صعود اليمين المتطرف في أوروبا واستراتيجياته الرقمية
سعود المولى
الخميس 17 أيلول 2026
يعيش الحقل السياسي الأوروبي خلال السنوات الأخيرة تحولاً هيكلياً يُعاد فيه رسم الخريطة الحزبية والفكرية. لم يعد اليمين المتطرف مجرد حركة احتجاجية هامشية تنشط في أطراف المنظومة السياسية، بل تحول إلى قوة أيديولوجية وجيوسياسية فاعلة تمارس الحكم، وتؤثر في تشكيل السياسات العامة، وتخوض معركة فرض الهيمنة الثقافية عبر وسائل الإعلام التقليدية والفضاءات الرقمية على حد سواء.
تعدد تيارات اليمين المتطرف
أ- التعدد والتنوع الداخلي
تُعد الخريطة الهيكلية لتيارات اليمين المتطرف مدخلاً أساسياً لتفكيك وفهم هذه الظاهرة المعقدة؛ إذ إن المراهنة على فهم اليمين المتطرف ككيان متجانس تعوق القدرة على تحليل استراتيجياته المختلفة أو تقدير خطورته. تتوزع هذه الخريطة الهيكلية على أربعة روافد وتنظيمات رئيسية تعمل بأساليب وآليات متمايزة:
الأحزاب المؤسسية والبرلمانية (اليمين المتطرف الانتخابي) :هي المكون الذي اختار العمل من داخل أطر الديمقراطية التمثيلية وآلياتها الانتخابية. تتبنى استراتيجية "التطبيع والقبول الاجتماعي" (Normalisation) لإزالة الوصمة التاريخية عن أدبياتها، وجعل خطابها مألوفاً ومقبولاً لدى طبقات واسعة من الناخبين بهدف الوصول إلى السلطة والمشاركة في الحكومات. ولعل أبرز نموذج هو التجمع الوطني الفرنسي (Rassemblement National)، الذي تحول من حزب احتجاجي هامشي إلى قوة برلمانية تتصدر الانتخابات الأوروبية وتترأس كتل سياسية. وهناك أيضاً حزب Fidesz المجري وحزب FPÖ النمساوي، كأمثلة لأحزاب استطاعت الوصول فعلياً إلى مقاليد الحكم وتوجيه سياسات دولها.
الحركات الشعبوية والهوياتية (التيار الثقافي-الهوياتي) :تركز هذه الحركات بشكل أساسي على الخوض في المعركة الثقافية والهوياتية بدلاً من الاقتصار على الصندوق الانتخابي. تقوم على رفض التعددية الثقافية، والدفاع عما تسميه "التراث الإثني والحضاري للأوروبيين". ولعل أهم قواها يتمثل في الحركات الهوياتية (Mouvements Identitaires)، التي تنشط في الفضاء العام والشبكات الاجتماعية لتسويق مفاهيم مثل "نقاء الهوية" ونشر أفكار مثل "إعادة الهجرة" (Remigration). ثم هناك المؤسسات الفكرية (Think Tanks) مثل معهد إيلياد (Institut Illiade)، الذي يعمل كمصنع أفكار ينتج الأدبيات والمفاهيم الداعية إلى الحفاظ على الاستمرار الإثني والثقافي للأوروبيين.
الاتجاهات الفاشية والنازية الجديدة (التيار الراديكالي التقليدي) :وهي تمثل المجموعات الأكثر هامشية ووضوحاً في استعادة الأشكال والرموز والتنظيمات السلطوية التقليدية المستوحاة مباشرة من فاشية القرن العشرين أو النازية. وخير مثال عليها المجموعات شبه العسكرية والميليشيات المحلية التي تعتمد على الرموز النازية، وتنظيم المسيرات ذات الطابع العسكري، وممارسة الاستعراضات التحريضية ضد المهاجرين والأقليات.
