لماذا تحتكر المؤسسة الدينية العربية "الاعتدال"؟
العرب اللندنية
الجمعة 18 أيلول 2026
حين يصبح موقع رجل الدين من السلطة معياراً لشرعية مواقفه، يبرز السؤال حول ما إذا كان الاعتدال يُقاس بمضمون الأفكار والفتاوى أم بالقرب من المؤسسة الرسمية.
لطالما استخدمت عبارة «الاعتدال الديني» في الخطاب العربي الحديث لوصف المؤسسات والشخصيات التي تنتمي إلى المجال الديني الرسمي، في مقابل تيارات أو رجال دين يعملون خارج الأطر التي تنظمها الدولة. ومع اتساع مواجهة التطرف والإرهاب، أصبحت الدولة أكثر حضوراً في تنظيم المجال الديني، من خلال وزارات الأوقاف والمجالس العلمية وهيئات الإفتاء والمؤسسات التعليمية.
غير أن هذا التطور يطرح سؤالاً أعمق من مجرد الفصل بين الاعتدال والتشدد: هل يكفي أن يكون رجل الدين تحت مظلة الدولة حتى يصبح خطابه معتدلاً، أم أن الاعتدال صفة فكرية وأخلاقية لا تتحدد بالموقع الوظيفي؟
المشكلة تبدأ من تحويل «الاعتدال» من مفهوم يحتاج إلى معايير واضحة إلى صفة مرتبطة بالانتماء المؤسسي. فرجل الدين الرسمي قد يتبنى خطاباً متسامحاً في قضايا التعدد الديني أو رفض العنف تحت إكراهات السياسة، لكنه قد يتخذ مواقف محافظة في قضايا اجتماعية أخرى. وفي المقابل، يمكن لرجل دين مستقل عن المؤسسة الرسمية أن يكون متشدداً في بعض القضايا، لكنه قد يتبنى قراءات إصلاحية في قضايا أخرى.
لكن المشكلة الأكبر أن الاعتدال مفهوم فضفاض ويتم تنزيله على أي حدث لإظهار أن الدول معتدلة ومتسامحة، وهو اقرب إلى ورقة سياسية تحقق هدفين، الأول إقناع الغرب بأن الدولة العربية، أي دولة، متسامحة وتحارب التشدد، والثاني اعتبار الاعتدال ورقة لتشريع أي خطوات تقوم بها السلطة لمواجهة خصوم سياسيين بخلفية إسلامية مع التقاء موضوعي بينهما في توظيف الدين سياسيا لكسب شرعية الفتوى والتكفير.. اختلاف حول منْ من حقه توظيف الدين سياسيا وليس حول مقاربة مرجعية تأويلية أو اجتهادية
لذلك فإن وضع الاثنين في خانتين ثابتتين، «رسمي معتدل» و«مستقل متشدد»، يخفي أكثر مما يكشف. فالمعيار الأكثر دقة ينبغي أن يكون مضمون الخطاب نفسه: كيف يتعامل مع الاختلاف؟ كيف ينظر إلى المرأة؟ ما موقفه من العنف؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء التحولات الاجتماعية؟ وهل يقبل بالتعددية ومرجعية القانون والمواطنة المتساوية؟
الدولة تعيد تنظيم المجال الديني
لم يكن صعود المؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي منفصلاً عن حاجة الدول إلى تنظيم المجال الديني ومنع تحوله إلى فضاء موازٍ للسلطة. وفي عدد من البلدان، أصبحت الدولة تحدد من يحق له الإفتاء، وتضع قواعد للخطاب الديني، وتشرف على المساجد والتكوين الديني.
لهذا التنظيم وظيفة أمنية وسياسية واضحة في بعض السياقات، لكنه يؤدي أيضاً وظيفة دينية، تتمثل في إنتاج مرجعية مؤسسية تحاول الدولة من خلالها ضبط الفتاوى والخطابات المتعارضة.
