العلمانية
هُجاسُ المسيحيين: السكان والهجرة والأرض

محمد أبي سمرا

الإثنين 14 أيلول 2026

منذ خروجهم مهزومين من الحروب الأهلية الإقليمية الملبننة (1975- 1990) وحتى اليوم، يعيش مسيحيو لبنان هاجسًا مقيمًا يتفاقم يومًا بعد يوم: خوفهم من ضمورهم السكاني، ومن استنزاف الهجرة الخارجية المستمرة والمتصاعدة فئاتهم العمرية الشابة ونخبة الطبقة الوسطى الفتية، المتعلمة والكفوءة، في مجتمعهم الذاهب في الشيخوخة.
 
صوفيّة الأرض.. طهارتها ودنسها
 
لكن هذا الهاجس المزدوج والمتداخل، ينجم عنه ويلازمه هاجس آخر شديد القوّة والحضور في مخيّلة المسيحيين، لا سيما في مخيلة الموارنة منهم: خوفهم من فقدانهم الأرض. أرضهم التي صارت تشكل في مخيلتهم فضاءً مكانيًا، مجتمعيًا وثقافيًا، لنمط عيشهم وهويتهم الوطنية اللبنانية، بوصفهم جماعة دينية وثقافية، أقليّة وتعتبِر أنها متميزة في المشرق العربي. 
 
وينطوي خوفهم هذا على شيء ما من خوف السكان الأوروبيين الذين يعتبرون أنهم "أصليون" في مقابل جماعات المهاجرين الكبيرة الوافدة إلى بلادهم. هذا علمًا أن أسبقية توطّن الأرض، وتملّكها والدفاع عنها، لدى الجماعات اللبنانية كلها، يتخذان مكانة بارزة في مخيلاتها التاريخية الأسطورية، على الرغم من تفاوت تلك المكانة وشكل الأسطرة وقوتها من جماعة إلى أخرى.
 
وكان هاجس الأرض لدى المسيحيين الموارنة قد تحوّل من شعورهم بتمايزهم كجماعة دينية أقلية "مضطهدة في الشرق"، وتلوذ بالجبال والأودية والمغاور في أزمة قديمة، إلى تعلّق صوفي بالأرض بوصفها حيزًا جغرافيًا طبيعيًا مميزًا. وقد شكل الأدب اللبناني المعاصر مرأة للتعلق بالأرض والطبيعة الريفية في أزمنة خوالي قريبة، فمنحهما صفات جمالية وأخلاقية رفيعة، متعالية على "قذارة" المدينة: "خذني على تلاتها الحلوين/خدني ع الأرض اللي ربتنا/وازرعني تحت أحلى سما... وصلّي"، غنت فيروز الرحباني في الأزمنة الخوالي القريبة، التي انصرمت اليوم وانطوت، وصارت ذكريات متخيلة تثير الحنين والأسى.
 
كانت صوفية الأرض الطبيعية آنذاك صنيعةَ طوبى أقليّة ترى أن أرضها، موطنها وديارها، مسوّرة بأكثرية تحاصرها من جهات ثلاث، ولا منفذ أو لا مفرَّ لها إلا إلى البحر أمامها، أي الهجرة: "إذا ضاق البرّ بنا/نملأ البحر سفينا"، قال أحدهم على وجه التقريب، مستعيدًا أو مستوحيًا الزمن الفينيقي. وهو قول محوّر لبيت شعري من معلّقة عمرو بن كلثوم التغلبي:مَلَأنا البَرَّ حتّى ضاقَ عنّا وظَهرَ البَحرِ نَملَؤُهُ سَفينا.
 
