فدرلة الحياد: أيّ نظامٍ للبنان؟
أنطونيوس أبو كسم
الإثنين 19 تشرين الأول 2026
إنّ الإخفاق في ممارسة الحياة السياسية وفقاً للدستور، ناهيك عن فشل أمراء الحرب في تثبيت الطائف كعقد اجتماعي سياسي وتحويله إلى عقود محاصصة، وممارسة السلطة بغطاء من الوصاية تحت حجّة الاحتلال، إشكاليّات أساسية مزمنة تدفع أحزاباً ومراجع ومجموعات ضغط للبحث عن نظامٍ سياسيّ جديد. والموجع أنّ الإحباط والشعور بعدم المساواة في المواطنة يدفعان جماعات إلى التفكير بالفيدرالية للاحتماء بنظامٍ يحفظ الخصوصيّة ويعطي هامشاً من الحوكمة ويحفظ موارد هذه الجماعة وعدم تجييرها. يُضاف إلى هذه المعضلة المطالبة بحياد لبنان، بسبب تنازل الدولة في عدّة حقبات عن قرار الحرب والسلم، وتجيير مهامّ دفاعية وأمنيّة لميليشيات تورّط البلاد في حروبٍ خاسرة ومدمّرة خدمة لمحاور وأنظمة أجنبيّة.
للأسف، إنّ الأمور التي يعاني منها المواطنون هي نفسها التي تشكّل العائق الأكبر، أكان لتطبيق النظام الفيدرالي، أم لإعلان حياد لبنان. ويستحيل حالياً فَرْمَتَة (Formatting) أذهان كلّ اللبنانيين ليصبحوا يُعلُونَ المواطنة على الانتماء الطائفي أو السياسي.
أوّلاً: عوائق تطبيق الفيدراليّة في لبنان
يصطدم تطوير النظام السياسي بعقبات سوسيولوجيّة وسياسية ودستورية وقانونيّة. من الأمور التي تجعل اعتماد الفيدرالية بعيد المنال هو عدم القدرة لتاريخه على البدء حتّى بتنفيذ اللامركزية الإدارية الموسّعة التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كتسوية حلّ وسط ما بين طرح نظام الدولة الموحّدة ومطالبة البعض بتطبيق الفيدراليّة.
إنّ مناصري الفيدراليّة يعانون من سوء إدارة الدولة اللبنانية لعدّة ملفّات، أبرزها سياسة الدفاع الوطني، والسياسة الخارجية، والحوكمة الماليّة. إلّا أنّه وفي النظام الفيدرالي، فإنّ هذه الوظائف تبقى في يد الحكومة المركزيّة وتخرج عن نطاق صلاحية الوحدات الفيدراليّة. وبالتالي، لن تشكّل الفيدراليّة الحلّ الأمثل لهذه المشاكل، ولن يُكْسِبَ أيّ نظامٍ فيدرالي الوحدات صلاحيات مستقلّة تتعلّق بهذه الشؤون السيادية. فمن الإشكاليات العقيمة إشكالية احتكار القوة المسلّحة (Monopoly of Violence). ينصّ القانون الدستوري على أنّ السلطة الاتحادية المركزية يجب أن تحتكر حصرياً الشؤون الدفاعية وقرارات الحرب والسلم (Jus belli et pacis). إنّ وجود تنظيمات مسلّحة غير نظامية وتتمتع بالاستقلاليّة خارج إطار الدولة يتناقض مباشرة مع شرط وجود دولة اتحادية تمارس سيادتها الكاملة. ونصبح بالتالي أمام فيدرالية الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانيّة، وهذا نقيض لمفهوم الدولة، حيث لكلّ محافظة جيشها الخاص ذو عقيدة خاصّة. فضلاً عن أنّ احتكار الدولة الفيدرالية للقوّة المسلّحة قد يصطدم بالقوى الإقليمية التي تطمح إلى أن يستمرّ لبنان ساحة نفوذٍ خارجيّ.
