أقصى اليمين الفرنسيّ يستفيد من اللحظة السياسية لأعمال الشغب
كاثرين بورتر- نيويورك تايمز
الأربعاء 21 تشرين الأول 2026
عقب اندلاع أعمال شغب خلال عطلة نهاية الأسبوع في مدن فرنسية عدة، حمّلت الحكومة الوسطية مسؤولية ما جرى للحزب الرئيسي المنتمي إلى اليسار المتطرّف، متّهمةً سياسيّيه بالتحريض على أعمال العنف. وردّ ذلك الحزب بتحميل الحكومة المسؤولية، متّهماً إياها بتأجيج الغضب الشعبي من خلال سنوات من سوء الإدارة والتعامل الأمني المفرط في استخدام القوة. أمّا الحزب الرئيسي المنتمي إلى أقصى اليمين، فماذا فعل؟ لقد ألقى باللوم على الطرفين معاً، وشرع في التحرّك بعقلية الحملات الانتخابية.
وأكّد جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمّع الوطني» اليميني، بعد خروجه من مركز للشرطة في وسط باريس، يوم الأحد: «إننا ندفع ثمن عقود من التساهل مع الجريمة، وضعف سلطة الدولة، ونزع السلاح المعنوي والنفسي والمادي من أجهزتنا الأمنية الداخلية». وأضاف أنّه توجّه إلى المركز لتقديم الدعم لعناصر الشرطة.
ثم توجّه إلى «المواطنين الفرنسيّين الشرفاء»، الذين صُدموا من واجهات المتاجر المحطّمة والمتاجر التي دمّرها المشاغبون وأحرقوها. وقال إنّ لهؤلاء المواطنين دوراً حيوياً يؤدّونه في إعادة الاستقرار الوطني. وأوضح أنّ ذلك يتحقّق من خلال التصويت لحزبه في الانتخابات المقبلة.
وأضاف: «ينبغي للناس أن يستفيقوا الآن. عليهم اتخاذ الخيارات السياسية الصحيحة، ونحن، في كل الأحوال، على أتمّ الاستعداد لإعادة فرض النظام في البلاد».
يوم من الحداد والصدمة وتبادل الاتهامات
كان يوم الأحد يوماً للحِداد والصدمة وتبادل الاتهامات في فرنسا. ففي اليوم السابق، طغت على الاحتجاجات السلمية الحاشدة المطالبة بتحسين ظروف المدارس والمعترضة على ارتفاع تكاليف المعيشة، أعمالُ مجموعات من المحرّضين الذين ارتدوا ملابس سوداء، ووضع كثير منهم أقنعة على وجوههم، ولم تتّضح انتماءاتهم. وقد هاجم هؤلاء مباني حكومية ومتاجر في مختلف أنحاء البلاد، وأقدموا أحياناً على سرقة النبيذ والأجهزة الإلكترونية.
وبالنسبة إلى حزب «التجمّع الوطني»، الذي يقدّم نفسه بوصفه حزب القانون والنظام، فضلاً عن كونه مدافعاً عن ترحيل المهاجرين الذين لا يحملون تصاريح إقامة قانونية، كان يوم الأحد فرصة سياسية سانحة. إذ لم يتبقَّ سوى 6 أشهر على الانتخابات الرئاسية، التي تُعدّ مرشّحته مارين لوبان الأوفر حظاً للفوز بها.
وأوضح برونو كوتريس، أستاذ العلوم السياسية في معهد «سيانس بو» الجامعي: «إنّ الصورة التي تتكشّف عنها فرنسا هذا الصباح، في ضوء كل هذا الدمار، تصبّ في مصلحتهم تماماً. ويمكننا أن نرى بوضوح أنّ حزب التجمّع الوطني ليس الخاسر في هذه المعادلة».
صعود في أوروبا
ويعكس تعامل الحزب مع أعمال الشغب الطريقة التي تقدّم بها جماعات اليمين في مختلف أنحاء أوروبا نفسها، بوصفها الحلّ لأنواع متباينة من التحدّيات الاجتماعية والحكومية.
