الولايات المتحدة تدرس ورقة الأقليات في مواجهة إيران
العرب اللندنية
الخميس 5 آذار 2026
تدرس الولايات المتحدة، في خضم التصعيد العسكري مع إيران، خيارات تتجاوز الضربات الجوية إلى أدوات ضغط داخلية، في وقت كشفت فيه مصادر مطلعة عن مشاورات جرت خلال الأيام الماضية بين جماعات كردية إيرانية مسلحة ومسؤولين أميركيين بشأن احتمال تنفيذ هجوم بري يستهدف قوات الأمن في غرب البلاد.
وبحسب ثلاثة مصادر، فإن هذه الجماعات ناقشت مع الجانب الأميركي جدوى التحرك عسكرياً داخل الأراضي الإيرانية، وكيفية تنفيذ العملية وتوقيتها المحتمل، إضافة إلى طبيعة الدعم الذي قد تحتاجه في حال اتخاذ قرار بالمضي قدماً.
وأوضحت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها نظراً لحساسية التخطيط العسكري، أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد، وأن المشاورات لا تزال في إطار تقييم الخيارات.
وتتمركز الجماعات الكردية الإيرانية المعنية في إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، حيث خضعت لتدريبات خلال الفترة الماضية استعداداً لسيناريو توغل عبر الحدود.
ووفق المصادر، فإن الهدف من العملية المحتملة يتمثل في إضعاف قبضة قوات الأمن الإيرانية في المناطق الغربية، وخلق ضغط ميداني متزامن مع الضربات الأميركية–الإسرائيلية، بما قد يفتح المجال أمام تحركات أوسع داخل البلاد.
وتشير هذه المعطيات إلى أن واشنطن تدرس، إلى جانب أدوات القوة التقليدية، إمكانية توظيف أوراق داخلية في إيران، من بينها ملف الأقليات القومية.
ويعد الأكراد من أبرز هذه المكونات، إذ يمتد وجودهم عبر مناطق حدودية حساسة، ولهم تاريخ طويل من التوترات والمواجهات المتقطعة مع السلطات المركزية في طهران.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إعلامية عن اتصالات جرت مع إدارة دونالد ترامب خلال الأيام الماضية، وعن نقاشات بشأن احتمال تلقي الجماعات الكردية دعماً استخباراتياً أو لوجستياً من وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
وتعكس هذه التحركات، إن صحت، توجهاً نحو توسيع نطاق الضغط على طهران عبر الجمع بين العمل العسكري الخارجي والتحرك غير المباشر داخل الأراضي الإيرانية. غير أن هذا الخيار يظل محفوفاً بتعقيدات سياسية وأمنية، سواء على مستوى التنفيذ أو من حيث تداعياته الإقليمية.
وعلى الصعيد العملياتي، تتطلب أي عملية تنطلق من الأراضي العراقية دعماً عسكرياً واستخباراتياً واسع النطاق، بما في ذلك معلومات دقيقة عن مواقع قوات الأمن الإيرانية، وتأمين خطوط الإمداد، وإمكانية الإسناد الجوي أو التقني.
ويقول مسؤولون في البنتاغون إن القواعد الأميركية في أربيل سبق أن لعبت دوراً في دعم عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ما يشير إلى وجود بنية تحتية يمكن الاستفادة منها في حال اتخاذ قرار سياسي واضح.
لكن مدى قدرة الجماعات الكردية الإيرانية على تنفيذ هجوم واسع النطاق داخل إيران يظل غير محسوم. فمقاتلوها يمتلكون خبرات متفاوتة في القتال، وبعضهم خاض مواجهات سابقة مع القوات الإيرانية، إلا أن خوض عملية منظمة داخل العمق الإيراني يختلف من حيث المتطلبات والتحديات. فالقوات النظامية الإيرانية تتمتع بانتشار واسع وبنية قيادة متماسكة، فضلاً عن خبرة طويلة في التعامل مع التمردات المحلية.
وإلى جانب ذلك، يطرح التحرك المحتمل أسئلة تتعلق بالبيئة الداخلية في إيران. فنجاح أي عملية من هذا النوع لا يتوقف على الاشتباك العسكري فحسب، بل على ما إذا كان قادراً على تحفيز حراك أوسع يتجاوز الإطار
الهدف من العملية المحتملة يتمثل في إضعاف قبضة قوات الأمن الإيرانية في المناطق الغربية، وخلق ضغط ميداني متزامن مع الضربات الأميركية–الإسرائيلية، بما قد يفتح المجال أمام تحركات أوسع داخل البلاد
القومي الكردي.
