مفاوضات سرية برعاية أميركية بين دمشق وقيادات درزية في السويداء
العرب اللندنية
الخميس 26 شباط 2026
تكشف المعلومات الأخيرة عن مفاوضات سرية برعاية أميركية بين دمشق وقيادات درزية في محافظة السويداء جنوب سوريا عن تحول مهم في إدارة الملف الجنوبي السوري، مما يعكس توازناً دقيقاً بين الاعتبارات المحلية والأمنية والإقليمية والدولية.
ولم يعد التحرك الذي لا يزال بعيداً عن الإعلام الرسمي مجرد محاولة لتخفيف توتر أمني محدود، بل يُشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة المركزية والمجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق التي تحظى بمكانة اجتماعية وسياسية متمايزة مثل السويداء، التي يعيش فيها المكون الدرزي في تركيبة اجتماعية متماسكة وذات خصوصية دينية وسياسية واضحة.
وتتمثل الزاوية الأولى التي تبرز في هذه التطورات في دور الولايات المتحدة. فقد عادت واشنطن لتلعب دور الوسيط أو الضامن، رغم تقليص حضورها المباشر في عدد من الملفات السورية الأخرى.
ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تراهن على قدرتها على دفع الأطراف المحلية نحو تفاهم يوازن بين مطالب المجتمع الدرزي والحفاظ على وحدة الدولة السورية، خصوصاً في ضوء موقع السويداء الاستراتيجي جنوب البلاد، قرب الحدود الأردنية ومنطقة النفوذ الإسرائيلي.
ويُظهر هذا الدور الأميركي إدراكاً مسبقاً للمخاطر التي قد تنجم عن أي انفلات أمني أو سياسي في جنوب سوريا، حيث يمكن أن يتحول إلى بؤرة صراع إقليمي معقد.
ومن هنا، فإن الوساطة الأميركية لا تقتصر على الجانب السوري الداخلي، بل تدخل في إطار هندسة استقرار أوسع للمنطقة، يهدف إلى احتواء الاحتكاك مع الأطراف الإقليمية ومنع أي تهديد مباشر للأمن الجنوبي.
وأما الزاوية الثانية، فتتعلق بمضمون المقترح المتداول. فهو يقوم على منح السلطات المحلية في السويداء صلاحيات إدارية وأمنية موسعة، تشمل إدارة بعض الشؤون اليومية والرقابة على أجهزة الأمن الداخلي، مقابل تخلي بعض الأطراف الدرزية عن أي مطالب بالحكم الذاتي أو توجهات انفصالية، مع تثبيت سيادة دمشق على المحافظة.
ويعكس هذا المقترح رؤية وسطية بين المركزية الصارمة واللامركزية الكاملة، ويظهر محاولة لإيجاد صيغة توافقية تلبي بعض احتياجات المجتمع المحلي من الحكم الذاتي الجزئي دون أن تمس وحدة الدولة السورية أو تفتح الباب أمام مطالب انفصالية قد تشكل سابقة في مناطق أخرى.
وفي التفاصيل العملية، يشير المقترح إلى الاكتفاء بنشر أجهزة أمن داخلي فقط داخل المحافظة، دون إدخال أي قوات عسكرية نظامية، لتفادي أي تصعيد ميداني قد يؤدي إلى مواجهات مفتوحة.
ويعكس هذا الخيار وعياً بحساسية التوازنات المحلية، إذ أن أي حضور عسكري مكثف قد يُفسَّر من قبل بعض الفصائل المحلية على أنه محاولة لفرض السيطرة بالقوة، ما قد يعيد إنتاج دوامة التصعيد التي شهدتها البلاد في السنوات السابقة.
وبالتالي، فإن الصيغة المقترحة تتيح لدمشق استعادة قدر من الهيمنة الشرعية والإدارية، مع الحد من المخاطر الميدانية والاحتكاك المباشر مع المجتمع الدرزي.
ومن الناحية السياسية، تهدف دمشق من خلال هذه المفاوضات إلى تقليص نفوذ شخصيات دينية وسياسية بارزة تعارض شرعية الحكم الحالي، في مقدمتهم الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الدينية للطائفة الدرزية في سوريا.
ويُظهر هذا البعد أن المفاوضات ليست مجرد ترتيب أمني، بل تشمل إعادة تشكيل التوازنات القيادية المحلية لضمان وجود شركاء أكثر استعداداً للتفاهم مع المركز. وبذلك، تتحول السويداء إلى مختبر لتجربة “اللامركزية المنضبطة”، التي تهدف إلى تحقيق نوع من الاستقرار الداخلي دون المساس بالهيبة السيادية للحكومة المركزية.
ومع ذلك، فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بعدد من العوامل الحاسمة. أولها الضمانات الإقليمية، حيث تصر دمشق على عدم تدخل أطراف خارجية في أي ترتيبات أمنية، في إشارة ضمنية إلى إسرائيل التي تراقب التطورات في جنوب سوريا عن كثب.
وثانيها الدور الأميركي، الذي يتطلب تقديم دعم ملموس وحقيقي لضمان تنفيذ أي تفاهم، بما يشمل الضغط على الأطراف المحلية لقبول الصيغة المقترحة.
وثالثها قابلية المجتمع المحلي لقبول حل وسط قد يُفسَّر لدى بعض الفصائل على أنه تنازل عن مطالب سياسية أوسع، ما يجعل عنصر الثقة الداخلية مسألة مركزية في نجاح أي تسوية.