مدونة الأسرة تبدو أكثر من قانون ينظم العلاقات العائلية. إنها مساحة يتقاطع فيها الدين والسياسة والمجتمع والقانون، ولذلك تكشف حدود كل خطاب عن "الاعتدال"
غير أن وجود مرجعية رسمية لا يحسم وحده سؤال الاعتدال. فهو يحدد من يملك سلطة الكلام الديني أكثر مما يحدد بالضرورة مضمون هذا الكلام. ومن هنا يصبح من الضروري الفصل بين مفهومين: شرعية المؤسسة الدينية داخل النظام السياسي، ومدى اعتدال مضمون مواقفها.
وهذا التفريق مهم لأن الدولة قد تجد في المؤسسة الدينية الرسمية شريكاً في مواجهة خطاب متطرف، لكنها قد تجد نفسها في الوقت ذاته أمام قضايا اجتماعية لا يمكن حسمها بمجرد تصنيف الخطاب إلى معتدل أو متشدد.
تظهر الفروق بصورة أوضح عند مقارنة الفتاوى الرسمية بالفتاوى التي تصدر خارج المؤسسات المعتمدة. فالفتوى الرسمية تخضع، في العادة، لسياق مؤسسي وقانوني محدد، وتتحرك داخل حدود المرجعية الدينية التي تعتمدها الدولة. أما الفتوى المستقلة فتتمتع بهامش أوسع في تفسير النص، لكنها قد تفتقر إلى الاعتراف المؤسسي، وقد تتراوح مواقف أصحابها بين المحافظة والإصلاح والتشدد.
وهذا يعني أن الاستقلال عن السلطة ليس مرادفاً للتشدد، تماماً كما أن القرب من السلطة أو العمل تحت مظلتها ليس مرادفاً للاعتدال.
وقد يكون الفارق الحقيقي بين الطرفين متعلقاً بمصدر الشرعية. فالمؤسسة الرسمية تستمد جزءاً من قوتها من الاعتراف القانوني والتنظيمي، بينما يستمد رجل الدين المستقل قوته من جمهوره أو من مكانته العلمية أو من قدرته على التأثير في المجال العام. وفي عصر المنصات الرقمية، أصبح هذا الفارق أكثر تعقيداً، لأن رجل الدين لم يعد بحاجة دائماً إلى مؤسسة تقليدية للوصول إلى ملايين المتابعين.
وهنا يتحول السؤال من «من هو المعتدل؟» إلى «ما المعايير التي تجعل خطاباً دينياً معتدلاً؟».
مدونة الأسرة.. الاختبار الأكثر حساسية
ربما لا توجد ساحة تكشف هذه الإشكالية بوضوح مثل قوانين الأسرة. فالدولة تستطيع أن تتحدث عن تجديد الخطاب الديني والتسامح، لكن الاختبار العملي يظهر عندما يتعلق الأمر بالزواج والطلاق والحضانة وتعدد الزوجات والميراث وغيرها من القضايا التي تقع عند تقاطع النص الديني مع القانون والتحولات الاجتماعية.
التجربة المغربية تقدم نموذجاً مهماً في هذا السياق. فقد أُدخلت إصلاحات واسعة على مدونة الأسرة عام 2004، ثم بدأت عملية مراجعة جديدة في السنوات الأخيرة. وفي يناير 2025 أعلنت الحكومة تشكيل لجنة لصياغة مقترحات المراجعة تضم وزارات العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية والتضامن والأسرة، إلى جانب الأمانة العامة للحكومة، مع مشاركة خبراء قانونيين وقضائيين وعلماء. وأكدت الحكومة أن مقترحات المراجعة تستند إلى المرجعيات الدينية والتطورات الاجتماعية والقانونية.
وتكشف هذه العملية أن حضور المرجعية الدينية لا يعني بالضرورة رفض الإصلاح، كما أن الإصلاح لا يعني بالضرورة إقصاء المرجعية الدينية. فالمسألة تصبح مرتبطة بكيفية تفسير النص، وبالمساحة التي يمنحها الاجتهاد للتحولات الاجتماعية.
وفي المغرب، ارتبطت الإصلاحات السابقة أيضاً بمفهوم الاجتهاد، وبفكرة التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات القانون الحديث. وفي الخطاب الملكي المتعلق بالإصلاح، جرى التأكيد على أن مدونة الأسرة يمكن أن تستند إلى الاجتهاد وإلى مقاصد الإسلام مع الحفاظ على مرجعيات المملكة الدينية.
