زمان الصراع الداخلي اليميني المتطرف في إسرائيل
حلمي موسى
الخميس 3 أيلول 2026
انتهت المعارك الانتخابية الإسرائيلية التي تقوم على فكرة الصراع بين يسار ويمين سياسي في العام 1996 وحشرجت بشكل نهائي في انتخابات العام 1999 عندما شهدت الحكومة تقلبات بين كل من بنيامين نتنياهو وإيهود باراك وأرييل شارون. وبعدها في انتخابات العام 2003 كان الأمر قد حسم لمصلحة اليمين تماماً بترؤس شارون وبعده إيهود أولمرت الحكومات في ظل حزب كديما اليميني الذي حاول عرض نفسه كحزب وسط. وعاد اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو للحكم في العام 2009 وبقي فيه متربعاً حتى الآن باستثناء فترة قصيرة من منتصف العام 2021 إلى نهاية العام 2022 عندما تقاسم نفتالي بينت ويائير لبيد رئاسة الحكومة. وعملياً صار بنيامين نتنياهو أطول رئيس حكومة خدمة في تاريخ الدولة العبرية.
الضم والتهجير
ولم يكن نتنياهو مجرد زعيم يحاول البقاء في الحكم أطول فترة ممكنة بل كان الزعيم الذي سعى، بشكل ممنهج، لتسييد منهج اليمين المتطرف وصولاً إلى اليمين الكهاني على كل المناهج الصهيونية الأخرى. والواقع أنه حسم الصراع بشكل تدريجي وواضح بين ما كان يعرف في إسرائيل باليمين واليسار وأحال كل ما عدا اليمين، حتى المتطرف منه، إلى مجرد هوامش. وهذا يثبت القاعدة التي كثيرا ما كان يشار إليها منذ إعلان الدولة اليهودية من أنها تشهد انزياحا دؤوبا نحو اليمين. وتقريبا اختفى من المشهد الإسرائيلي ليس فقط ما كان يعرف باليسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل أيضا الوسط الليبرالي الديمقراطي. وصارت الغلبة واضحة لليمين الديني والكهاني لدرجة أن كثيرين باتوا يتحدثون عن اقتراب من "دولة شريعة" بفضل الكثير من القوانين التي سنت مؤخرا في الكنيست.
والمسألة لم تعد في الانتخابات التي ستجري في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل مسألة من سيفوز فيها وإنما أساسا أي وجهة ستتخذ: يمينا كهانياً متطرفاً أم يمين أقل تطرفاً. والأمر لا يعتمد على رؤية الأحزاب وقادتها وإنما أساسا على موقف الجمهور الإسرائيلي الذي بات عبدا لمواقف وأصنام صنعها بنفسه على مر السنين. وتكفي مراجعة سريعة لمواقف الجمهور الإسرائيلي من قضايا الحرب والسلام خصوصاً مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع لمعرفة الوجهة. فغزة في نظر الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين خصوصاً بعد السابع من أكتوبر شوكة لا تزال حادة في خاصرة الدولة العبرية واجبة الإزالة. كما أن الاستيطان والعربدة في الضفة الغربية خلقا تحولات ديمغرافية رسمت في ظل حكومات اليمين المتعاقبة واقعا بالغ التعقيد. وهناك رؤية الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش للحسم في الضفة والتي تجد من يساندها في أغلب جهات الحكم واليمين وهي الخطة الوحيدة المعروضة.
إن أغلبية الإسرائيليين ترى في تهجير الفلسطينيين من غزة الحل الأمثل حتى بعد أن تبين أن تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان فارغا من أي مضمون. والتهجير في الضفة الغربية هو الحل المطلوب عند الصهيونية الدينية لكنه يصطدم بواقع إقليمي ودولي يدفع كثيرين حتى من قادة اليمين للتفكير بقبول تقسيم الضفة. أي ضم ما يمكن ضمه والسماح بحكم محدود للفلسطينيين المتبقين على أرضهم من ناحية ثانية وبشروط إسرائيلية. باختصار ينقسم الإسرائيليون أنصار اليمين إلى قسمين: ضم الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين إلى الدول العربية، وضم المستوطنات وما يحيط بها والسماح بحكم فلسطيني في ما تبقى لمنع المساس بيهودية الدولة. وحسب الاستطلاعات المنشورة فقط 27% من الإسرائيليين يؤيدون قيام دولة فلسطينية من دون نسيان حقيقة أن العرب يشكلون حوالي 20 % من سكان الدولة العبرية.
