شبح "المعازف حرام" في دمشق وعواصم أخرى
محمد حجيري
الثلاثاء 15 أيلول 2026
في زمن نظام الأسد، كانت جدران دمشق وسائر سوريا حكراً على تمجيد "نظام الأبد"، ومَن فكّر في عبارات أخرى، زُجّ في السجن تحت مسمى "إهانة الشعور القومي" و"المس بالدستور"... ومع سقوط الأسد وسيطرة الفصائل الإسلامية على الحكم، وبروز نظام هجين في دمشق، تديره عقليات مختلفة ومتضاربة وربما متناغمة بحسب المصلحة ومقتضياتها، برزت مجموعات من النظام الجديد، ربما لا يختلف تفكيرها عن نظام الأبد، وإن كان معكوساً، فتنشر وتكتب على جدران مدينة دمشق وغيرها عبارة "المعازف حرام" وعبارات دينية أخرى…
والمستفز أن عبارة "المعازف حرام" ظهرت على جدار معهد تدريب موسيقي في حي الميدان بدمشق، وأثارت تفاعلاً بين الأهالي وفي منصات التواصل الاجتماعي، في ظل تباين واضح في التعامل معها. إذ رأى البعض فيها تعبيراً عن قناعة دينية، بينما عدّ آخرون أن كتابة عبارات ذات طابع ديني على الممتلكات العامة والخاصة "تتجاوز حدود التعبير الشخصي وتتعدى على حق أصحاب المكان ورواده بعيداً من فرض أي خطاب أو موقف عليهم".
وتجاوزت "المعازف حرام" حدود الغرافيتي على الجدران. ففي ظل الواقع السوري الجديد، أصبحت المعاهد والآلات الموسيقية محلّ كثير من الجدل والبلبلة والتبريرات والشائعات واللاوضوح، ومُنع ولم يُمنع، وقررنا ولم نقرر. وشنّ المتشددون حملة لمنع حفلة للفنان اللبناني مروان خوري في معرض دمشق الدولي، وتولى الحملة عدد كبير من شيوخ السلفية عبر مواقع التواصل، وربط بعضهم اعتراضه بما كان ينتظره من مرحلة ما بعد "التحرير"، واضعين حفلة خوري في سياق "المنكر" و"شيوع الفاحشة". انتهت الحفلة على نحو مفاجئ، بعدما انقطعت الكهرباء بشكل مريب ومقصود بعد وقت قصير من بدايتها وغادر خوري المسرح، لتأتي النتيجة عملياً "مطابقة لما سعت إليه حملة سلفية واسعة سبقته واعترضت على إقامته أساساً" كما كُتب في مواقع التواصل الاجتماعي.
والآن، يستمر شبح "المعازف حرام"، وقد أنهى المتشددون حل كل قضايا الأمة، من تحرير الجولان إلى الاستقرار والعدالة الانتقالية والبحبوحة الاقتصادية، وبدأوا اجتماعاتهم الطارئة لمواجهة حفلة غنائية. هناك تهديدات سلفية لحفلة أصالة نصري في دمشق التي ستحييها في 17 أيلول/سبتمبر الجاري، وصدر بيان وقّعه مقربون من النظام الجديد، يطالب بصيانة هوية سوريا بعد التحرير والابتعاد عما يغضب الله. وندد أحد الحسابات باستمرار دعوة "المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات" إلى إقامة حفلات في "سوريا الجديدة"، معبّراً عن غضبه من الاستعدادات الجارية في صالة "الفيحاء" لإقامة ما سمّاه "حفلة طرب ومجون"، يُسمح فيها باختلاط الشبان والشابات. وأطلق "الشيخ الذهبي" حملة في مواقع التواصل، تحت وسم "إلغاء حفلات المعاصي"، مهاجماً وزارة الثقافة ومتهماً إياها بالسعي إلى "صبغ المجتمع بصبغة علمانية".
وشبح "المعازف حرام" لا يروم في سوريا وحدها. ففي طرابلس الغرب، مُنعت حفلة للمغني الشامي لأنها "تتناقض مع قيم المجتمع"، وعلت الأصوات المتشددة أكثر من مرة ضد حفلات في مدينتَي صيدا وطرابلس اللبنانيتَين. وقبل سنوات قليلة، أعلن خريج برامج الهواة، الفنان الأردني الشاب أدهم النابلسي، اعتزاله الغناء، ما أثار جدلاً حول علاقة الفن بالدين. وقال نابلسي إنه ارتأى اعتزال الفن لأنه "لا يتماشى مع إرضاء رب العالمين" من دون أن يتحدث صراحةً عن تحريم الفن أو تحليله، وردّت عليه إحدى الفنانات بهاشتاغ "الفن مش حرام، الفن مش إجرام".
وفي العام 2012، كتب الفنان فضل شاكر في "إكس"، متوجهاً إلى الشباب العربي: "لا تحلموا أن تكونوا مثل المغني أو المغنية فقلوبهم مليئة بالأوجاع والهموم". وأعلن شاكر اعتزاله الغناء لأن الفن من وجهة نظره حرام. وأصبح شاكر في مرحلة من مراحله، سلفياً من مناصري الشيخ اللبناني أحمد الأسير، وأدّى الأناشيد، قبل أن يلجأ إلى مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، هرباً من الملاحقة القضائية. لكنه سرعان ما تعرض لمضايقات وضغوط من مجموعات متشددة على خلفية عودته إلى الغناء واستئنافه نشاطه الفني لاحقاً، بالطبع تحت شعار "المعازف حرام".
شبح "المعازف حرام"، يأتي كموجات، مرة في لبنان، ومرات في العراق، وتارة في فلسطين، وطوراً في اليمن والسودان ومصر، ربما حسب هبوب التشدد والمزاج الشخصي للفنانين.
المصدر: المدن