إيران...بين خطاب اللاهوت ولغة العصر
أحمد زين الدين
الإثنين 23 شباط 2026
تعاني الدولة الإيرانية الإسلامية التي يقودها حرّاس الدين، تداعيات ثورةٍ خَبا بمرور الزمن بريقُها، واضمحلت وعودها. الدولة التي بسطت نفوذها على بعض مَن جاورها، وتمكّنت من استلحاقه بها، بتأثير الموالاة العصبية الدينية والمذهبية، وبتأثير المصلحة السياسية والاقتصادية.
هذه الدولة لا تزال صورتها التاريخية ماثلة أمامنا، كما رسمَتها ذاك الحين، ونحن على مقاعد الدراسة الجامعية، المحاضراتُ التي كانت تُلقى علينا، والمؤلفات المدرجة والمفروضة بحكم متطلبات المنهاج الذي يشمل الإحاطة بالحضارة الإيرانية وآدابها ولغتها. وكنا لا نتوانى عن وصفها بأنها دولة ذات نزعة شعوبية، بكل ما تعني الكلمة هذه في القاموس التاريخي الموروث من ضغينة تكنّها إيران لجيرانها العرب، بعد احتلالهم لها، وخلعهم الإمبراطور الفارسي يزدجرد الثالث عن عرشه. الشعوبية كانت متداولة على ألسنتنا باعتبارها ضرباً من النعوت السلبية الازدرائية. وحول أصولها ومعناها دُبّجت الأبحاث والمقالات، وعُنونت الكتب. ولعل المناخ الفكري والسياسي الذي كان سائداً في منطقتنا العربية آنذاك، أسهم في تظهير هذه العبارة التي استخدمت منذ القديم في كتب تاريخ الأدب العربي، بما تحمل من معاني المثلبة والاستحقار، لا سيما ان شيوعها تزامن مع ارتفاع المدّ الناصري، وتعاظُم دور الأحزاب العربية القومية، وتوالي الحروب والاشتباكات بين الجيوش العربية والعدو الإسرائيلي الذي كانت السياسة الشاهنشاهية تؤازره، على حساب الحق العربي والفلسطيني.
ولا مناص من الوقوف عادة عند الصور النمطية الشائعة، وأحياناً الصور المبتذلة (الكليشيهات) لبناء أية هوية سردية رائجة ومكرّسة عن تاريخ الآخر المختلف. وهذا ما نلمسه في كتابات معظم الرحّالة والمسافرين. وثمة من يستعيد عند باحثين إيرانيين معاصرين، آراء استعلائية عنصرية مضادة، تذكّر أن العرب الأوائل كانوا يأكلون الضب (سحلية صحراوية تشبه الحِرذون) وهو أكل أهل البادية. بينما كان الفُرس يأكلون الجبنة، طعام أهل الحضر. كذلك تشير الكاتبة والسينمائية السورية ندى الأزهري في كتابها الجديد "عربية في إيران" إلى أنّ ما شاهدته وسمعته في مدن إيرانية يدل على نفور متبادل بين الطرفين: العرب والفرس. وهذا أمر مألوف عند مقاربة أية عقليتين أو بلدين مختلفين، إذ لا إمكانية لكتابة أي نص سردي أو وصفي محايد، بمعزل عما سبق له أن استقر في الأذهان قبلاً. فالكتابة في هكذا موضوع تفاضلي تتضمن، بشكل واضح أو خفي، تحيّزات مسبقة، وصوراً راسخة ومؤثرة على ما يصدر من أحكام.
ومن أوائل الرحّالة والدبلوماسيين في العصور الحديثة الذين زاروا دولة إيران، هو الكونت الفرنسي آرثر غوبينو عام 1855 حيث أمضى في ربوعها نحو خمس سنوات، إبان حكم القاجاريين. ونشر خلالها العديد من مؤلفاته التي تحدث فيها عن انطباعاته عما شاهده وسمعه في أرجائها. منها "أخبار آسيوية" و"ثلاث سنوات في آسيا" وكان سبق لغوبينو أن شرح مضمون نظريته العرقية في كتابه: "اللامساواة بين الأجناس البشرية" وكانت فرصة سانحة له، وهو يراقب طرائق حياة الإيرانيين، وأسلوب معاملاتهم وأخلاقهم، وتقاليدهم، وطقوسهم الدينية، وفنونهم المعمارية والشعرية والموسيقية، لكي يتحقق من صحة نظرياته العرقية القائمة على رصد عملية التمازج بين الأجناس، وتنوّع لغاتها وثقافاتها وأديانها.
ودُهش الدبلوماسي والكاتب الفرنسي من رجال الدين الإيرانيين كيف أنهم كانوا، وما فتئوا، عقب تحوّلهم عن عقيدتهم الزاردشتية إلى الإسلام، يتمتعون بامتيازات مرموقة، كما لو أنهم ما برحوا موجودين في زمن الساسانيين، وكيف أنهم ما زالوا أهل الشوكة والغلبة الذين يستحوذون على مقاليد إدارة شؤون الناس من رعاياهم الشيعة الذين يجلّونهم ويقدّرون فصاحتهم ومهاراتهم الخطابية، لاسيما في ذروة العصر القاجاري الذي اختبر فيه غوبينو ما بلغه زعماء البلاط في حياتهم من بذخ ورفاهية، وكيف بسط الفقهاء سلطانهم العقائدي المطلق على انحاء البلاد، وتولوا تعليم أفراد العائلة المالكة، بعدما أعادوا تشكيل أنفسهم كهيئة مخوّلة الإشراف على أمور الدين صغيرها وكبيرها. ولم يتغيّر لدى أفرادها سوى اسمائهم، التي تحوّلت من موبذان، أي كهنة النار، أيام زرادشت، إلى الملالي أيام الإسلام. وقد باتوا أصحاب الحق الحصري بتفسير القرآن والأحاديث الإمامية، وإدارة الأموال الشرعية.