وفي كتابه الجديد الصادر قبل أسابيع ثلاثة عن "دار رياض الريس" في عنوان "الثورة والخيبة: اليسار الجديد وقيود التحرر"، أسهب الباحث فادي بردويل في عرض نظرة أو تحليل وضاح شرارة في كتابه "حروب الاستتباع" لمكانة الأرض في مخيلات الجماعات اللبنانية المقاتلة وأفعالها في الحروب الأهلية الإقليمية الملبننة: لقد اتخذت شكلًا "خرافيًا" جاء أشد "حدة على الجانب المسيحي"، حيث جرى "تطهير" الأرض من "جيوب" أو بقع "غريبة تحمل العدوى (عدوى الجماعة الأخرى: في النبعة، الكرنتينا، وتل الزعتر) إلى المعدن الصافي". 
 
ذلكَ أنَّ الجغرافيا اللبنانية تطيّفت في زمن الحرب. ليس بدافع إحراز هذا الطرف أو ذاك انتصارًا عسكريًا فحسب، بل للطرد وإنزال كل أنواع التنكيل والإذلال بالجماعة الأخرى. وقد استُخدِمت "الجرافات لإزالة كل حائط -ولو من تنك- يرتفع عن الأرض. وحُرقت بالنار المطهرة بيوت خالية فاغرة، حتى لا يبقى لدنس (الآخر) من أثر". 
 
ألا ينطبق هذا الوصف الذي كُتِب قبل 50 سنة وصفًا لما فعلته ببعضها الجماعات اللبنانية، على ما فعلته وتفعله إسرائيل في غزة، ثم في جنوب لبنان اليوم؟  
 
الحرية خلاصًا من خوفين 
 
وكان المسيحيون قد صنعوا لعلاج ذينك الخطرين أو الخوفين -من الأكثرية التي تهددهم بالحصار كأقلية وبالاستيلاء على أرضهم، ومن الهجرة الخارجية الاضطرارية، المرغوبة والمخلِّصة، والمهدِّدة بضمور ديموغرافي- صنعوا أو ابتكروا مسألة الحرية، الاجتماعية والثقافية أولًا، ثم السياسية تاليًا، وجعلوهما متلازمتين في قاموس ضرورات وجود الجماعة وحياتها. وهذا إلى جانب هُجاس الأرض والديموغرافيا. 
 
كأنما ابتكار الحرية جاء جوابًا أو حلًا ضروريًا لذاك الهجاس المأسوي المزدوج.
 
لكن فكرة الحرية دون تحقيقها مصاعبُ وأهوالٌ في بلاد جماعاتٍ جديدة العهد بها، ولم تعرف في تاريخها سوى هويات جريحة وولاءات عصبية متأرثة، وقد تتوق في أزمتنها المحدثة إلى عدالةٍ ومساواة، هيهات أن تتوافر لهما أعرافٌ وإجراءات وقوانين تحفظهما وتكرسهما إلى جانب الحرية نفسها.
 
نقمة على أميركا وإسرائيل
 
لكي لا تبقى هذه المسائل أفكارًا مجردة، سجلنا للأستاذ الجامعي أنطوان سلامه شهادة عن أحوال مجتمعه المسيحي اللبناني التي يعايشها اليوم، يراقبها عن كثب وينهمّ بها، بعدما كان قد أرّخ لها في أزمنة متعاقبة منذ القرون الوسطى في كتابه "الموارنة والشيعة في لبنان: التلاقي والتصادم". 
 
أشار سلامة في البداية إلى أنَّ المسيحيين على وجه العموم لم يعودوا اليوم على الصورة التي ثبّتهم فيها بقايا اليساريين والإسلام الشيعي والسنّي في لبنان منذ أيام الحروب، وكأنهم ما زالوا يعيشون في أيام صعود زعامة بشير الجميل و"قواته". وهو أضاف أن خيارات المسيحيين، حتى في حقبة الحروب وما بعدها، كانت متناقضة ومتعارضة: حيال الخيار السوري، ثم حيال الخيار الإسرائيلي، وما بين الخيار العربي والقومي اللبناني.
 
