فرنسا ومخاض الهوية: هل تحتفظ بالجمهورية التي صَنعت تاريخها؟
ميشال فلاح
الجمعة 23 تشرين الأول 2026
ما يحصل في فرنسا ليس وليدَ ساعته، ولا يمكن اختزاله في اضطرابات اجتماعية، أو أعمال عنف وتخريب، أو في صعود اليمين القومي على حساب اليسار التقليدي. إنّه نتيجةُ تراكمٍ تاريخي لسياسات رئاسية وحكومية متعاقبة، رفعت شعارات الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، لكنها لم تنجح في المحافظة على التوازن بين هذه المبادئ وبين مقتضيات الهُويّة الوطنية ووحدة المجتمع.
لقد تغيّرت فرنسا، ليس فقط في تركيبتها الاجتماعية والثقافية، بل في نظرتها إلى ذاتها، وإلى تاريخها، وإلى مفهوم الأمّة الذي قامت عليه جمهوريتها. وإذا كانت الثورات تُسقط الأنظمة لتؤسّس أنظمة جديدة، فإنّ ما تعيشه فرنسا اليوم يطرح احتمالًا مختلفًا: أن تتغيّر هُويّة الجمهورية من داخل مؤسساتها، من دون أن يتغيّر اسمها أو دستورها.
من جمهورية الثورة إلى دولة الأمّة
عندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، لم تكن مجرّد انتفاضة على الملكية، بل لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي الأوروبي. فقد أعلنت انتقال السيادة من الملك إلى الأمّة، ووضعت أسس المواطنة الحديثة، وربطت شرعية السلطة بالإرادة العامة، لا بالحق الوراثي أو الامتياز الطبقي. ومنذ ذلك التاريخ، وعلى الرغم من تعاقب الجمهوريات والإمبراطوريات والملكيات، بقيت فكرة الأمّة الفرنسية المرجعية التي سعت الدولة إلى توحيد المجتمع حولها.
لم تكن هذه الوحدة أمرًا طبيعيًا أو تلقائيًا. فقد صنعتها المدرسة الجمهورية، واللغة الفرنسية، والمؤسسات المركزية، والخدمة العسكرية، ومبدأ العلمانية الذي تكرّس بقانون عام 1905. وكان جوهر المشروع الجمهوري أن يصبح الفرد مواطنًا فرنسيًا قبل أن يكون حاملًا لانتماء مناطقي أو ديني أو اجتماعي.
غير أنّ هذا النموذج، على أهميته التاريخية، لم يكن خاليًا من التناقضات. ففرنسا التي رفعت راية حقوق الإنسان كانت، في الوقت نفسه، تدير إمبراطورية استعمارية واسعة. وفرنسا التي بشّرت بالمساواة عرفت تفاوتات اجتماعية وصراعات طبقية عميقة. لكنّ قوة الجمهورية كانت تكمن في قدرتها على تقديم مشروع وطني يتجاوز هذه التناقضات، حتى عندما تعجز عن حلّها.
ديغول: الدولة قبل الحسابات السياسية
شكّلت عودة الجنرال شارل ديغول إلى السلطة عام 1958 منعطفًا حاسمًا في تاريخ فرنسا المعاصر. فوسط أزمة الجزائر، وانهيار الاستقرار الحكومي في الجمهورية الرابعة، أدرك ديغول أنّ أزمة فرنسا لم تكن مجرّد أزمة حكومات، بل أزمة سلطة وقرار وهيبة دولة. لذلك، أسّس الجمهورية الخامسة على قاعدة سلطة تنفيذية قوية، ورئاسة قادرة على ضمان استمرارية الدولة، بعيدًا عن تقلبات التحالفات البرلمانية.
لكنّ أهمية ديغول لم تكن دستورية فحسب، بل ارتبطت بفلسفته السياسية القائمة على أنّ فرنسا ليست مجرّد مساحة جغرافية أو سوق اقتصادية، بل أمّة ذات تاريخ وذاكرة ورسالة. لقد أراد فرنسا مستقلّة في قرارها، قوية بمؤسساتها، واثقة من ثقافتها، وقادرة على مخاطبة العالم من موقع الندّية.
ومن هنا جاءت سياسته في الاستقلال الاستراتيجي، وبناء الردع النووي، وتأكيد خصوصية الدور الفرنسي داخل أوروبا والعالم. ولم يكن ديغول معصومًا من الأخطاء، كما لم تمنع سياساته التحوّلات الاجتماعية التي انفجرت في أيار 1968. لكنّه كان يمتلك تصوّرًا واضحًا للدولة التي يريد قيادتها، وللأمّة التي تمثّلها هذه الدولة. وهنا تبدأ المقارنة مع فرنسا المعاصرة.
