العلمانية
الحجاب.. معركة اليمين الانتخابية في فرنسا

العرب اللندنية

الجمعة 4 أيلول 2026

لم يكن إعادة حزب «التجمع الوطني» الفرنسي طرح فكرة حظر الحجاب في الأماكن العامة مجرد عودة إلى موقف سياسي قديم، بل بدا جزءاً من معركة أوسع يسعى من خلالها اليمين المتطرف إلى إعادة قضايا الهوية والهجرة والإسلام إلى قلب النقاش العام.
 
ففي وقت تستعد فيه القوى السياسية الفرنسية مبكراً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عاد الحجاب ليحتل موقعاً متقدماً في خطاب «التجمع الوطني»، الذي انتقل من الحديث عن القيود المفروضة على بعض مظاهر اللباس في المؤسسات العامة إلى طرح أكثر تشدداً يتمثل في حظر الحجاب في الأماكن العامة وفرض غرامات على النساء اللاتي لا يلتزمن بذلك.
 
وقال نائب عن الحزب، في مقابلة تلفزيونية، إن المرأة التي ترتدي الحجاب رغم حظره يمكن أن تتعرض لغرامة، في مقارنة بين هذا الإجراء والغرامات المفروضة على مخالفة قوانين السير، معتبراً أن القضية لا تتعلق بحرية اختيار الملابس بقدر ما ترتبط، بحسب وصفه، بـ«إيديولوجيا» تتعارض مع القيم التي دافعت عنها فرنسا.
 
لكن الأهم من التصريح نفسه هو السياق السياسي الذي جاء فيه.
 
لطالما كان الحجاب أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في فرنسا، حيث يتقاطع النقاش حوله مع مبادئ العلمانية، وحرية المعتقد، وحقوق المرأة، والهوية الوطنية.
 
الجدل الحقيقي لا يدور حول قطعة قماش فقط، بل حول تعريف العلمانية نفسها وحدود تدخل الدولة في الحياة الخاصة للأفراد
 
غير أن اليمين المتطرف يمنح الملف بعداً مختلفاً، إذ يربطه مباشرة بالهجرة والإسلام والأمن ومستقبل الهوية الفرنسية.
 
وهنا تكمن القيمة الانتخابية للقضية.
 
فبدلاً من خوض النقاش السياسي حول الاقتصاد أو البطالة أو القدرة الشرائية فقط، يستطيع اليمين تحويل الحجاب إلى عنوان لمعركة أكبر تتعلق بالسؤال الذي يسعى إلى وضعه أمام الناخبين: أي فرنسا تريدون؟
 
وهو سؤال سياسي أكثر قدرة على إثارة العواطف والاستقطاب من كثير من الملفات الاقتصادية التقليدية.
 
وجاءت تصريحات النائب عن «التجمع الوطني» بالتوازي مع موقف أكثر وضوحاً من مارين لوبان، التي اقترحت عرض قانون شامل لمكافحة ما تصفه بـ«الإيديولوجيات الإسلامية» على استفتاء شعبي، على أن يتضمن تجريم ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة.
 
وقبلها، كان رئيس الحزب جوردان بارديلا قد طرح فكرة الاستفتاء.
 
وتحمل هذه الدعوة دلالة سياسية مهمة. فالاستفتاء لا يمثل فقط أداة قانونية مقترحة لتمرير تشريع، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة انتخابية لتبسيط قضية شديدة التعقيد وتحويلها إلى سؤال مباشر أمام الرأي العام: مع الحظر أم ضده؟
 
وهذا النوع من الاستقطاب يخدم الأحزاب التي تبني جزءاً كبيراً من خطابها على القضايا الهوياتية، لأنه يضع خصومها في موقف دفاعي.
 
فالأحزاب الوسطية واليسارية تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن مبادئ الحريات الفردية والعلمانية بصياغات قانونية معقدة، بينما يقدم اليمين المتطرف إجابة بسيطة ومباشرة لجمهوره: الحظر.
 
لماذا يعود الحجاب الآن؟
 
لا يمكن فصل عودة الملف عن التحولات التي شهدها «التجمع الوطني» خلال السنوات الماضية.
 
فالحزب سعى إلى توسيع قاعدته الانتخابية وتقديم نفسه باعتباره قوة قادرة على الوصول إلى الحكم، وليس مجرد حزب احتجاجي. لكن هذه الاستراتيجية لا تعني التخلي عن الملفات التي صنعت شعبيته، وفي مقدمتها الهجرة والهوية والإسلام.
 
ومن هنا، يبدو الحجاب قضية مثالية لاستعادة التوازن بين صورتين يسعى الحزب إلى الجمع بينهما: حزب يريد أن يبدو مؤسسياً وقادراً على الحكم، وحركة سياسية تريد الحفاظ على قدرتها على تعبئة القاعدة الأكثر تشدداً.
 
بدلاً من خوض النقاش السياسي حول الاقتصاد أو البطالة أو القدرة الشرائية، يستطيع اليمين تحويل الحجاب إلى عنوان لمعركة أكبر
 
فملف واحد يسمح له بالحديث في الوقت نفسه عن العلمانية، والأمن، والاندماج، والهجرة، ومكانة الإسلام في المجتمع الفرنسي.
 
لكن الجدل الحقيقي لا يدور حول قطعة قماش فقط، بل حول تعريف العلمانية نفسها وحدود تدخل الدولة في الحياة الخاصة للأفراد.
 
ففي حين يرى أنصار الحظر أن الحجاب يمثل، في بعض الحالات، رمزاً دينياً وأيديولوجياً ينبغي الحد من حضوره في الفضاء العام، يعتبر معارضو هذا الطرح أن توسيع الحظر ليشمل الأماكن العامة يمثل تدخلاً مباشراً في حرية النساء في اختيار لباسهن.
 
وبين الموقفين، تتحول القضية إلى اختبار سياسي للقوى الفرنسية.
 
فهل تظل العلمانية مبدأ ينظم علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية؟ أم تتحول إلى أداة لتنظيم حضور الرموز الدينية في الحياة العامة؟
 
هذا السؤال هو أحد أسباب استمرار الحجاب في إثارة الجدل الفرنسي، وهو أيضاً ما يجعله مادة انتخابية بالغة الفعالية.
 
الأخطر سياسياً بالنسبة إلى خصوم «التجمع الوطني» هو أن الحزب لا يكتفي بطرح قضية مثيرة للجدل، بل يسعى إلى فرض أجندة النقاش نفسه.
 
فعندما يصبح الحجاب هو القضية التي تتصدر العناوين، تنتقل المعركة الانتخابية إلى الساحة التي يتمتع فيها اليمين المتطرف بأكبر قدر من التأثير: الهوية والهجرة والخوف من التغيرات الاجتماعية.
 
وفي هذه الساحة، لا يكون الهدف بالضرورة تمرير قانون سريع، بل إعادة ترتيب أولويات الناخبين. ولهذا، فإن عودة الحديث عن حظر الحجاب قد تكون جزءاً من معركة أطول من مجرد نقاش تشريعي.
 
إنها محاولة لتحويل الانتخابات المقبلة إلى استفتاء غير معلن على الهوية الفرنسية.