وأما اقتصادياً واجتماعياً، تلعب المفاوضات دوراً مزدوجاً. فالمجتمع الدرزي في السويداء يعتمد على استقرار المنطقة لضمان استمرار الأنشطة الاقتصادية المحلية، بما فيها الزراعة والخدمات الصغيرة. وأي توتر أمني قد يؤدي إلى تعطيل هذه النشاطات، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على السكان المحليين، خصوصاً في ضوء الأزمة الاقتصادية العامة التي تعاني منها سوريا منذ سنوات الصراع الطويلة.
ولذلك، فإن التوصل إلى تفاهم يوفر حماية نسبية للسكان، ويقلل من احتمالات لجوء الأطراف المحلية إلى خيارات ميدانية قد تكون مكلفة على المدى الطويل.
وعلى مستوى الشرعية، تعكس المفاوضات تحديات البنية السياسية السورية، التي لا تزال تتسم بانقسام واضح بين السلطة المركزية والمجتمعات المحلية، إضافة إلى ضغوط الأطراف الإقليمية والدولية. فالسويداء، كمجتمع ذو خصوصية دينية وسياسية، يفرض على دمشق التعامل بحذر مع أي مبادرة، لضمان أن يتم التوصل إلى تسوية ضمن أطر الدولة السورية وليس من خارجها.
المقترح يقوم على منح السلطات المحلية في السويداء صلاحيات إدارية وأمنية موسعة، تشمل إدارة بعض الشؤون اليومية والرقابة على أجهزة الأمن الداخلي، مقابل تخلي الأطراف الدرزية عن أي مطالب بالحكم الذاتي أو توجهات انفصالية.
وفي هذا السياق، يمثل المقترح المقدم نوعاً من التوازن بين منح المجتمع المحلي هامشاً من السيطرة على شؤونه وبين الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
ومن زاوية أمنية، يُظهر المقترح إدراك دمشق للمخاطر التي قد تنجم عن انفلات الوضع الأمني في الجنوب، خصوصاً مع وجود تهديدات محتملة من الجماعات المسلحة غير الرسمية، فضلاً عن قرب المنطقة من الحدود مع الأردن وإسرائيل.
ولذلك، فإن الاكتفاء بأجهزة أمن داخلي محلية، دون إرسال قوات نظامية، يعد خياراً استراتيجياً يهدف إلى ضبط التوترات الأمنية مع الحد من أي مواجهة عسكرية قد تتحول إلى صراع مفتوح، مع الحفاظ على قدرة الحكومة على التدخل عند الضرورة.
وعلاوة على ذلك، فإن المفاوضات تعكس تغييراً في طريقة إدارة الأزمات في سوريا، من نموذج التحكم المباشر بالقوة إلى نموذج المساومة السياسية والحوار المحلي المدعوم دولياً.
وهذا التوجه قد يشكل سابقة إذا تم تطبيقه بنجاح في مناطق أخرى ذات خصوصية اجتماعية وسياسية، مثل المناطق الشرقية أو الشمالية التي تشهد توترات مشابهة، ما يفتح الباب لإعادة النظر في استراتيجيات إدارة المجتمعات المحلية ضمن الدولة السورية الموحدة.
ومن الناحية الدبلوماسية، يمثل تدخل الولايات المتحدة كوسيط أو ضامن خطوة مهمة تؤكد استمرار اهتمامها بملف سوريا، رغم تراجع حضورها العسكري المباشر. إذ تسعى واشنطن من خلال هذه الوساطة إلى الحفاظ على استقرار الجنوب السوري، ومنع أي تصعيد قد يضر بمصالحها أو بمصالح حلفائها في المنطقة.
وبذلك، فإن المفاوضات لا تُقرأ فقط في إطار علاقة دمشق بالمجتمع الدرزي، بل في سياق شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية التي تشمل إسرائيل والأردن والدول الغربية.
وتمثل مفاوضات السويداء اختباراً دقيقاً لقدرة دمشق على إدارة ملف محلي حساس مع مراعاة الضغوط الإقليمية والدولية، ومحاولة إيجاد صيغة وسطية تحقق توازناً بين مطالب المجتمع المحلي والسلطة المركزية. فالهدف ليس مجرد إدارة الأمن اليومي، بل إعادة إنتاج نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي يسمح للحكومة السورية بالحفاظ على سيادتها ومصداقيتها، مع الحد من احتمالات النزاع المحلي أو الإقليمي.
وإذا نجحت هذه التجربة، فقد تصبح السويداء نموذجاً لتجربة “اللامركزية المنضبطة”، التي قد تُطبق في مناطق أخرى، بينما قد يؤدي فشلها إلى استمرار التوترات وفتح الباب أمام تصعيدات جديدة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
وتُظهر هذه المفاوضات كيف يمكن أن تتحول محافظة صغيرة نسبياً إلى بؤرة استقطاب استراتيجية، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. إن نجاح أي تسوية يتطلب توافقاً دقيقاً بين الحكومة والمجتمع المحلي والضامن الدولي، مع ضمان عدم تدخل أطراف خارجية قد تعقد المشهد.
وفي ظل هذه المعطيات، تظل السويداء مثالاً حيّاً على تعقيدات بناء الاستقرار في مناطق النزاع، حيث لا يمكن لأي تسوية أن تنجح إلا إذا أخذت في الاعتبار الواقع الاجتماعي والسياسي، مع توفير آليات واضحة لضمان احترام الاتفاقات والحد من أي تصعيد محتمل.