من ديغول إلى ماكرون: تحوّل في مفهوم الدولة
لم تنتقل فرنسا من النموذج الديغولي إلى واقعها الراهن دفعة واحدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت تحوّلات اقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة، رافقتها العولمة، وتوسّع المشروع الأوروبي، وتراجع الصناعات التقليدية، وتنامي الهجرة، وتبدّل دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.
وفي عهد فرانسوا ميتران، تعزّزت مكانة المشروع الأوروبي، وتوسّعت الإصلاحات الاجتماعية والثقافية. ثم جاءت عهود جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند لتواجه، كلٌّ بطريقتها، أزمات الاندماج والهوية والاقتصاد والأمن. غير أنّ أيًّا من هذه العهود لم ينجح في إعادة بناء إجماع وطني مستقر حول معنى الانتماء إلى الجمهورية.
ومع وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة عام 2017، بدا أنّ فرنسا تدخل مرحلة سياسية مختلفة. فالرئيس الذي قدّم نفسه متجاوزًا الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، تبنّى رؤية إصلاحية مؤيّدة للتكامل الأوروبي والانفتاح الاقتصادي، وسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز السيادة الأوروبية ومكانة فرنسا الدولية. لكنّ المفارقة أنّ تجاوز الأحزاب التقليدية لم يؤدِّ إلى تجاوز الانقسامات داخل المجتمع، بل تزامن مع تعمّق أزمة التمثيل السياسي، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، واتساع المسافة بين السلطة وشرائح من المواطنين.
وإذا كان ديغول قد سعى إلى توظيف قوة الرئاسة لإعادة بناء الدولة، فإنّ تجربة ماكرون تكشف حدود الرئاسة القوية عندما تضعف الثقة السياسية والاجتماعية التي تستند إليها. فالسلطة الدستورية لا تكفي وحدها لصناعة الشرعية الوطنية.
الهجرة والاندماج: حين تتراجع المرجعية المشتركة
من الخطأ التاريخي اعتبار الهجرة ظاهرة طارئة على فرنسا. فقد عرف المجتمع الفرنسي موجات متعاقبة من الهجرة الأوروبية، ثمّ من بلدان المغرب العربي وأفريقيا وغيرها، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ساهم المهاجرون وأبناؤهم في الاقتصاد والثقافة والحياة العامة، وأصبحوا جزءًا من المجتمع الفرنسي. لكنّ السؤال السياسي لم يكن يومًا محصورًا في عدد الوافدين، بل في قدرة الدولة على دمج المواطنين والمقيمين ضمن إطار وطني مشترك.
لقد قامت الفكرة الجمهورية التقليدية على مبدأ الاندماج في فضاء مدني واحد، تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويظلّ القانون المرجعية العليا للجميع. غير أنّ إخفاقات السياسات التعليمية والسكنية والاجتماعية، إلى جانب التمييز الذي عانت منه فئات من المجتمع، ساهمت في نشوء مناطق تشعر بالتهميش والانفصال عن مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، أدّت بعض النزعات الانغلاقية والخطابات الهُويّاتية إلى تعميق التوتر حول العلمانية والقيم المشتركة. وهكذا، باتت فرنسا تواجه أزمة مزدوجة: مواطنون يشعرون بأنّ الدولة تخلّت عنهم، وآخرون يشعرون بأنّها لم تعترف بهم اعترافًا كاملًا. والنتيجة أنّ الانتماء الوطني، الذي كان يفترض أن يكون مساحة اللقاء بين الجميع، أصبح هو نفسه موضوعًا للنزاع.
مسؤولية النخب: حقوق بلا مشروع وطني جامع
تتحمّل النخب السياسية والفكرية الفرنسية مسؤولية أساسية عن هذا المسار، وإن بدرجات مختلفة. فقد انشغلت حكومات متعاقبة بإدارة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، وبالاستجابة لمطالب الحقوق الفردية والجماعية، من دون أن تتمكّن من صياغة رؤية متجدّدة للهوية الجمهورية.
ولا تكمن المشكلة في توسيع الحقوق والحريات، فهذه الحقوق من صميم الإرث الفرنسي، بل في الاعتقاد أنّ المجتمع يستطيع المحافظة على وحدته من دون مرجعية مدنية مشتركة، أو أنّ الانتماء الوطني يمكن أن يبقى حيًّا بمجرد تكرار الشعارات الجمهورية. فالأمّة لا تعيش بالدستور وحده، ولا تصمد بمجرد قوة الأجهزة والمؤسسات. إنّها تحتاج إلى ذاكرة مشتركة، وثقة متبادلة، وشعور بأنّ المواطنين ينتمون إلى مصير واحد. وعندما تتراجع هذه العناصر، تصبح الدولة عرضة لانقسامات لا تستطيع معالجتها بالقانون وحده.