لكن هذا المسار لم يلغ الخلاف. فدراسات تناولت مراجعة مدونة الأسرة تشير إلى استمرار التباين بين قوى مدنية وحقوقية تدفع باتجاه إصلاحات أوسع، وقوى سياسية ودينية ترى أن بعض المقترحات تتجاوز الحدود التي تسمح بها المرجعية الشرعية.
وهنا تظهر أهمية مدونة الأسرة بوصفها اختباراً للاعتدال لا على مستوى الشعارات، وإنما على مستوى القدرة على إدارة الاختلاف.
المشكلة لا تكمن في أن الدولة تنظم المجال الديني؛ فهذا موجود بأشكال مختلفة في دول كثيرة. الإشكال يبدأ عندما يصبح الولاء المؤسسي معياراً كافياً لمنح صفة الاعتدال.
رجل الدين الرسمي قد يتبنى خطاباً متسامحاً في قضايا التعدد الديني أو رفض العنف تحت إكراهات السياسة، لكنه قد يتخذ مواقف محافظة في قضايا اجتماعية أخرى
فالاعتدال، إذا كان يعني قبول التعدد والاختلاف ورفض العنف واحترام الكرامة الإنسانية والقدرة على تطوير القراءة الدينية بما يتلاءم مع الواقع، ينبغي أن يُقاس بهذه المعايير، لا بمجرد قرب رجل الدين من مؤسسة رسمية.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الخطاب الديني الخارج عن المؤسسة الرسمية بوصفه متشدداً لمجرد أنه مستقل. فقد توجد قراءات إصلاحية خارج المؤسسات، كما يمكن أن توجد مواقف محافظة داخلها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في عصر أصبحت فيه الدولة طرفاً مباشراً في إنتاج الخطاب الديني. فحين تتولى المؤسسات الرسمية تدريب الأئمة وإدارة المساجد وتنظيم الإفتاء، يصبح عليها أيضاً أن تشرح للجمهور ما الذي تعنيه بالاعتدال، وما الحدود التي تفصل بين المحافظة الدينية والتشدد، وبين الاجتهاد المشروع والخطاب التحريضي.
من يحتكر تعريف الاعتدال؟
قد تكون المشكلة الأعمق أن مفهوم الاعتدال نفسه أصبح مجالاً للتنافس على الشرعية. فالدولة تحتاج إلى خطاب ديني يساعدها على مواجهة التطرف وحماية الاستقرار، والمؤسسات الدينية تريد الحفاظ على موقعها المرجعي، والتيارات المستقلة تسعى إلى مساحة للتأثير، بينما يريد المجتمع أن يرى انعكاساً عملياً لهذا الخطاب في حياته اليومية.
لهذا فإن السؤال عن الاعتدال لا يمكن أن ينتهي عند رجل الدين، بل يمتد إلى التشريع والسياسات الاجتماعية.
فإذا كانت الدولة تعتبر خطابها الديني معتدلاً، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون فقط في خطب التسامح ومواجهة التطرف، وإنما في كيفية التعامل مع المختلف، وفي قدرة المؤسسات على مراجعة مواقفها، وفي مساحة الاجتهاد التي تسمح بها، وفي استعدادها للنظر إلى قضايا المرأة والأسرة من زاوية التطور الاجتماعي والقانوني.
ومن هنا تبدو مدونة الأسرة أكثر من قانون ينظم العلاقات العائلية. إنها مساحة يتقاطع فيها الدين والسياسة والمجتمع والقانون، ولذلك تكشف حدود كل خطاب عن «الاعتدال».
في النهاية، لا يبدو أن الاعتدال يمكن أن يكون صفة تمنحها السلطة أو تسحبها بمجرد تغيير موقع رجل الدين. فالصفة، لكي تكون ذات معنى، تحتاج إلى معايير يمكن اختبارها خارج العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة.
وربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل تستطيع المؤسسات الدينية الرسمية أن تثبت اعتدالها عندما تختلف مع السلطة، وهل يستطيع الخطاب الديني المستقل أن يثبت انفتاحه عندما يختلف مع المجتمع؟
عند هذه النقطة فقط ينتقل الاعتدال من كونه مظلة سياسية إلى كونه ممارسة فكرية واجتماعية قابلة للنقاش والاختبار.