فرنسا مختبر أوروبي: نحو الجمهورية السادسة
بسام ضو
الخميس 29 تشرين الأول 2026
طرفان في العالم تزداد سرعة سقوطهما: الأوروبيون والعرب. الرأسمالية الأوروبية دخلت في عمق مأزق بنيوي، والتخاذلية العربية تفاقمت، وباتت أسيرة جغرافيا ينسحب منها التاريخ. كلتا المسألتين تسبقان تشكّل النظام العالمي الجديد. وربّما يكون هذان السقوطان جزءاً من التشكّل الدولي المرتقب. وقد يحمل النظام العالمي الآتي مفاجآت أكبر بدرجات عالية مما حصل بعد الحرب العالمية الثانية. ما كان في يالطا عام 1945 لا يكون اليوم ولن يكون غداً. آنذاك، خسرت أوروبا أشطاراً واسعة من مركزيّتها العالمية أمام الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، لكنها حافظت على شيء من كيانيّتها. أمّا اليوم، فهي مرشّحة بقوة لخسارة نفسها ودورها واستقرارها أمام روسيا والصين والولايات المتحدة. نحن نتجه إلى يالطا جديدة بعد الحرب في أوكرانيا، والحرب على إيران. هناك حتماً من يدفعون الثمن. العرب دفعوه وسيدفعون أكثر. الأوروبيون، في الاتحاد وغيره، هم الآن على شفير دفع الأثمان الباهظة. لن يكون لهم تأثير فعّال في صناعة التوازن الدولي الحديث. وربّما لن يحظوا حتى بالتمثيل مثلما كان تشرشل في مؤتمر يالطا، رغم ضعفه أمام ستالين وروزفلت. وذلك سواء انعقدت التسويات الكبرى بعد حرب تشترك فيها القوى الثلاث: أميركا وروسيا والصين، أو في قمة ثلاثية من دون حرب.
ما سرّع في استدعاء هذه القضايا هو أحداث فرنسا الأخيرة. فرنسا ليست حالة خاصة. إنها نموذج رأسمالي أوروبي استعماري مأزوم. وما اندلاع الاحتجاجات العارمة فيها سوى مؤشّر فرنسي وأوروبي في وقت واحد. وإذا كانت الشرارة قد انطلقت من تحرّك الطلاب الفرنسيين اعتراضاً على تردّي خدمات التعليم والصحة والرعاية التربوية، فإنّها لا تعبّر وحدها عن جوهر الأسباب المتراكمة في الهيكلية الاقتصادية - الاجتماعية للمجتمع الفرنسي. اليمين، بكل أطيافه التي مرّت بالسلطة الفرنسية، ركّز اقتصاده على موارد النهب الاستعماري، وارتكب في الداخل جرائم معيشية، وتسبّب باتساع الشرخ بين القوى الرأسمالية المهيمنة وبين العمال وصغار الموظفين والمزارعين. وكان من الطبيعي، بل من الحتمي، أن ينفجر الصراع الطبقي تحت عنوان التعليم أو تحت أي عنوان آخر. إنّها نتيجة منطقية للتناقض بين من يُنتج الثروة في فرنسا، وبين من يستغلّها وينهبها ليراكم القيمة الزائدة في الرأسمال الجشع الذي تنعدم فيه كل معاني الإنسانية مقابل ارتفاع أرباحه.
ما حدث بعد حركة الطلاب الفرنسيين يُعدّ تاريخياً فضيحة مجلجلة تتجاوز فرنسا إلى كل الاتحاد الأوروبي. الطابع الاستعماري الأوروبي ليس خافياً على أحد. فرنسا نفسها، وهي الاقتصاد الثاني بعد ألمانيا، كوّن رأسماليّوها أرباحهم التراكمية من نهب أفريقيا، ولا سيّما بعد الحرب العالمية الثانية. وحذا حذوهم رأسماليّو أوروبا الآخرون في أفريقيا وغيرها. ولكن أين ذهبت هذه الثروات؟ الأرقام خير دليل. الموازنات اليمينية في الحكومات الفرنسية المتعاقبة تعاني من العجز المتواصل منذ ما يزيد على نصف قرن. وديون فرنسا فاقت 3.6 تريليون يورو، بما يوازي 120% من الناتج المحلي. الاستنتاج البسيط يؤكّد أن الطبقة التي مثّلها اليمين الفرنسي نهبت بلاد الآخرين مثلما نهبت المواطن الفرنسي العادي، ثم تخلّت عن التزاماتها الاجتماعية؛ ما يعني فضيحة لفرنسا ولكل شعارات الاتحاد الأوروبي حول التنمية وحقوق الإنسان. وهذا يدلّ بوضوح جارح على أنّ الصورة اللمّاعة التي أرادها الاتحاد الأوروبي لنفسه تهشّمت أمام شعوبه وأمام العالم. وأظهرت مجدداً أنّ الرأسمالية، التي انتقلت من الاستغلال الكلاسيكي المعروف إلى الاستغلال الرقمي في العصر الراهن، غير قادرة - ولا سيّما في أوروبا - على حماية نفسها، ولا على صناعة تسويات. التاريخ الاجتماعي يبرهن أنّ إخفاء الصراعات الطبقية مستحيل، وأنّ عدم تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية يمكن أن يُسقط دولاً وإمبراطوريات. هذه هي فرنسا تشرف جمهوريتها الخامسة على الانفجار، وربّما على التداعي والزوال. ولذا يحاول فيها اليمين التنصّل من الكوارث التي سبّبها بإلقاء أسباب الأزمة على المهاجرين الذين لا يمثلون سوى عشرة في المئة من أصل تعداد تسعة وستين مليوناً.
اليمين الفرنسي مثل كل اليمين الذي اجتاح معظم أوروبا في السنوات الأخيرة. تبنّى سياسة التبعية للولايات المتحدة من دون أن يتمكّن من حماية نفسه من التنافس القتّال داخل الدائرة الرأسمالية العالمية الواحدة التي تقودها واشنطن. وهكذا زجّت الولايات المتحدة الأوروبيين في مواجهة روسيا عبر الساحة الأوكرانية. لقد خسرت فرنسا وأوروبا النفط الروسي، وفقدت معظم نفوذها في أفريقيا، فارتفعت تكاليف المعيشة جنونياً، واستفادت الرأسمالية الأميركية من بيع النفط بأسعار مرتفعة، ثم اتجه البيت الأبيض إلى مشروع للتسوية مع روسيا، وإن كان ما يزال في أول الطريق، غير أنّ ترامب ألقى، وسيُلقي أكثر، بأوروبا تحت عجلات القطار السريع، إذ لا مانع عنده أبداً من تفكك الاتحاد الأوروبي والتعامل بعده مع دول متفرّقة.
فرنسا بأحداثها الراهنة هي اختبار أوروبي كبير ومصيري. والفرنسيون أمام تحدٍّ مزدوج: إمّا أن يسقطوا اليمين ليأتي يسار متكامل في الرئاسة والحكومة، فيبادر إلى تصويب السياسات، وهذا أمر غير متبلور حتى الآن. وإمّا أن ينقلوا الغضب من حالة الاحتجاجات إلى حالة الثورة الاجتماعية لتغيير بنية المؤسسات السياسية في الجمهورية الخامسة، والحد من صلاحيات رئيس الجمهورية تمهيداً لظهور الجمهورية السادسة. وفي كل الحالات، اقتربت فرنسا التي نعرفها والاتحاد الأوروبي من أن تكون في وضعية التبدّل البنيوي عاجلاً أو آجلاً.
المصدر: الميادين