وبدا في ذلك الوقت أن الشيعة، بتأثير آراء زعمائهم الدينيين كانوا متوجسين من بوادر الحداثة التي انتشرت في البلاد، ونُظر إليها كتهديد للدين، وذلك لاعتقادهم بأنّ التقدم الذي تفرضه الدولة، سيجعل الناس أقل تديّناً. بل كان الشباب الإيرانيون يجدون صعوبة في فهم أطروحة أن تكون بلادهم جمهورية أو ملكية دستورية. وقد أعرب غوبينو، كما الرحّالة نيكولاس بوفيه (توفي عام 1998) وصديقه تييري فيرنيه (توفي 1993) عن تشاؤمهم من ازدياد نفوذ الملالي الذين أضحوا عقبة كأداء، تحول دون أن تحقق إيران أية خطوة على طريق الحداثة. بل أسهمت هيمنتهم المطلقة في تعطيل العقل العملي والسياسي في البلاد. وأبدى غوبينو المنبهر بحضارة الفرس وتاريخهم الإمبراطوري العريق، استغرابَه من عجز الشعب عن مواكبة التجديد. لكنه لاحظ لجوء الناس إلى ما يسميه ثقافة المراوغة، التي هي طريقة من طرق الغش للتخلّص من أعباء ما تلقيه عليهم السلطة اللاهوتية من أثقال وواجبات.
والحال أنّ الإشكالية المطروحة للبحث اليوم، هي أنّ إيران ما فتئت رهينة رؤية ماضوية طوباوية تُفاقم مع الوقت أزماتها، وتفتقد إلى الحلول الواقعية. إشكالية بدأت منذ لحظة خطف رهائن السفارة الأميركية، مروراً بالتطبيق الصارم للشريعة الإسلامية، وإلى خنق الحريات الفردية، لا سيما حرية المرأة. بل يمكن القول أنّ عصا الدين الغليظة التي يحملها آيات الله، حجبت الوجه المضيء للثقافة الإيرانية الكلاسيكية والحديثة. مثل التراث المعماري العريق، وهندسة الحدائق المميزة، وأشعار حافظ الشيرازي، وعمر الخيام، والفردوسي، وفريد الدين العطار التي مزجت بين الحسي والروحي، وأفلام عباس كيارستمي، وأصغر فرهادي، وجعفر بناهي ومجيد مجيدي الرمزية الهاربة من مقص الرقيب. والفلسفة العرفانية والصوفية، بوجهها الإسلامي الكوني الروحي، البديل عن الوجه الحاقد والدموي الذي نحته الخوف من الآخر.
ويبدو أنّ ما سمّاه غوبينو "ثقافة المراوغة" تخطّ اليوم مسارات عميقة يجترحها الشعب الإيراني ملتفاً على التحريمات والمحظورات. إذْ رغم الهالة الدينية، لم يرتدع الإيرانيون والإيرانيات عن الضحك، والغناء، والرقص، والاستماع إلى الموسيقى، بشتى نغماتها وألحانها. وفي حوار مع مجلة دفاتر الشرق يروي كزافيه لوفيفر الذي أخرج سلسلة وثائقية على Arte بعنوان: "طريق الحرير وعجائب أخرى" أنّ الشابات الإيرانيات، إذ يتجولن في أسواق طهران بالجينز، ويقمن الحفلات المختلطة، فلأنها مظهر من مظاهر المقاومة السلبية. بل إنّهن لا يراعين قواعد الحجاب الشرعي وطريقة ارتدائه الصارمة، حيث ينحسر عن رؤوسهن عمداً، أو يُستخدم كإكسسوار، يضفي على الوجوه الانثوية التي خضعت للجراحة التجميلية، ضرباً من الإغواء الإيروتيكي، حسب عبارته.
قرأت "أن تقرأ لوليتا في طهران" على يدي الكاتبة والأستاذة الجامعية آذر نفيسي، خلف الأبواب الموصدة، بالتواطؤ مع طالباتها المتلهفات إلى التخفف من نير الحياة الخارجية الكابوسية.
كذلك قرأت "أن تقرأ لوليتا في طهران" على يدي الكاتبة والأستاذة الجامعية آذر نفيسي، خلف الأبواب الموصدة، بالتواطؤ مع طالباتها المتلهفات إلى التخفف من نير الحياة الخارجية الكابوسية، حيث الفضاء الحر الخيالي المبتكر الذي تمثله الروايات الجريئة، يطرد عفونة الفضاء الخارجي الملبّد بالقهر والاستعباد. وتناولت الكاتبة والصحافية الإيرانية الفرنسية دلفين مينوي حياة النساء الإيرانيات، ومقدرتهن على التكيّف والتحدي، في ظل القيود الاجتماعية الدينية، والظروف الصعبة. ونشرت رواية مؤثرة عن مخاض المراهقة عند الجيل الجديد من بنات بلدها، ونشدانهن حرية الجسد الطليق والمتمرد والراقص، والتعبير العفوي والجريء بمفرداته الجديدة التي تكسر الأعراف، وتحطّم القوالب المحنّطة.
المصدر: المدن