العلمانية
فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل: كي يبقى لبنان وطن الرسالة

أسعد الخوري

الإثنين 5 تشرين الأول 2026

(فيليب سالم: لبنان والحياد والفاعل) كتاب جديد (180 صفحة من القطع الكبير). يؤمن البروفسور سالم "أن لبنان يجب أن يعتنق استراتيجية الحياد الفاعل، لا الحياد الإيجابي ولا  سياسة النأي بالنفس، لأننا نريده أن يبقى فاعلاً في العالم، داعمًا للسلام، وواقفًا دائمًا وأبدًا بجانب قوة الحق والعدل وحقوق الإنسان. لا نريده أن يصبح وطنًا هامشيًا. نريده أن يكون نموذجًا للشرق ومنارة للعالم. نريده أن يبقى وطن الرسالة".
 
ويؤكد أن "الحياد الفاعل لا يصنع الحياد فحسب بل يصنع السلام أيضًا. إن صنع السلام يحتاج إلى عمل كبير. الحياد بمفهوم الحياد الإيجابي لا يصنع السلام. وبالإضافة إلى صنع السلام فالحياد الفاعل ضروري لتثبيت هذا السلام وديمومته".
 
يضيف سالم أنه في 26 حزيران 2026، وعلى مدى يومين، اجتمع في جنيف بسويسرا تسعون خبيرًا في الديبلوماسية وبناء السلام، وقضية الحياد، لدعم رؤية جديدة للحياد وتشجيعها وهي الحياد الفاعل (Active Neutrality).
 
تمّ هذا الاجتماع بناءً على طلب من المؤتمر العالمي الأول عن الحياد الذي عُقد في بوغوتا – كولومبيا في نيسان 2024. وفي هذين المؤتمرين، وُجّهت وصية إلى البلدان كلها التي ترغب أن تكون على الحياد أن تتبنّى (الحياد الفاعل) بدل (الحياد الإيجابي) أو سياسة عدم الانحياز، وذلك لأسباب عديدة ناقشها فيليب سالم في كلمته عن "الحياد الفاعل".
 
إن "الحياد الفاعل" هو أول طرح لبناني وطني أطلقه الدكتور سالم العام 2008، حيث دعا إلى ضمان حياد لبنان، والطلب إلى مجلس الأمن وضع إطار جديد لحياد لبنان. إذ إن لبنان في تاريخه المعاصر كان ولا يزال فريسة لأطماع دول إقليمية، للسيطرة على قراره السيادي الحرّ. وأكد سالم إيمانه بـ"الحياد الفاعل" الذي يصبّ في مصلحة لبنان العليا.
 
يرى السفير مسعود معلوف في تعليق على دعوة سالم للحياد الفاعل في جريدة الجمهورية في 16 آذار 2021، "إن اقتراح الحياد الفاعل للبنان من شأنه أن يشكّل مدخلاً إلى حلّ كثير من المشكلات السياسية التي يعاني منها لبنان، والناجمة إلى حدٍ ما عن الخلافات والنزاعات داخل العالم العربي وتأثيرها المباشر على الوضع الداخلي اللبناني".
 
ويرى الدكتور غالب غانم (رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقًا) أنه "حين يُطرح الحياد، لا كطريق إلى التلاقي الداخلي وحسب، بل إلى اعتناق سياسة المسافة المتوازية بين الأطراف الخارجية، تتعدّد صوره وآلياته، ويتأجج أوان الجدل حوله بدافع من تعدّد الأفكار والمشاريع إياها... وسيُدركون أن مفهوم الحياد لا يتعارض مع الثوابت، وأن التباين بشأنه يعكس انعطافًا عن المبادئ الدستورية التي ارتضاها اللبنانيون". تحليلاتسياسية عميقة
 
كتب العميد المتقاعد أنطوان نجيم، أن سالم "وضع خارطة طريق للحياد اعتمدها أسلوب حياته وتمنّاها للبنان ليكون أول "مفكر" يدعو إلى حياد لبنان الفاعل". (راجع مقاله في صحيفة النهار اللبنانية، 12 حزيران 2008) الذي يقول فيه:
 
"في موضوع الحياد هناك نوعان منه فإما أن تكون حياديًا من جميع الأفرقاء وتدعهم يقودونك في كل اتجاه ويكون هذا الحياد حيادًا غير فاعل، وإما أن تكون حياديًا وتقود جميع الأفرقاء إلى الهدف الذي تريد ويكون هذا الحياد فاعلاً". وتابع سالم كلامه ليقرن الحياد الفاعل بالديبلوماسية الذكية التي هي "الديبلوماسية التي تكون مصلحة لبنان، وحده لا غير هدفها، وتقوم على العقل ومعرفة العالم والقدرة على الحوار مع جميع الأفرقاء في الداخل وجميع الأفرقاء في الخارج، وبالأخص مع الدول المتصارعة في لبنان، والقدرة على إقناع هؤلاء وأولئك بأن لبنان يريد أن يكون صديقًا لكلٍ منهم ولا يريد أن يكون عدوًا لأحد".
 
أما الدكتور مصطفى الحلوة فيرى أن البروفسور سالم يناضل من أجل الحياد الفاعل منذ العام 2008. فقد كان رائدًا في طرح هذه المسألة، لعلاج الحالة اللبنانية شديدة التردّي. فقد قال فيها الكثير، وتضمّنها العديد من مؤلفاته، وروّج لها في محاضراته وندواته وإطلالاته عبر الوسائط الإعلامية المختلفة. لقد كان أكثر تحديدًا وصرامةً ومنهجيةً، في تعاطيه أطروحة الحياد، بل (الحياد الفاعل) دون سواه من أطروحات الحياد الإيجابي، والنأي بالنفس، أو مختلف الصيغ التي تصب في هذا المصبّ"...
 