وتشير المصادر إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة يتمثل في خلق ظروف تشجع معارضين للنظام على التحرك في مدن أخرى، في ظل مناخ سياسي متوتر.
غير أن هذا السيناريو يفترض وجود استعداد شعبي واسع للمواجهة، وهو أمر يصعب قياسه في ظل القيود الأمنية الصارمة. كما أن أي تحرك مسلح قد يمنح السلطات الإيرانية فرصة لتعزيز خطابها حول “التدخل الخارجي” و”الدفاع عن وحدة البلاد”، ما قد يؤدي إلى تعبئة قطاعات من المجتمع خلف الدولة، بدلاً من إضعافها.
ويمثل البعد الإقليمي عاملاً حاسماً في الحسابات. فإطلاق عملية عسكرية من الأراضي العراقية يضع حكومة إقليم كردستان أمام تحديات معقدة، بين علاقاتها الوثيقة مع واشنطن وحاجتها إلى تجنب صدام مباشر مع إيران. كما أن الحكومة الاتحادية في بغداد قد تجد نفسها أمام ضغوط سياسية وأمنية إذا انطلقت عمليات عبر حدودها من دون تنسيق واضح.
وتراقب دول أخرى في المنطقة التطورات بحذر، نظراً لحساسية الملف الكردي في أكثر من ساحة. فتركيا، على سبيل المثال، تنظر بعين القلق إلى أي تحركات مسلحة قريبة من حدودها قد تعيد تنشيط النزعات القومية. كما أن باكستان قد تتابع التطورات من زاوية تأثيرها المحتمل على مناطقها الحدودية التي تشهد توترات عرقية.
وكذلك، فإن تحريك جبهة كردية داخل إيران قد يفتح الباب أمام تفاعلات في مناطق أخرى تضم أقليات قومية، مثل البلوش.
ورغم اختلاف السياقات، فإن أي تصعيد في منطقة قد يشجع مطالب أو تحركات مماثلة في مناطق أخرى، ما يرفع منسوب المخاطر الأمنية ويزيد احتمالات الردود الصارمة من جانب الدولة.
ومن جهة أخرى، لا يستبعد بعض المراقبين أن تكون هذه التسريبات جزءاً من استراتيجية ضغط نفسي، تهدف إلى اختبار ردود فعل طهران وحلفائها، أو إلى تعزيز موقع تفاوضي في أي مسار دبلوماسي محتمل.
وفي سياق الصراعات المعاصرة، يشكل التلويح بخيارات عسكرية غير تقليدية أداة بحد ذاته، حتى لو لم يُترجم إلى خطوات ميدانية فورية.
وفي ظل غياب تأكيد رسمي، تبقى الصورة ضبابية بشأن مستوى الانخراط الأميركي الفعلي. فواشنطن قد تكتفي بتقديم دعم محدود أو غير مباشر، أو قد تختار عدم تجاوز عتبة معينة خشية الانزلاق إلى صراع أوسع. كما أن الجماعات الكردية نفسها قد تعيد حساباتها إذا رأت أن كلفة التحرك تفوق مكاسبه المحتملة.
ويكشف هذا الحراك عن مرحلة جديدة في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران، حيث يجري بحث خيارات تتجاوز الضربات العسكرية التقليدية إلى استثمار التوازنات الداخلية.
وبين مشاورات لم تُحسم وقرارات سياسية قيد التقييم، يبقى احتمال فتح جبهة غربية داخل إيران سيناريو مطروحاً، لكنه مشروط بحسابات دقيقة تتعلق بالقدرة والشرعية والكلفة الإقليمية.
وحتى تتضح الصورة، سيظل هذا الملف أحد أبرز مؤشرات اتجاه التصعيد المقبل: هل تبقى المواجهة في إطار الضربات المحدودة والرسائل المتبادلة، أم تتجه نحو نمط أكثر تعقيداً يجمع بين الضغط الخارجي والتحرك الداخلي؟. الإجابة ستعتمد على قرارات لم تُعلن بعد، لكنها قد تعيد رسم معالم التوازن في المنطقة بأسرها.