماماً. فمنذ مطلع الألفية الجديدة شهدت بعض المناطق الحدودية نشاطاً متقطعاً لجماعات مسلحة ذات خلفيات قومية أو مذهبية.
 
 
ففي كردستان الإيرانية ظهرت جماعات مرتبطة بحزب الحياة الحرة الكردستاني، بينما برزت في سيستان وبلوشستان جماعة جند الله في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تظهر لاحقاً جماعة جيش العدل. كما شهدت محافظة خوزستان بعض العمليات المحدودة التي تبنتها تنظيمات عربية معارضة.
 
 
وإلى جانب هذه الأنشطة المسلحة، شهدت إيران منذ مطلع القرن الحادي والعشرين موجات متكررة من الاحتجاجات السياسية والشعبية، مثل احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، والاحتجاجات الاقتصادية في أعوام 2017 و2019، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني.
 
 
وعلى الرغم من تنوع هذه الحركات، فإنها بقيت متفرقة جغرافياً وسياسياً، ولم تتحول إلى جبهة موحدة قادرة على تهديد تماسك الدولة الإيرانية.
 
سياسات الدولة الإيرانية تجاه القوميات
وتعتمد الدولة الإيرانية في تعاملها مع التعدد القومي على مزيج من الأدوات السياسية والأمنية والأيديولوجية. وعلى المستوى الأمني تلعب مؤسسة الحرس الثوري الإيراني دوراً مركزياً في إدارة المناطق الحدودية، خصوصاً في المحافظات التي شهدت نشاطاً مسلحاً.
 
 
وفي الوقت نفسه تبنت الدولة سياسة إدماج سياسي لبعض الجماعات القومية داخل مؤسسات الحكم، حيث شغل عدد من الشخصيات ذات الأصول غير الفارسية مناصب مهمة في الدولة. كما استخدمت الجمهورية الإسلامية الهوية الشيعية بوصفها إطاراً جامعاً يتجاوز الانتماءات القومية، وهو ما ساعد على دمج بعض الجماعات غير الفارسية التي تشترك مع الأغلبية في الانتماء المذهبي.
 
الامتدادات الإقليمية للقوميات الإيرانية
وتتميز معظم الجماعات القومية في إيران بامتدادات بشرية وثقافية خارج حدود الدولة. فالأكراد يعيشون أيضاً في العراق وتركيا وسوريا، بينما يمتد الأذريون عبر الحدود إلى جمهورية أذربيجان، ويعيش البلوش في مناطق واسعة تمتد بين إيران وباكستان وأفغانستان.
 
 
هذه الامتدادات لا تعني بالضرورة وجود مشاريع انفصالية عابرة للحدود، لكنها تضيف بعداً جيوسياسياً مهماً إلى العلاقة بين الدولة الإيرانية وهذه المجتمعات.
 
كيف ينظر الخارج إلى هذه المسألة؟
ويظهر ملف القوميات الإيرانية في النقاشات الغربية من زاويتين رئيسيتين. ففي الخطاب الرسمي الأميركي يُطرح الموضوع أساساً ضمن تقارير حقوق الإنسان والتمييز ضد الجماعات الإثنية والمذهبية.
 
 
أما في الأدبيات الاستراتيجية لبعض مراكز التفكير، فقد جرى تناول التعدد القومي في إيران باعتباره أحد عناصر الهشاشة المحتملة في بنية الدولة. وقد ناقشت دراسة صادرة عن مؤسسة "بروكينغز" بعنوان "أي طريق إلى فارس؟"، إمكانية استثمار التوترات الداخلية كأحد أدوات الضغط على النظام الإيراني، مع التحذير في الوقت نفسه من أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.
 
حدود التماسك الإيراني
وعلى الرغم من التعدد القومي الكبير، لم تتحول التوترات في إيران إلى حركة سياسية موحدة تهدد وحدة الدولة. ويرى عدد من الباحثين أن هذا الاستقرار النسبي يعود إلى عدة عوامل، أبرزها قوة الدولة المركزية، ووجود مؤسسات أمنية قوية، إضافة إلى الهوية الوطنية الإيرانية التي تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك.
فالهوية الإيرانية الحديثة لم تُبنَ على أساس عرقي صرف، بل على مزيج من التاريخ والثقافة والمؤسسات السياسية، ما سمح باستيعاب جماعات قومية مختلفة داخل إطار وطني واحد.
 
مستقبل العلاقة بين المركز والأطراف
وفي ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل العلاقة بين الدولة الإيرانية والأطراف القومية. المسار الأول هو استمرار النموذج القائم، حيث تواصل الدولة إدارة التنوع القومي عبر مزيج من السيطرة الأمنية والإدماج السياسي والتنمية الاقتصادية التدريجية.
 
 
أما المسار الثاني فيتمثل في احتمال تصاعد التوترات المحلية في بعض المناطق الطرفية، خصوصاً إذا تفاقمت التفاوتات التنموية أو اشتدت الضغوط الاقتصادية والسياسية على الدولة الإيرانية.
 
 
في المقابل يطرح بعض الباحثين سيناريو ثالثاً يقوم على توسيع الإدماج السياسي والثقافي، سواء عبر تنمية اقتصادية أوسع في الأقاليم الطرفية أو عبر منح هامش أكبر للغات والثقافات المحلية ضمن إطار الدولة الوطنية.
 
 
وتكشف دراسة التعدد القومي في إيران، أن البلاد تقوم على توازن معقد بين مركز سياسي قوي وأطراف متعددة الهويات. وقد نجحت الدولة الإيرانية حتى الآن في الحفاظ على هذا التوازن عبر مزيج من الهوية الوطنية والدينية والمؤسسات الأمنية والإدماج السياسي لبعض الجماعات.
 
 
ومع ذلك فإن استمرار التفاوت التنموي والتوترات الإقليمية يعني أن العلاقة بين المركز والأطراف ستظل عاملاً أساسياً في فهم مستقبل الاستقرار الإيراني ودور إيران في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.
 
المصدر: المدن