علاوةً على ذلك، إنّ الديمقراطية اللبنانية، وللأسف، تحوّلت إلى ديمقراطية إجماعيّة وليس فقط توافقيّة، فأيّ مشروع سيكون مرشحاً للسقوط لعلّة الميثاقيّة ولو حصد الأغلبية التي نصّ عليها الدستور. وحسب الواقع السياسي الراهن، حيث كلّ فريق يرى مصير الدولة من نافذته وفقاً لمصالح أتباعه، إنّه من الصعب الوصول إلى إجماعٍ وطني عابر للطوائف وتوافق مجتمعي واسع (Consensus) حول تغيير شكل النظام. وبينما تُطرح الفيدرالية بشكلٍ أساسيّ من قبل أحزاب أو جماعات مسيحية، تُجابه برفض وشكوك عميقة من مجموعة واسعة من المسيحيين، ومن أغلبيّة القوى السنية والشيعيّة التي تراها مقدمة لتقسيم البلاد وانقلاباً على الطائف، أو عائقاً أمامها لاستلام السلطة على كامل الدولة وفقاً للمعايير الديمغرافيّة وحجم القوّة العسكرية. أمّا المعركة الأصعب فستكون على توزيع الصلاحيات في الحكومة المركزيّة، ونكون قد عُدنا إلى نقطة الصفر.
إنّ تقسيم الوحدات الفيدرالية على أساس جغرافي سيؤدّي إلى إخضاع أقليّات لنظام لم يختاروه، وسيؤدّي إلى تسعير النعرات الطائفية. إنّ التداخل الجغرافي والديمغرافي قد يصطدم بمشكلة الجيوب الطائفية (Enclaves Problem) بخلاف الفيدراليات التي قامت على اتحاد أقاليم أو كانتونات محدّدة جغرافياً (مثل سويسرا). فالمكوّنات الطائفية اللبنانية تتميّز بالتداخل السكاني في معظم المناطق. لذا فإن أيّ ترسيم للحدود الإدارية بين المحافظات أو الكانتونات سيؤدي حتماً إلى نشوء جيوب طائفية معزولة داخل أقاليم أخرى، وما يرافق ذلك من اضطرابات سكّانية ونزاعات على الحدود الإدارية. ومن الإشكاليات المتعلّقة بالتداخل الديمغرافي وجود المهجّرين السوريين وأزمة اندماجهم في المجتمع اللبناني وقضيّة تجنيسهم، مع الأخذ بعين الاعتبار حجمهم في الاقتصاد اللبناني ومدى تأثيرهم على الانتظام العام.
قد يصطدم تطبيق الفيدرالية في لبنان بمعضلة التفاوت الاقتصادي والمالي بين الكانتونات، إذ تتمركز الإيرادات الضريبية والمرافق الحيوية بشكلٍ غير متكافئ في مناطق مثل جبل لبنان وبيروت الكبرى مقارنة بالمناطق الأخرى (كالبقاع والشمال)، وتحديداً الجنوب المدمّر. فتدمير قرى الجنوب وتهجير أهلها وحرق بساتينها إشكاليّات على المستوى الوطني، قد تشكّل العائق الأكبر أمام تطبيق الفيدراليّة ولو على مستوى المستقبل المتوسط الزمن. وبالتالي، إنّ أيّة آليّة لإعادة توزيع الثروة ما بين الكانتونات، خصوصاً التي شهدت تهجيراً ودماراً، ستجابه برفض الكانتونات الميسورة، التي من أهمّ أسباب لجوئها إلى نظام الفيدراليّة هو الاستقلال المالي واعتماد حجم الإنماء وفقاً لنسبة الجباية وقيمة الأرباح.
كما يصطدم تطبيق الفيدرالية في لبنان بإشكاليّة الهويات الثقافيّة وتأثيرها على الحريّات العامّة. فالخصوصيّة الدينيّة الثقافيّة قد يتمّ قوننتها على المستوى الفيدرالي، حيث إنّ كلّ وحدة فيدراليّة قد يكون لها نظامها الخاص وانتظام عام خاص يراعي الخصوصيّة. على سبيل المثال لا الحصر، التعليم الديني وتدريس التاريخ في المدارس، تحديد أيّام العطلة في نهاية الأسبوع نسبةً إلى مواعيد الصلاة، أو حظر بيع وتقديم الكحول أو حظر ارتياد النساء المسابح المختلطة أو حظر ارتداء النساء ثياب سباحة محدّدة في كانتونات معيّنة، ممّا يشكّل انتهاكاً للحريّات العامّة ويعزّز التمييز على أساس الدين وعلى أساس الجنس.