ثم انتقل الباحث إلى الحديث عن الجيل المسيحي الشاب الذي يعايشه في الجامعات: إنه جيل لديه نقمة مستجدة على أميركا وسياساتها في لبنان، إن لم يكن معاديًا لهما، ولتلك "الألاعيب" السياسية التي اتبعتها أميركا طوال الأزمات اللبنانية. وعلى الرغم من حذر المسيحيين وخوفهم من الشيعة و"حزب الله" في سنوات الحرب الأخيرة وما قبلها، فإن توجسهم مما تفعله إسرائيل في جنوب لبنان وغزة لا يقل عن ذينك الحذر والخوف من أميركا. 
 
نعم، لقد اختلفت رؤية المسيحيين لأميركا وإسرائيل عما كانت عليه في السابق، قال سلامه مشددًا، ومشيرًا إلى خيار "القوات اللبنانية" السياسي العربي الثابت منذ سنوات كثيرة.
 
وهو يقرُّ أنَّ تلك النقمة على أميركا وإسرائيل، التي تطالعه في أوساط واسعة بين الطلاب الجامعيين، لا تزال تيارًا شعوريًا وانفعاليًا متفاعلًا خارج التيارات والأطر الحزبية، ولم تعثر بعد على تعبيرها الاجتماعي والسياسي المنظم.
 
انتظار بلا أفق
 
لكن القلق الكبير الذي يساور المسيحيين اليوم، والموارنة منهم تحديدًا، هو ذاك الذي يتعلق بالأرض والديموغرافيا، وفق سلامه. وبما أنه خصَّ الشيعة والموارنة بالمقارنة الدائمة في كتابه، يرى أن القلق حيال الأرض ينسحب اليوم بقوة على الشيعة أيضًا، لكنه يتخذ لديهم شكلًا مختلفًا، قد يكون وجوديًا صامتًا في أثناء حرب إسرائيل الأخيرة على جنوب لبنان واحتلالها كثرة من بلداته الأمامية ومحقها. هذا من دون أن تفوته الإشارة إلى أن "القاطرة الشيعية" التي تصدّرت المشهد اللبناني وقادته منذ عقدين، قادت الشيعة وأوصلتهم أخيرًا إلى حال من الشتات والدمار الذي لم ينجُ منه لبنان كله.
 
من بلاد البترون إلى جبيل وبيروت، يتصاعد هجاس الأرض والديموغرافيا والهجرة لدى المسيحيين. وهو يشمل -حسب سلامه- الناس والقوى الاجتماعية والسياسية كافة: من "المردة" إلى "التيار العوني" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب" و"الكتلة الوطنية"، وصولًا إلى "الرهبانيات" والكنيسة.
 
الجميع يتخوّف من "هجمة قوية" على شراء الأرض. وحاجة فئات واسعة من المسيحيين إلى المال لتدبّر حاجاتهم الضرورية، تمنعهم من مواجهة إغراءات بيع أرضهم التي لا تستطيع المرجعيات الدينية والسياسية من مواجهتها وكبحها. 
 
وتقول المراجع الدينية إن أملاك الكنيسة والرهبانيات الشاسعة، تظل فارغة جرّاء ندرة الناس وتصاعد الهجرة التي تبلغ ذروة غير مسبوقة في صفوف الأجيال الشابة. ولا أحد يملك علاجًا فعليًا وحقيقيًا لذلك بغير عودة الاستقرار والاستثمارات والنمو الاقتصادي وفرص العمل. وهذا ما ينتظره المسيحيون على أحرّ من الجمر، لكنه لا يلوح في الأفق.
 
لذا فإن الجميع متشائم، وفق سلامه الذي قال: على الرغم من حضور البندقية ومثولها في الوجدان المسيحي، كوسيلة للدفاع عن الأرض والوجود في لحظات الشعور الأقصى بالتهديد، فإن تجربة المسيحيين في الحرب، وما أوصلتهم إليه أخيرًا في "حرب الإخوة" بين "القوات" و"التيار العوني"، علمتهم أن اللجوء إلى البندقية يجلب الأهوال والمآسي.
 