ورأى الدكتور سهيل مطر أن سالم "استعرض تاريخ لبنان الحديث، وانتهى إلى "بروتوكول" صحي يتلاءم مع وضع لبنان: اقرأأحدث الصحف
 
لا يمكن متابعة الطريق مع هذه الطبقة السياسية.
 
لا يمكننا أن نكون رهائن لدولٍ تحيطُ بنا.
 
لا يمكننا، بالعنف، أن نحلّ مشاكل لبنان.
 
لا يمكننا أن نبقى ضحايا طائفية لعينة.
 
عيشنا المشترك هو مستقبلنا.
 
حيادنا الفاعل هو علاجنا بعد كل هذه الالتهابات التي أصابتنا.
 
ويتساءل مطر: أين نجدُ هذه الأدوية؟ في قلب فيليب سالم وفي ما كتبه قلمُه على مدى سنواتٍ وسنوات.
 
يقول الدكتور طوني عطالله (عميد كلية الدكتوراه في العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية سابقًا)، إنه "يعود النقاش حول حياد لبنان إلى الجذور العميقة للهوية الوطنية، إذ إن الحياد ليس شعارًا ظرفيًا ولا طرحًا مستجدًا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من السعي إلى حماية رسالة لبنان ودوره في محيطه ومنع تحويل الوطن إلى ساحة ثم ساحات. لا يعني الحياد الفاعل التفريط بالحقوق العربية والفلسطينية، بل يشكّل امتدادًا طبيعيًا لروح ميثاق 1943 والتزامات لبنان الدولية، ويستمد شرعيته من تراكم التجربة التاريخية والثقافية أكثر مما يستمدّها من النصوص الدستورية والقانونية وحدها".
 
يضيف: "إن الدكتور سالم الذي يدعو منذ سنوات طويلة إلى الحياد الفاعل، يريد إبعاد لبنان عن هذه الصراعات العقيمة التي تكلّفه ثمنًا باهظًا. ويريد أيضًا أن لا يشرب لبنان كأسًا مرًا ينتج عن مرارة الانقسامات المحلية والإقليمية والدولية". اكتشفالثقافة
 
 
المدخل الأساس للبنان
 
يشدّد البروفسور سالم على "أن الحياد الفاعل هو المدخل الأساس لقيامة لبنان". ويقول إن مؤسسات اغترابية عديدة اقترحت أساليب تؤدي إلى وقف الفساد المستشري منذ عقود في النظام اللبناني والإدارة اللبنانية، ودعا إلى إجراء إصلاحات شاملة ومؤثرة وواضحة، وتقديم مساعدات مالية للبنان.
 
وكان الدكتور سالم وجّه كتابًا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، إلى لجنة السياسة الخارجية في الكونغرس الأميركي، دعا فيها لانعقاد مؤتمر دولي من أجل لبنان، وحدّد ثلاث أهداف لهذا المؤتمر:
 
الهدف الأول هو وضع (خطة مارشال) لبنانية، مماثلة للخطة الأميركية لإعادة إعمار أوروبا التي طُبقت بعد الحرب العالمية الثانية.
 
ضمان سيادة لبنان واستقلاله ضمن آلية دولية بإشراف الأمم المتحدة.
 
ضمان (حياد لبنان الفاعل) من قِبَل مجلس الأمن.
 
يرى الدكتور سالم أن الحياد الفاعل هو إيجابي وفاعل في مصلحة لبنان، وهو يعني أن لا تكون السياسة الخارجية للدولة على الحياد المطلق بل أن تكون فاعلة ومشاركة ومنخرطة في سياسات الدول الأخرى، بحيث يصبّ هذا الانخراط في مصلحة الدولة. وإن اعتناقه استراتيجية الحياد الفاعل يكون لبنان فاعلاً إلى أقصى الحدود في السياسات الدولية، وفي دعم مؤسسات الشرعية العالمية. أخبارلبنان اليوم
 
ويؤمن سالم "أن لبنان يجب أن يعتنق استراتيجية الحياد الفاعل، لا الحياد الإيجابي، لأننا نريده أن يبقى فاعلاً في العالم، داعمًا للسلام، وواقفًا دائمًا وأبدًا بجانب قوة الحقّ والعدل وحقوق الإنسان. لا نريده أن يصبح في عزلة أو أن يصبح وطنًا هامشيًا. نحن نريده أن يكون نموذجًا للشرق ومنارة للعالم".
 
البطريرك والرياشي
 
استخدم البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظته بالديمان مؤخرًا تعبير "الحياد الفاعل"، فيما كان يستخدم سابقًا تعبير "الحياد الناشط" أو غيرها. وهو استخدم تعبير "الحياد الفاعل" بعد صدور الكتاب والاطلاع على مضمومه.
 
كما استخدم تعبير "الحياد الفاعل" النائب ملحم الرياشي في مجلس النواب اللبناني في خطبة له بتاريخ 16 أيلول 2016. وهو كان يدعو دائمًا الى مبدأ الحياد، ويستخدم تعابير البطريرك الماروني في وصفه للحياد. 
 
هذه أمثلة قليلة، لكن تعبير "الحياد الفاعل" لم يعد منحصرًا فقط بهذه "النخبة" بل تعدّاها ليصبح على معظم شفاه اللبنانيين الذين يطالبون بحيادٍ فاعلٍ حقًا.
 
صورة غلاف الكتاب: فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل
 
المصدر: الجمهورية