ثانياً: مدى توفّر مقوّمات إعلان حياد لبنان
يُطرح الحياد كإطارٍ مكمّل لمنع انجرار لبنان إلى المحاور المتصارعة ولحمايته، وأيضاً لتحويله ربّما إلى واحة لحوار الحضارات، أو إلى مقرٍّ للمساعي الحميدة (Good Offices) والخدمات الإنسانية والدبلوماسية. علماً أنّ تمكين النظام الفيدرالي في لبنان يعتمد على تثبيت حياد الدولة.
إنّ الحياد الدائم (Permanent Neutrality) يعتمد على مستوى داخلي دستوري وعلى آخر خارجي وفقاً لأحكام القانون الدولي العام. إضافةً إلى شرط الإجماع الدستوري على مستوى الوطن، إنّه يقتضي على المستوى الخارجي أن تلتزم الدولة بالقانون الدولي ومبدأ عدم الانحياز (Non-Alignment) وفقاً لاتفاقيات لاهاي (1907). يُفرَضُ على الدولة المحايدة التزام تامّ بعدم المشاركة في النزاعات، وصون حرمة الإقليم، ومعاملة أطراف النزاع الخارجي بتكافؤٍ تام. إنّ ذلك يتطلّب منع استخدام الإقليم الوطني كممرٍّ أو مسرح للعمليات العسكرية أو اللوجستية، وهو شرط يتناقض مع موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وفي الصراع الأميركي الإيراني.
يستلزم الحياد الدائم للبنان اعترافاً دولياً (International Recognition) وضمانات صريحة من مجلس الأمن (كقرار مجلس الأمن رقم 109 عام 1955 الذي زكّى قبول عضوية النمسا في الأمم المتحدة) أو من الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة (كالقرار الخاص بتركمانستان 50/80 لعام 1995) والدول الإقليمية النافذة والمنظمات الإقليميّة كجامعة الدول العربية، وهو أمر غير متوفر في ظل الاستقطاب الإقليمي الحادّ. لا يكفي أن تعلن الدولة حيادها من طرف واحد؛ بل يتطلب ذلك صكاً قانونياً دولياً أو معاهدة متعدّدة الأطراف تعترف بموجبها القوى العظمى والمجتمع الدولي بهذا الوضع القانوني الجديد. على سبيل المثال، جرى الاعتراف بحياد سويسرا، في مؤتمر فيينا (1815) حيث ضمنت القوى الأوروبية الكبرى (بريطانيا، النمسا، بروسيا، روسيا، وفرنسا) سلامة وحرمة أراضيها. أمّا النمسا، فلقد اعتمدت "قانون الحياد الدائم" (Constitutional Law on Permanent Neutrality) في دستورها كشرط أساسي لانسحاب قوات الحلفاء الأربعة (أميركا، بريطانيا، فرنسا، والاتحاد السوفيتي) بموجب معاهدة إعادة إنشاء النمسا المستقلة والديمقراطية (1955).
والأهمّ أنّ الحياد يتطلّب وجود جيش وطني موحّد وقادر على حماية الحدود ومنع أيّ خرقٍ خارجي، وليس دولة تفتقر إلى القدرة الرادعة أو تتوزع فيها مراكز القرار العسكري طائفياً ومذهبياً ومناطقياً واختصاصياً. فالدولة يجب أن تلتزم بالحياد المسلّح (Armed Neutrality) وأن تكون لديها المقدرة على ممارسة حقّ الدفاع المشروع بفاعليّة وحريّة.
ثالثاً: الخصوصية اللبنانية من منظار التجارب الدوليّة
تتنوع النماذج الفيدرالية في القانون المقارن بين نماذج تجميعيّة (Coming-Together) ونماذج تفكيكيّة (Holding-Together)، وتُسلّط التجارب الدولية الضَوء على الحالة اللبنانية.
نظرياً، يُعدّ النموذج السويسري التجربة الأقرب للخصوصية اللبنانية لتشابه التعدّدية (أربع لغات وتنوّع ديني تاريخي). نجحت سويسرا بفضل اعتماد مبدأ الفرعيّة (Subsidiarity)؛ أي اتخاذ القرارات وإدارة السلطة عند أدنى مستوى حكومي ممكن (الكانتونات) مع تطبيق الديمقراطية التوافقية (Consociationalism) عبر "مجلس فيدرالي" يمثّل المكوّنات الرئيسة بالتوافق. إلّا أنّ تطبيق هذا النموذج لبنانياً يستدعي التحوّل من الفيدرالية الطائفية الشخصية إلى الفيدرالية الجغرافية أو الجمع بينهما، على أن يكون المعيار المشترك الولاء للمواطنة. إنّ التعدّدية السويسرية هي لغوية وثقافية وجغرافيّة، أمّا التعدّدية اللبنانية فهي طائفيّة ودينيّة ومذهبيّة وأيديولوجيّة دينيّة لدى البعض تتخطّى الحدود الجغرافيّة وتطغى على الفكر السياسي، حيث تكون الدولة بخدمة الأيديولوجيا.