ففي تموز، فقدت الحكومة الإسبانية لفترة وجيزة السيطرة على حدود أحد الأقاليم الإسبانية في شمال أفريقيا، ما أتاح تدفّق أعداد كبيرة من المهاجرين، ومنح حزب «فوكس» اليميني في البلاد قضية جديدة يشنّ حملته الانتخابية على أساسها.
وفي ألمانيا، يتصدّر حزب «البديل من أجل ألمانيا»، المنتمي إلى أقصى اليمين، استطلاعات الرأي على المستوى الوطني، ويعود ذلك جزئياً إلى استثماره المخاوف المرتبطة بهوية البلاد.
لوبان تهاجم اليسار المتطرّف
وبينما انتقد بارديلا أداء الحكومة في مجال حفظ الأمن، اغتنمت لوبان الفرصة لمهاجمة جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية»، أبرز أحزاب اليسار المتطرّف وأحد منافسيها الرئيسيّين في السباق إلى الرئاسة.
واعتبرت أنّ «المطالب الاجتماعية المشروعة اختطفها اليسار المتطرّف وخطاب جان لوك ميلانشون» وزملاؤه، متّهمةً إياهم بتأجيج الفوضى من خلال «إضفاء الشرعية على العنف».
وجاءت أعمال الشغب في توقيت حسّاس بالنسبة إلى فرنسا، التي تواجه أصلاً عجزاً هائلاً في الموازنة، وبرلماناً مأزوماً لا يمتلك فيه أي حزب أكثرية.
وحذّر محلّلون سياسيون من أنّ الأشهر الستة الفاصلة عن الانتخابات تُعدّ فترة طويلة في عالم السياسة، وأنّ دوافع الناخبين معقّدة ونادراً ما تتمحور حول قضية واحدة.
ومع ذلك، اعتبر فنسنت مارتييني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيس كوت دازور، أنّ حزب التجمّع الوطني يصوّر البلاد على أنّها منقسمة بين فرنسا مراكز المدن، التي يقول إنّها تعجّ بالطلاب المتأثّرين بأفكار اليقظة الاجتماعية والمشاغبين، و«فرنسا الجيّدة» في الأرياف الهادئة. وأشار إلى أنّ ما إذا كانت الاضطرابات ستمنح حزب التجمّع الوطني دفعة سياسية طويلة الأمد سيتوقف، جزئياً، على استمرار الاحتجاجات من عدمه.
لوبان تقدّم نفسها رئيسةً منتظرة
مساء الأحد، نشرت لوبان كلمة مصوّرة رسمت فيها صورة فرنسا المنقسمة. وظهرت جالسة خلف مكتب خشبي، العلم الفرنسي خلفها، ويداها متشابكتان، في مشهد يوحي بصورة رئيسة تنتظر تولّي منصبها: «إنني أدين اختطاف هذه المشاعر الغاضبة على أيدي بلطجية ينشرون الفوضى في المدن الفرنسية. بعد 6 أشهر، سيتمكّن الشعب الفرنسي من اختيار مسار مختلف، مسار استعادة سلطة الدولة والأمن». ويدعم حزب التجمّع الوطني توسيع قوات الشرطة وتعزيز قدراتها، وكان قد دعا خلال الانتخابات التشريعية عام 2024 إلى فرض عقوبات دنيا إلزامية وإنهاء تخفيف الأحكام، فضلاً عن بناء مزيد من السجون. كما تعهّد بخفض السنّ التي يمكن عندها محاكمة المتّهمين بوصفهم بالغين، بمقدار عامين، لتصبح 16 عاماً، وبخفض الإعانات الحكومية المقدّمة إلى أهالي الأحداث المدانين بارتكاب جرائم.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، اللذان سبق أن أبديا دعمهما للوبان، في التعليق على الاضطرابات بطريقة عزّزت الانتقادات التي يوجّهها حزب التجمّع الوطني.
المصدر: الجمهورية