وقد ساهمت العولمة الاقتصادية، وتراجع بعض المناطق الصناعية، والفوارق بين المدن الكبرى والأطراف، في تعزيز الشعور بأنّ النخب الحاكمة أصبحت أكثر ارتباطًا بمراكز القرار الاقتصادي والسياسي من ارتباطها بالواقع اليومي لفئات واسعة من الفرنسيين. ومن هنا يمكن فهم صعود اليمين القومي، لا باعتباره سبب الأزمة الوحيد، بل بوصفه أحد أبرز المستفيدين سياسيًا من نتائجها.
هل انتهى الصراع بين اليمين واليسار؟
لم يعد الانقسام الفرنسي التقليدي بين يمين ويسار كافيًا لفهم التحوّلات الجارية. فإلى جانب الصراع الاقتصادي والاجتماعي، برز انقسام آخر بين رؤيتين لمستقبل البلاد: رؤية تعتبر الانفتاح والتنوّع والتكامل الأوروبي عناصر أساسية في فرنسا المعاصرة، وأخرى ترى أنّ استعادة السيادة الوطنية وحماية المرجعية الثقافية الجمهورية شرط لبقاء الدولة متماسكة.
لكنّ هذا الانقسام ليس مطلقًا، فداخل كل معسكر اختلافات عميقة، كما أنّ الدفاع عن السيادة لا يقتصر على اليمين، والدفاع عن الجمهورية لا يحتكره اليسار. والأخطر أن يتحوّل النقاش حول الهُويّة إلى مواجهة بين فئات من المواطنين، بدل أن يكون بحثًا عن القواعد التي تضمن العيش المشترك.
فإذا كانت أعمال العنف والتخريب التي شهدتها فرنسا في محطات مختلفة تكشف أزمة في العلاقة بين المجتمع والدولة، فإنّها لا تسمح باختزال ملايين المواطنين في سلوك مجموعات محدودة، ولا بإقامة تمييز بين فرنسيين بحسب أصولهم. إنّ السؤال الحقيقي ليس مَن يستحقّ أن يكون فرنسيًا، بل ما الذي يعنيه أن يكون المرء فرنسيًا في القرن الحادي والعشرين.
فرنسا أمام امتحان التاريخ
ليست فرنسا الدولة الأولى التي تواجه أزمة هُويّة، ولن تكون الأخيرة. لكنّ خصوصيتها تكمن في أنّها الدولة التي جعلت من مبادئ الجمهورية رسالة عالمية، ومن مفهوم المواطنة أحد أعمدة شرعيتها التاريخية. ولذلك، فإنّ أزمتها الراهنة تتجاوز حدودها الجغرافية، وتمسّ مستقبل النموذج الجمهوري الأوروبي نفسه.
لقد نجحت الثورة الفرنسية في إسقاط النظام القديم، ونجح ديغول في إنقاذ مؤسسات الدولة من الانهيار. أمّا التحدّي الذي تواجهه فرنسا اليوم، فهو أكثر تعقيدًا: إعادة بناء أمّة متماسكة داخل مجتمع تغيّر، من دون التضحية بالمبادئ التي منحت الجمهورية شرعيتها. وليس مستحيلًا أن تنجح في ذلك. فتاريخ فرنسا حافل بالأزمات التي أعقبتها تسويات وتحولات كبرى.
لكنّ الإنقاذ لن يتحقّق بالحنين إلى الماضي وحده، ولا بإنكار التحوّلات الاجتماعية، ولا بتقديم الحقوق الفردية بديلًا من الانتماء الوطني، بل بإعادة الاعتبار إلى الدولة العادلة، والمدرسة الجمهورية، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية.
ويبقى السؤال: هل يستطيع الفرنسيون، بمختلف أصولهم وانتماءاتهم، إنقاذ الجمهورية التي ورثوها، أم أنّ فرنسا دخلت فعلًا المراحل الأخيرة من مَخاضِ هُويّةٍ جديدة، ستحتفظ باسم الجمهورية، ولكنّها قد لا تشبه تلك التي صنعت تاريخ فرنسا ومكانتها في العالم؟
فالدول لا تفقد هُويّتها دائمًا عندما تسقط أنظمتها؛ أحيانًا يحدث ذلك عندما تبقى المؤسسات قائمة، فيما يتغيّر المعنى الذي قامت من أجله.
المصدر: المدن