انتخابات ساكسونيا الألمانية.. عودة النازيين كارهي المهاجرين
عمّار الجندي
الأربعاء 9 أيلول 2026
لعل عظام هاري ترومان وقادة الحلفاء، الذين وضعوا دستور ألمانيا الغربية سابقاً في 1949، تتحرك في قبورهم. فأعداؤهم يعودون إلى الواجهة، بحلة "جديدة"، ساهمت الحرب السورية بنسجها، ليتحكموا بالأمن والتعليم والسياسة والحياة في ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ ذلك العام، وهو ما اجتهدوا لجعله مستحيلاً.
وهذه سابقة لافتة. فقد حصدَ حزب "البديل من أجل ألمانيا" المتطرف، نحو 44% (قرابة 39 من أصل 83 مقعداً برلمانيا) في انتخابات ولاية ساكسونيا -أنهالت شرق ألمانيا، فيما حلّ "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، ثانيا بنسبة 18% من الأصوات. صحيح أن أغلبية ليست مطلقة تمكنه من الانفراد بالحكم. لكن هذا لا يقلل من قيمة انتصاره، وقد يبرم اتفاقاً مع حزب آخر يسمح له بإدارة الولاية. صنفته الاستخبارات الألمانية بـِ "اليميني المتطرف"، وتدل سياساته وشعاراته وسلوك أعضائه ومؤيديه على جذوره الضاربة في النازية التي ينفي علاقته بها ويهوّن من شأنها، معتبراً أنها صارت من الماضي.
الدور السوري
يتجلى هذا الإرث في تبنيه مبدأ "ريماغريشين" (الترحيل القسري) للاجئين وذوي أصول أجنبية، حتى المجنسين منهم، في حالات عدة. فهذا نسخة معدلة من مفهوم التطهير العرقي النازي والتعاطي مع الآخرين على أساس الدم و"العرق النقي".
والحق أن اللاجئين السوريين ساهموا، إلى جانب عوامل في طليعتها فشل برلين في تطبيق سياسات استيعاب اقتصادي واجتماعي فعالة لشرق البلاد بعد توحيد الألمانيتين، في صناعة نجاح "البديل" الذي أُنشئ أساساً في 2013 كحركة متطرفة احتجاجاً على سياسات مالية. إلا أنه انتهز فرصة تدفق السوريين إلي ألمانيا في 2015، ليغير هويته ويتبني خطاباً قومياً شعبوياً نقله إلى الصفوف الأولى، حيث يمعن باستغلال ورقة المهاجرين السوريين وغيرهم.
"الجدار الناري"
وطنياً، قد تمهد هزيمة حزب ميرتس في ولاية حكمها منذ عقدين لإطاحة الزعيم المطلوب رأسه منذ بعض الوقت، وتدهور تيار يمين الوسط في ألمانيا. إلا أن ثمة خاسرين كثر، في مقدمتهم أصحاب الإعاقة والبيئة والديمقراطية، وبينهم استراتيجية "الجدار الناري"، التي ترفض بموجبها الأحزاب الألمانية التعاون مع المتشددين لتيسير وصولهم للسلطة. فهي لم تعد مجدية لقطع الطريق على "البديل"، بعدما حصل على 44% من الأصوات وبات تشكيل حكومة من دونه شبه مستحيل. والواقع أن إنجازه الأخير يرشّحه لخطف السلطة في البلاد في الانتخابات المقبلة (2029) أو التي تليها.
أوروبا القلقة
أما اقليمياً، فتحبس القارة أنفاسها ول اسيما أن "البديل" من أشرس معارضي سياسات مفصلية للاتحاد الأوروبي، كالموقف من الحرب الأوكرانية، ولا يخفي رغبته بإضعاف الاتحاد أو حتى تفكيكه.
وفوزه فيما تستعد مارين لوبان زعيمة حزب "التجمع الوطني" الفرنسي المتطرف لانتخابات العام المقبل التي يرجح أن تفتح أمامها أبواب الإليزيه، يقرح جرس إنذار في القارة بأكملها. يلتقي "التجمع" مع "البديل" في جذورهما النازية، ويتفقان على الخطوط العريضة حول "الترحيل القسري" والإسلاموفوبيا، كما يدعمان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولئن اختلفا مع حزب "أخوة إيطاليا" بزعامة جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء الإيطالية بخصوص أوكرانيا، وبشكل أقل بشأن سياسات الهجرة، فإن ما يجمع الثلاثة أكثر بكثير مما يفرقهم.
استلام هؤلاء السلطة في وقت واحد، ليس أكيداً. ولا يُستبعد وصول أحزاب أشد تطرفاً إلى الحكم في دول أوروبية، إذ إن "الجدار الناري" يتفكك سلفاً. وربما تعجز القارة عن وقف هذا المدّ المدجج بأفكار "ماغا" الترامبية وأموال إيلون ماسك، فيما اليسار ضائع، واليمين الليبرالي صار يرحب بنازيين جدد في صفوفه، كما فعل أخيراً حزب المحافظين البريطاني.
يحاربون أنفسهم
في المقابل، قد يقول قائل إن سيناريوهات هيمنة اليمين المتطرف في أنحاء القارة مبالغ فيها. هذا رأي صائب. وهناك من يجادل بإقناع بأن التيارات المتشددة تحمل بذرة فشلها. فنجاحاتها السريعة، قد تنتهي بتراجع يمضي بالوتيرة نفسها نظراً للمنافسات بين أقطابها الذين استغلوا أخطاء البعض لارتقاء سلم المسؤولية، في حزب "البديل" وأخواته في فرنسا وغيرها. ولذا لا يبدو أن هناك ما يمنع حلول أولريش زيغموند (35 عاماً) الكاريزمي، صاحب الحملة المظفرة في ساكسوني، محل زعيمة الحزب المشاركة أليس فايدل، المثلية المقترنة بسمراء من أصول سريلانكية، مع أنها تقود حزب يعارض المثلية والمهاجرين بشدة!
ولا تدعو تجارب المتشددين في الحكم إلى التفاؤل بقدرتهم على التشبث به. ميلوني استطاعت البقاء لمدة أطول من أي من أسلافها، لأنها اتّبعت نهجاً براغماتياً. ومن المنطقي أنَّ "البديل"، والأحزاب التي لم تخُضْ تجربة الحكم، تتبنى سياسات قائمة على الوهم، لأنها لم تخضع للاختبار. وهذا ينطبق على تعصبه لمكافحة الهجرة في بلدان تشكو من شح اليد العاملة، وهو ما حذر "المعهد الألماني للاقتصاد" من عواقبه.
مع هذا، لايمكن تجاهل سيناريوهات سطوة المتطرفين ولو على نطاق لا ضرورة للتكهن بمدى اتساعه. يكفي أن عودة "أحفاد" الفوهرر إلى مقاعد الحكم في ساكسونيا، أو حتى برلين، احتمال قائم. والمفارقة أن هذا قد يحصل في بلاد متهمة بالمغالاة بدعم إسرائيل لغسل ذنوب المحرقة النازية؟
المصدر: المدن