العلمانية
خطاب حزب البديل وتحوُّلات ألمانيا الشرقية

د. خالد العزّي

الخميس 15 تشرين الأول 2026

شكّل صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أحد أبرز التحوُّلات في المشهد السياسي الألماني خلال العقد الأخير، ولا سيما في الولايات الشرقية التي شهدت مستويات مرتفعة من التأييد للحزب. ولم يأتِ هذا الصعود منفصلاً عن التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية التي أعقبت سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، بل تداخل مع شعور قطاعات من سكان ألمانيا الشرقية، بأنّ عملية الوحدة لم تحقق لهم المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي كانوا يتطلّعون إليها.
 
ففي كتاب المؤرخ الألماني إيلكو-زاشا كوفالتشوك (Ilko-Sascha Kowalczuk)، «صدمة الحرّية: تاريخ مختلف لألمانيا الشرقية من عام 1989 إلى 2024» (Freiheitsschock)، الصادر عن C.H.Beck عام 2026، يصف الكاتب الآثار الاجتماعية والسياسية للتحوُّل الذي شهدته ألمانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين. ويشير إلى أنّ الانتقال من الدكتاتورية الاشتراكية إلى النظام الديمقراطي واقتصاد السوق، لم يكن تحوُّلاً مؤسسياً فحسب، بل أحدث تغييرات عميقة في الحياة الاجتماعية، وفي تقييم الأفراد لتجاربهم السابقة ومكانتهم في المجتمع الجديد. ويولي الكتاب اهتماماً خاصاً لصعود حزب البديل من أجل ألمانيا في الولايات الشرقية، ويحاول تفسير أسباب نجاحه بصورة خاصة في هذه المنطقة.
 
«بيغيدا» وتحوُّلات ألمانيا الشرقية
 
كما برزت حركة PEGIDA، أي «الأوروبيّون الوطنيّون ضدّ أسلمة الغرب»، التي ظهرت في مدينة دريسدن عام 2014، ورفعت خطاباً معادياً للهجرة والإسلام والتعدُّدية الثقافية. وقد أصبحت الحركة إحدى أبرز مظاهر الاحتجاج اليميني في ألمانيا الشرقية، وجذبت في ذروة نشاطها آلاف المشاركين، كما ارتبط جزء من جمهورها سياسياً بحزب البديل من أجل ألمانيا. وتشير دراسات أكاديمية إلى أنّ ظهور الحركة سبق أزمة اللاجئين الكبرى في ألمانيا، وأنّها نشأت في سياق اجتماعي وسياسي كانت فيه قضايا الهجرة و«أسلمة ألمانيا»، قد بدأت تتحوَّل إلى موضوعات مركزية في الخطاب اليميني.
 
الوحدة الألمانية وآثار التحوُّل
 
ولفهم هذا التحوُّل، لا بُدّ من العودة إلى الانقسام التاريخي بين الألمانيّتَين بعد عام 1990. فقد أدّى الانتقال السريع من النظام الاشتراكي إلى الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق، إلى إعادة بناء واسعة للمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإدارية في ألمانيا الشرقية. وشهدت هذه المرحلة انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد الاشتراكي وإعادة هيكلة المؤسسات وسوق العمل، كما رافقتها هجرة سكانية كبيرة من الشرق إلى الغرب.
 
ومن هنا نشأ لدى قطاعات من سكان ألمانيا الشرقية شعور بأنّ الوحدة الألمانية لم تكن مجرّد اندماج متكافئ بين مجتمعَين، وإنما عملية تحوُّل عميقة فرضت عليهم مؤسسات وقواعد اقتصادية واجتماعية جديدة. وقد تركت هذه العملية آثاراً طويلة المدى على بعض المسارات المهنية والهويات الاجتماعية، وعلى العلاقة بين سكان الشرق ومؤسسات الدولة والنخب السياسية والاقتصادية في ألمانيا الموحّدة.
 
تعدُّد عوامل صعود حزب البديل
 
لا يعني ذلك أنّ تأييد حزب البديل يمكن اختزاله في عامل اقتصادي واحد، أو في تجربة الوحدة الألمانية وحدها، فالأبحاث السياسية تشير إلى تداخل مجموعة من العوامل، من بينها المواقف تجاه الهجرة والتعدّدية الثقافية، والثقة بالمؤسسات السياسية، والانقسامات الإقليمية بين الشرق والغرب، والتحوُّلات الاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت الوحدة. وقد وجدت دراسات عن انتخابات 2017، أنّ الخطاب الوطني والمحافظ كان أكثر حضوراً في بعض التنظيمات الشرقية للحزب، وأنّ هناك صلات سياسية واجتماعية بين تنظيمات اليمين الشرقية واحتجاجات «بيغيدا».
 
الخطاب المحافظ وأزمة الهوية
 
يمكن قراءة صعود اليمين في ألمانيا الشرقية بوصفه جزءاً من أزمة أوسع، تتعلّق بإعادة بناء الهوية الاجتماعية والسياسية بعد التحوُّل من الاشتراكية إلى الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية. فقد وفّر خطاب أقصى اليمين لحزب البديل، بالنسبة إلى بعض شرائح الناخبين، لغة سياسية تعبّر عن الاستياء من الهجرة والتغيُّر الاجتماعي ومن النخب والمؤسسات القائمة، كما استفاد من مشاعر مرتبطة بتجربة التحوُّل بعد الوحدة الألمانية. ولم يشفع وصول امرأة شرقية إلى منصب المستشارة لمدة أربع دورات، وهي ألمانية شرقية وبروفيسورة في الفيزياء، قدّمت استقالتها طوعاً، لحل أزمة الانقسام الحاد بين الألمانيّتَين وإنهاء الحرمان ومنع نمو التطرُّف وتهميش خطاباتها المؤثرة.
 
في النهاية، لا تبدو المسألة مجرّد عودة مباشرة إلى الماضي النازي، كما لا يمكن تفسيرها فقط بوصفها نتيجة للفقر أو البطالة. وإنما تتطلّب فهم التفاعل بين الذاكرة التاريخية، والتحوُّلات الاقتصادية، والانقسام الإقليمي بين الشرق والغرب، والشعور بالتهميش، والهجرة، وأزمة الثقة بالمؤسسات، والخطاب اليميني الجديد. وقد ساهمت هذه العوامل مجتمعة في توفير بيئة اجتماعية وسياسية، سمحت لليمين بتوسيع حضوره في أجزاء من ألمانيا الشرقية.
 
المصدر: الجمهورية