شبكات التنظير والتسارعيين :Accélérationnistes) ويُعد هذا الفصيل المكون الأكثر راديكالية وخطورة في المشهد. وهو ينطلق من قناعة مفادها أن النظام الديمقراطي الليبرالي والمجتمع التعددي فاسدان ولا يمكن إصلاحهما؛ لذا يجب "تسريع انهيار النظام" من خلال إحداث القطيعة الشاملة واستفزاز حرب أهلية أو عرقية بين السكان الأصليين والمهاجرين. وأخطر ما تحتويه هذه التيارات هو الخلايا الإرهابية العابرة للحدود التي تعتمد الشبكات المظلمة وتطبيقات التواصل المشفرة لتمرير أدبياتها الهجومية. ويبرز هنا منفذو الهجمات الفردية (الذئاب المنفردة).
تُظهر هذه الخريطة أن التيارات الأربعة، وعلى الرغم من التنافس والتناقض الظاهري بين بعضها، كالأحزاب التي تسعى إلى الشرعية الدستورية مقابل الجماعات الداعية إلى الحرب الأهلية، تعمل ضمن نظام بيئي متكامل؛ حيث تُغذّي الأدبيات الراديكالية لشبكات التسارع والحركات الهوياتية الخطاب العام، بينما تقوم الأحزاب المؤسسية بتحويل هذه الأفكار، بعد صقلها وتلطيفها، إلى برامج وسياسات وقوانين رسمية.
ب- المحددات الأيديولوجية المشتركة
على الرغم من التباينات التنظيمية والدينية، بين المسيحية التقليدية والنيو-وثنية على سبيل المثال، والاقتصادية، بين تدبير الدولة الصارم والماكرو-ليبرالية، تشترك كافة هذه التيارات في ثوابت مركزية: نزعة سلطوية شديدة، وتقديس النظام والأمن، ورفض الكونية والإنسانية الشاملة، ومعاداة الهجرة غير الأوروبية، وشيطنة النخب والمؤسسات الليبرالية.
ج- السرديات الكبرى
تستند العملية التعبوية لليمين المتطرف إلى سردية مركزية تشكل نواة خطابه الحضاري، وهي أسطورة "الاستبدال الكبير"(Le grand remplacement) . تصور هذه النظرية الهجرة بوصفها "غزواً" أو "استعماراً عكسياً" يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للشعوب الأوروبية الأصيلة واستبدالها بسكان من خارج أوروبا. ينتج عن هذه النظرية مفهوم إثني جوهراني للهوية، ينفي إمكانية اندماج الثقافات ويعتبر الكتل الحضارية وحدات مغلقة. كما تغذي هذه السرديات دعوات إعادة الهجرة (Remigration)، وفي مستوياتها الأكثر تطرفاً تلهم الجرائم الإرهابية ذات الطابع العابر للحدود، مثل مذبحة كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت محاربة "اليقظوية" (Wokisme)، أي "أيديولوجيا اليقظة الاجتماعية"، وهي تشير إلى الوعي واليقظة تجاه أشكال التمييز العنصري والظلم الاجتماعي والتهميش التي تتعرض لها الأقليات، أكثر الشعارات حشداً لليمين المتطرف للتدليل على "انحطاط الحضارة الغربية"؛ حيث يُستخدم هذا المصطلح اليوم كـَ "مصطلح قدحي" أو انتقادي من قبل أوساط اليمين واليمين المتطرف للإشارة إلى ما يعتبرونه "تطرفاً في تطبيق أفكار العدالة الاجتماعية والصوابية السياسية (Political Correctness)، أو تهديداً للقيم والثقافة التقليدية.
اليمين المتطرف داخل الاتحاد الأوروبي
انتخابات 2024 وموازين القوى
أكدت الانتخابات الأوروبية في حزيران/ يونيو 2024 التقدم المستمر للقوى الوطنية واليمينية المتطرفة، ورغم احتفاظ الأحزاب التقليدية، حزب الشعب الأوروبي والاشتراكيون والاشتراكيون الديمقراطيون، بالأغلبية، شهد البرلمان الأوروبي، المكون من 720 مقعداً، إعادة هيكلة عميقة:
|
الكتلة/المجموعة البرلمانية
|
عدد المقاعد (2024(
|
التموضع السياسي والملاحظات
|
|
حزب الشعب الأوروبي (PPE)
|
188
|
يمين الوسط (الأغلبية(
|
|
التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين (S&D)
|
136
|
|