 
"الخلاص" بين البندقية والتمايز
 
وإذا كان سلامه لا يستبعد البندقية من أفق وخيارات المسيحيين "الخلاصية" حين يبلغ خوفهم على وجودهم ذروةً غير مسبوقة، فإن تضاؤل أعداد الشبان والرجال في مجتمعهم بسبب الهجرة الكثيفة، يجعل من لجوئهم إلى السلاح خيارًا مأسويًا مسبقًا. وهو يعيد إقبالهم على الهجرة وبيع أرضهم إلى حاجاتهم المادية الضرورية والملحة، مشيرًا إلى فقر صامت أو مكتوم يتفشى في أحياء الأشرفية وعلى أطرافها.
 
لكنه سرعان ما يستغرب ظاهرة متفشية لدى نخبتهم الاجتماعية وحتى لدى معظم فئات الطبقة المتوسطة في مجتمعهم اليوم: تعلّقهم المستميت بالمظاهر. فهناك من يبيع أرضه لشراء سيارة فخمة. وهو يعيد هذه الظاهرة إلى نازع المسيحيين جميعًا وعلى الدوام، إلى التمايز عن المنطقة وجماعاتها. 
 
وقد يكون هذا النازع هو الذي دفعهم قديمًا إلى التخلي عن لغتهم السريانية والإقبال على العربية التي أجادوها وامتازوا بها، وصاروا من رواد نهضتها الأدبية واللغوية والثقافية، منذ القرن التاسع عشر وحتى أوائل العشرين، حينما راحوا يتخلون عن العربية ويعتمدون الفرنسية لغة للتعليم والمحادثة اليومية، حتى في البيوت. ومنذ سنوات ليست بقليلة حلّت الإنكليزية محل الفرنسية لغة للتعليم والتواصل والتمايز. وهي اليوم اللغة العالمية الضرورية للهجرة والأعمال والتعليم.
 
صلبان لتدارك الخوف
 
في مقابل هذا كله يلاحظ سلامه أن التديّن شهد تراجعًا كبيرًا في صفوف المسيحيين، فيما كان التديّن الرسالي والسياسي يتصاعد ويشتد أو يتشدّد لدى فئات واسعة من المسلمين الشيعة والسنّة. أما ظاهرة نصب الصلبان وتماثيل العذراء والقديسين في أماكن كثيرة من بلاد المسيحيين في لبنان، فتنطوي على تشبّث رمزي بالمكان ودفاعي عن الأرض، أكثر من انطوائها على نازع ديني وتمسّك بشعائر الدين ورموزه. فالصلبان والتماثيل تعبّر عن رد فعل شكلي ورمزي على الخوف على الوجود. وهي تُرفع وتتكاثر إعلانًا عن هوية الأرض والسكان في مقابل موجات التشدد الديني الإسلامي.
 
والأرجح أن تناقص عدد السكان المسيحيين في سائر المناطق اللبنانية، وانكماش العصبية، وتفككها وضعفها لدى الجماعات المسيحية، يضاعف ظاهرة رفع الصلبان والتماثيل الدينية على التلال وفي الساحات العامة، للقول: نحن لا نزال موجودين هنا في أرضنا، على الرغم من قلة عددنا.
 
وختم أنطوان سلامه شهادته هذه بحديثه عن أحوال المسيحيين الراهنة في المناطق اللبنانية: لقد صاروا ضئيلين في عكار، وضئيلين جدًا في البقاع. وفي الجنوب هناك بلدات حدودية قليلة نجت من التدمير والاحتلال، أسوة ببلدات وقرىً أخرى مختلطة طائفيًا بمنطقة العرقوب في أقصى جنوب لبنان الشرقي. أما في الشوف والمتن، فإن حرب الجبل في ثمانينيات القرن الماضي قلّصت كثيرًا عدد المسيحيين هناك، فيما عدد الدروز ضئيل أصلًا في تلك المناطق الواسعة التي تشكل قلب لبنان القديم والحديث.
 
 
المصدر: المدن