العلمانية
دور العلمانية في قيادة الدولة والمجتمع

صبري يوسف

الثلاثاء 5 كانون لأول 2017

 إن النظام العربي هو نظام اقصائي وبعض المعارضات أكثر ديكتاتورية من الأنظمة التي تطرح نفسها بديلة عنه لأنها ترعرعت في جو ديكتاتوري لهذا لا يوجد أي حل لبناء العالم العربي ومن يتاخمه إلا ببناء طفل جديد يترعرع في بيئة وجو ديمقراطي وضمن برامج علمانية أخلاقية ديمقراطية إنسانية تنويرية بعيداً عن لغة التكفير والاقصاء والقمع، وهذا يتطلب معجزة، وقد ولَّى زمن المعجزات، هذا الزمن هو زمن العلم والحرية والعدالة والمساواة، وعندما يُمنح المواطن هذه المبادئ الأساسية سيحقق الديمقراطية، وسيصبح في مستقبل الأيّام قائداً ديمقراطياً كتحصيل حاصل، فمتى سيتحقَّق هذا الأمر وهذا الطموح؟!

أنا أقدِّر أن العالم العربي يحتاج ما بين قرن إلى قرنين وربَّما أكثر، كي يحقق هذا الطموح، سيأتي زمن ربما يكون بعيد عن زمننا، سينقلب الأبن على أبيه، وعلى جده وعلى كل ما هو عتيق ومتخلف ومتحجِّر، ويتوقف مجئ هذا الجيل على مدى توافر عوامل تنشئته وتشبّعه بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

الموضوع عميق للغاية، قدَّمت بعض وجهات النظر، وهي قابلة للنقاش والحوار، ويبقى الحوار مفتوحاً، حيث انني أطرح وجهات نظر وأفكار، ممكن أن أصيب في بعضها ولا أصيب في بعضها الآخر وهي خاضعة للنقاش والتفنيد والتحليل، لأنني لا أرى فكراً ثابتاً ونظرياتٍ ثابتة، وأخلاقاً ثابتة، كل فكر ممكن أن يتغير نحو الأفضل، ولولا تطور الفكر لما وصلت البشرية إلى هذا التقدم المذهل، ولكن حتى النظرية البديلة أو المتوالدة عن سابقتها ما كانت ستتم لولا وجود أفكار مَن سبقها ولهذا الفكر البشري هو سلسلة تراكمية تطويرية مفتوحة، وكل مَن يبقى ثابتاً في مكانه من حيث صيغة الرؤية والتفكير، هو أسير التخلف، وإلا لماذا نجد كل جيل متقدماً عن سابقيه مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية والحالات العبقرية التي ممكن أن يحققها فرد ما يتجاوز عصره بعقود أو قرون من الزمان، وهؤلاء قلة قليلة!

يسرني عندما أتلقى وجهات نظر جديدة سواء توافق أو تخالف وجهات نظري وتحرّضني على التفكير لأن هذه العملية التحريضية ممكن أن تعمق رؤاي أكثر فأكثر، ومن خلال تجربتي في الحياة وتخصصي في العلوم الاجتماعية والفلسفية، وصلت إلى قناعة أن الإنسان في تطور مذهل في كل يوم، فلماذا لا يفتح المرء ذهنه لهذا التطور، ولا يسعني إلا أن أشير إلى أنَّ قرابة مائة مفكر وفيلسوف أوروبي ساهموا في تغيير وتطوير وتحديث أوروبا برمتها، فلولا المفكر والمبدع والفيلسوف والفنان لما تقدم أي مجتمع من المجتمعات البشرية، لكن الكارثة أن المفكر والمبدع والفيلسوف في دنيا الشرق معرَّض للتفريق عن زوجته أو زجه في عتمة الزنازين أو طرده من وظيفته وموقعه، لأن الحاكم هو عبقري عصره في دنيا الشرق، وكلامه منزل من السماء، حتى أنه أخذ مكانة أكثر من الأنبياء والقديسين والملائكة، فلا تجد مَن يحتج على حماقاته حتى ولو زج البلاد والعباد بحروب أزلية، أليس من الجريمة بمكان أن يغرق لبنان بحروب طائفية سنينا عديدة والآن جاء دور العراق، ومَن يدري دور مَن سيكون بعد العراق، لهذا أعود إلى النقطة التي بدأت بها مقالي الأول، لأركز في هذا المقال على ضرورة أن ينشأ جيل يحمل بذور الحرية والعدالة والديمقراطية، ولا يخشى أن يقول كلمته، لأنني لا أجد المواطن في الشرق يفكر بشكل حر وبفردانية خلاقة، تفكيره يتماشى مع ما يماثل حالات القطيع، يعيش حالة قطيعية، ولا يميز فردٌ عن آخر لهذا يهب كل المواطنين ويحرقون الدنيا لأبسط الأمور، لماذا لا يهب ويقف ضد الحروب، مع أن حروب العالم العربي أغلبها تطحن ذاتها، أنا من أنصار السلام والتآخي بين البشر، من أنصار العدالة والمساواة والحرية وتحقيق الديمقراطية بعيداً عن الاستغلال، وعلينا نحن البشر أن نفكر بطريقة لحل مشاكلنا كبشر، ولا يجوز حل مشاكلنا على حساب تفاقمِ مشاكل الآخرين.

بقي أن أشير إلى أن العلمانية مهمة جداً في قيادة الدولة والمجتمع، لكن على مَن ينهج منهج العلمانية أن لا يقلِّل من شأن الأديان كحالة أخلاقية روحانية تساهم في تنقية وتصفية قلوب البشر من الشوائب العالقة في الحياة، وعلى أصحاب الرؤى الدينية، أن يضعوا بالاعتبار أن الدين أي دين غير قادر على قيادة الدولة والمجتمع وغير قادر على بناء علاقات ومؤسسات وسن قوانين وشرائع تناسب المتغيرات المدنية والحياتية عبر سير الحياة، لأن الأديان ثابتة غير متغيرة بينما المجتمعات البشرية تتغير وتتطوَّر بشكل دائم، والثبات من المنظور العلمي يعني الجمود، لهذا فإن الرؤية العلمية تستوعب الأديان وتحللها كجانب اخلاقي وقيمي ضمن كل زمان ومكان، وبالتالي تضع الأحكام والقوانين بحسب ما يناسب متغيرات العصر في كل زمان ومكان، لهذا لايمكن لأي دين على وجه الدنيا أن يسنَّ قوانين وشرائع تصلح لكل زمان ومكان، وإلا لبقيت تلك القوانين ثابتة غير متغيرة وبالتالي ستكون غير قابلة للتطور لأنها ستكون مستندة إلى نصوص لا يمكن المساس بها، من هذا المنظور فإن العلم قادر على نقض ذاته وتطوير ذاته من خلال التقدم اليومي والإبداع اليومي والاختراع اليومي، ويبقى المجال مفتوحاً دائماً للتطوير وإلا سيبقى الإنسان أسير رؤية أحادية ثابتة لو اعتمد على الجانب الديني فقط، بينما لو اعتمد الجانب العقلي والعلمي، مشبّعاً بأخلاقيات الأديان، فانه أمام اكتشافات علمية تقوده إلى قمة التنوير والتطوير في كل حين وعلى مدى كلِّ العصور!




المصدر: الحوار