العلمانية
الشعبوية اليمينية الأوروبية وعلاقتها بروسيا

د. خالد العزّي

الجمعة 11 أيلول 2026

لم يكن انهيار المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية مجرّد نهاية لمرحلة أيديولوجية، بل مثّل بداية لتحوُّلات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة، أعادت تشكيل علاقة المجتمعات بالسلطة والهوية والقِيَم. ومع تراجع الأيديولوجيا الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفياتي، دخلت دول أوروبا الوسطى والشرقية مرحلة انتقالية اتسمت باضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية، رافقها صعود تيارات قومية ومحافظة وشعبوية. وفي خضم هذه التحوُّلات، أصبحت قضايا الهوية الوطنية والدين والقِيَم التقليدية والهجرة والعلاقة مع الغرب، من أبرز القضايا التي أعادت من خلالها التيارات اليمينية تعريف موقعها داخل المجتمعات الجديدة.
 
المناخ الملائم لصعود الشعبوية اليمينية الأوروبية
 
يقدِّم كتاب «تشريح الشعبوية اليمينية: التعامل مع إرهاق التحوُّل في أوروبا الوسطى والشرقية»
 
(The Anatomy of Right-Wing Populism: Dealing with Transformational Fatigue in Central and Eastern Europe)، الصادر عن UCL Press عام 2025، قراءة متعدِّدة التخصُّصات لصعود الشعبوية اليمينية في أوروبا ما بعد الشيوعية. وينطلق الكتاب من أنّ فهم صعود الشعبوية لا يمكن أن يقتصر على العامل السياسي، بل يتطلّب النظر في التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي رافقت الانتقال من النظام الشيوعي إلى الديمقراطية واقتصاد السوق.
 
كما يُبرز الكتاب مفهوم «اللاتقليدية الجديدة» (Neo-traditionalism)، الذي يشير إلى إعادة توظيف القِيَم والتقاليد في الخطاب السياسي المعاصر، بما يسمح ببناء تصوُّرات تقوم على التمييز بين «الشعب» و«النُخَب»، وبين الجماعة التي تُقدَّم بوصفها حاملة للقيم الأصيلة، و«الآخر» الذي يُنظر إليه باعتباره تهديداً للهوية الجماعية. وقد أسهمت هذه البيئة في توفير مساحة سياسية واجتماعية لانتشار خطابات قومية ومحافظة أكثر تشدُّداً، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية وتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية.
 
الخطابات القومية واستنهاض الهوية الأوروبية
 
وفي ظلّ هذا المناخ، وجدت الخطابات القومية والمحافظة صدى لدى بعض التيارات الشعبوية واليمينية، التي سعت إلى إعادة الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية والتقاليد والقيم المحافظة. وأصبحت قضايا الهجرة والهوية والدين والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي أدوات مركزية في بناء خطاب سياسي يقوم على الدفاع عن «الأصالة الوطنية»، في مواجهة ما يُقدَّم بوصفه تهديداً خارجياً أو ثقافياً.
 
وبرزت روسيا بوصفها فاعلاً قادراً على توظيف خطاب سياسي وثقافي، يضعها في مواجهة ما تنتقده من توجُّهات ليبرالية غربية، ويقدّمها بوصفها دولة متمسكة بخصوصيّتها الحضارية وقيمها التقليدية. وبذلك، لم تعُد القضايا الثقافية والأخلاقية مجرّد مسائل داخلية، وإنما تحوَّلت إلى عناصر في صراع أوسع حول الهوية والسيادة وموقع الدول والمجتمعات من النموذج الغربي.
 
روسيا والشعبوية اليمينية الأوروبية
 
غير أنّ العلاقة بين الشعبوية اليمينية الأوروبية وروسيا لا يمكن اختزالها في تحالف موحّد أو دعم مباشر لجميع التيارات اليمينية. فالحالة الأوكرانية تكشف بوضوح تعقيد هذه العلاقة، إذ قد تتقاطع بعض التيارات القومية مع الخطاب المحافظ والقائم على الهوية، في الوقت الذي تتخذ فيه مواقف معارضة للسياسات الروسية. ولذلك، تختلف طبيعة العلاقة مع موسكو من دولة إلى أخرى، تبعاً للظروف السياسية والتاريخية والاجتماعية الخاصة بكل مجتمع، وتتراوح بين التقارب الأيديولوجي والخطابي والسياسي، وبين الرفض والمواجهة.
 
وفي أوروبا الغربية كذلك، ظهرت أشكال مختلفة من التقارب بين موسكو وبعض الأحزاب والشخصيات الشعبوية واليمينية في النمسا، السويد، أرمينيا، جورجيا، فرنسا، المجر، وسلوفاكيا، لا سيما حول قضايا السيادة الوطنية والهجرة وانتقاد بعض سياسات الاتحاد الأوروبي والدفاع عن القِيَم المحافظة. وتبرز في هذا السياق شخصيات مثل مارين لوبان في فرنسا وفيكتور أوربان في المجر، بوصفهما من أبرز الأسماء المرتبطة بالمشهد الشعبوي اليميني الأوروبي، مع اختلاف طبيعة علاقاتهما بروسيا ودرجة التقارب معها.
 
روسيا وإعادة تشكيل الصراع على الهوية
 
وهكذا، تكشف مرحلة ما بعد الشيوعية، أنّ صعود الشعبوية اليمينية الأوروبية جاء في سياق من التحوُّلات العميقة وأزمات الثقة والصراعات حول الهوية والقِيَم. لقد وظّفت روسيا خطاباً محافظاً وسيادياً، يوفّر أرضية للتقارب مع بعض التيارات اليمينية الأوروبية، من خلال تقديم نفسها بوصفها نموذجاً مختلفاً عن النموذج الليبرالي الغربي.
 
كما أنّ العلاقة بين روسيا والشعبوية اليمينية الأوروبية تتجاوز المصالح السياسية المباشرة، لتصبح جزءاً من صراع أوسع حول الهوية والسيادة والقِيَم التقليدية، وحول مستقبل العلاقة بين أوروبا والنموذج السياسي والثقافي الغربي. وتكشف هذه العلاقة أنّ الصراع المعاصر لم يعُد يدور فقط حول النفوذ السياسي والجغرافي، وإنما امتد إلى المجال الثقافي والإعلامي والفكري، إذ أصبحت الهوية والقِيَم والذاكرة التاريخية أدوات أساسية في بناء النفوذ وتوجيه المواقف السياسية.
 
 
المصدر: الجمهورية