أمّا النموذج البلجيكي، فيقوم على نظام فيدرالي مزدوج معقّد يربط بين الأقاليم الجغرافية (فلاندرز، والوالوني، وبروكسل العاصمة) والمجتمعات اللغوية والثقافيّة الثلاثة. ورغم نجاحه في منع التفكّك الوطني، إلّا أنه يُنتج شللاً حكومياً وتأخيراً متكرراً في تشكيل السلطة قد لا يتحمّله الوضع الاقتصادي ولا الوضع الأمني اللبناني. تتعامل بلجيكا مع مكونين رئيسيين (الفلمنك والوالون) وأقلية ألمانية صغيرة جداً. أما لبنان فيتعامل مع ثماني عشرة طائفة، منها أربعة مكوّنات رئيسة، منها ثلاث كبرى متوازنة في الحجم والتأثير. تحويل الصيغة البلجيكية إلى صيغة لبنانية سيخلق نظاماً شديد التعقيد ومستحيلاً من الناحية الإدارية.
أمّا الاستئناس بنموذج دول فيدرالية صغرى كسانت كيتس ونيفيس (State of Saint Kitts and Nevis) والميكرونيزيا (Federated States of Micronesia)، فقد يثبت أنّ صغر المساحة الجغرافية أو قلّة عدد السكان لا يشكّل مانعاً قانونياً من اعتماد النظام الفيدرالي للحفاظ على استقلالية الجزر أو الهويّات المتميّزة. إنّ هذه التجربة لا يمكن تطبيقها في لبنان، إذ إنّ الهويات غير محصورة ببقعة جغرافية محدّدة، وأنّ عناصر هذه الهويات أغلبها لا يتوافق مع فكرة الدولة ويشكّل نقيضاً لفكرة المواطنة.
وعليه، إنّ تجربة الفيدراليّة الإثنية في إثيوبيا ونموذج نيجيريا الفيدرالي قد أظهرا أنّ تقسيم الحدود الدستورية على أسس عرقية أو طائفية بحتة دون توافق وطني ومؤسسات مركزية قوية، يؤدّي إلى تغذية القوميات الضيقة، والنزاعات الحدودية الداخلية، والفساد في توزيع الموارد بدلاً من تحقيق الاستقرار.
في الخلاصة، تطرح الفيدرالية المحايدة نموذجاً نظرياً متماسكاً لمعالجة الهشاشة البنيوية وتحييد لبنان، لكنها ليست حلاً سحرياً موجزاً. فالأصل في الفيدرالية والحياد في القانون المقارن أنهما نتاج لتوافق وطني صلب واحتكار فعلي للدولة لسلطة القانون والسلاح، وليسا مجرّد نصوص دستورية يُعلن عنها للتطبيق التلقائي. إنّ سرّ نجاح هذا النظام يرتكز على ركيزتين: الولاء للوطن، وسلطة تدار من قبل رجال دولة. إنّ فدرلة لبنان كحلٍّ لأزمة الذهنيّات الحاليّة قد تشكّل الخطوة الأولى نحو التقسيم، ومشروعاً لضمّ بعض الدويلات وقضمها من قبل الدول المجاورة. وسط حالة سياسة الجوار الإقليميّة، هل سيعطى لبنان فرصة أن يتحوّل دولة حيادية؟ أم هل لديه القدرة أو المقوّمات لاتّباع نظام الحياد الناشط (Active Neutrality) حيث ينخرط لبنان بشكل استباقي ودبلوماسي في دعم السلام العالمي والوساطة بين الأطراف المتنازعة؟
وطموحاً إلى النظام الفيدرالي المحايد، هل سيشهد لبنان يوماً ما نموذج رئيس دولة أو رئيس سلطة يستقيل من تلقاء نفسه كاستقالة رئيس الاتحاد السويسري الحالي غي بارميلان (Guy Parmelin) بسبب فقدان الشغف بممارسة مهامه الوطنيّة؟
المصدر: المدن