الأحزاب المتنافسة
يمكن القول أن كل من بقي من أنصار اليسار والوسط الليبرالي وأمام الوجهة التي تسير نحوها إسرائيل آثروا الاتحاد والانضواء تحت لواء حزب "الديمقراطيين" الذي يرأسه الجنرال يائير غولان. ويضم هذ الحزب أنصار حزب العمل التاريخي وكذلك حركة ميرتس وليبراليين من هنا وهناك. وبحسب الاستطلاعات ينال هذا الحزب حوالي عشرة مقاعد من 120 مقعدا في الكنيست. وإلى جانب هؤلاء توحد العرب في قائمتين أولاهما ضمت جبهة "حداش" وقائمة الدكتور أحمد الطيبي والتجمع الوطني الديمقراطي وتمنح الاستطلاعات هذه القائمة ما بين 7 -8 مقاعد. أما الثانية فهي القائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور عباس منصور الذي يحاول أن يبني جسوراً مع الأغلبية اليهودية بضم عضو كنيست يهودي مؤهل لتولي وزارة الأمن الداخلي بسبب خدمته القيادية السابقة في الشرطة. وتمنح الاستطلاعات القائمة الثانية هذه 5-6 مقاعد.وهناك الأحزاب الحريدية الاشكنازية المتحدة في "يهدوت هتوراه" وتنال حوالي 8 مقاعد وفق الاستطلاعات وحزب شاس الحريدي الشرقي "شاس" الذي ينال 7 مقاعد والمعرض للمنافسة من أحزاب اليمين الأخرى.
وفي مقابل كل هؤلاء يوجد حالياً الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الذي يقود كتلة من الأحزاب اليمينية الأخرى الأشد تطرفاً منه وعلى رأسها "عوتسما يهوديت" بزعامة إيتمار بن غفير و"الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش. وكان نتنياهو هو من أفلح في الانتخابات السابقة بالتوحيد بين حزبي سموتريتش وبن غفير لكنه عجز هذه المرة عن اقناعهما بالبقاء في إطار واحد. فلا شيء يفزع نتنياهو حالياً أكثر من الانشطارات الحزبية داخل كتلة اليمين المتطرف التقليدية لكنه، حتى الآن، يقف عاجزاً عن فعل شيء. فالانقسامات على أشدها حتى داخل الليكود نفسه. إذ أنشأ رئيس الكنيست السابق يولي دلشتاين والوزير جلعاد أردان حزباً جديداً ضم خائبي الأمل من نتنياهو داخل الليكود. كما أن العديد من أنصار الليكود ممن لم يرق لهم قانون التجنيد أنشأوا حزبا باسم جنود الاحتياط. وكما سلف يخوض كل من بن جفير وسموتريتش الانتخابات في قائمتين منفصلتين. وانضم إلى اللعبة من داخل التيار القومي الديني حزب برئاسة الجنرال المتطرف عوفر فينتر ليشكل خطرا على اليمين بأسره. فالصراع بات على من يقدر على تجاوز نسبة الحسم وبالتالي عدم تبديد أصوات اليمين. وحسب آخر الاستطلاعات فإن بن جفير يحقق مكاسب (تسعة مقاعد) وسموتريتش (أربعة مقاعد) على حافة نسبة الحسم وليس مضمونا أن يفوز حزب فينتر بأية مقاعد.
ومقابل الكتلة اليمينية المؤيدة لنتنياهو هناك الكتلة المعادية له. ويقف على رأس هذه الكتلة الجنرال غادي آيزنكوت الذي يرأس حزب "يشار" ويحاول عرض نفسه على أنه الليكود الأصلي. وإلى جانبه هناك حزب "بياحد" الذي يرأسه نفتالي بينت وهو أحد معاوني نتنياهو السابقين ويضم بقايا حزب "هناك مستقبل" وخليط من القوميين والصهاينة المتدينين. وهناك حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان. ووفق الاستطلاعات ينال آيزنكوت حوالي 25 مقعدا ونفتالي بينت 14 مقعدا وينال ليبرمان تسعة مقاعد.
اليمين واليسار
وبغياب أي صلة لليمين واليسار بالمعركة الانتخابية القريبة يمكن القول أنها باتت معركة بين مؤيدي نتنياهو ومعارضيه. وأن النتيجة لن تكون تغييراً قريباً في السياسة الإسرائيلية التي رسم خطوطها بشكل كبير نتنياهو نفسه. وإذا كان دافيد بن غوريون واضع أسس الدولة العبرية بصيغتها الأولى فإن نتنياهو نفسه، وبالتعاون مع اليمين الكهاني، هو مبلور الدولة العبرية بصيغتها الراهنة. بن غوريون كان يجرب يميناً ويساراً لينشئ الدولة ويصنع "الأمة اليهودية" من لا شيء تقريباً ونتنياهو حدد مسار هذه الدولة وفق منطقها الأساس المستند إلى الانزياح الدائم نحو اليمين. وإذا كان الأول آمن بأفكار ديمقراطية وليبرالية سبيلا لترسيخ كيان هذه الدولة ووحدتها فإن الثاني صاحب نظرية الحرب الدائمة لا يؤمن سوى بالقوة وصولا إلى الفاشية الصريحة داخلياً والإبادة الجماعية خارجيا. وبات أنصار نتنياهو لا يؤمنون حتى بإبقاء ما كان يعرف باليسار ولو في الهامش وهو ما يتعرض له حاليا زعيم ما تبقى من اليسار الجنرال يائير غولان.
بعد أيام قليلة في الثامن من أيلول يغلق باب تشكيل القوائم. ونتنياهو يحاول إعادة تركيب قوائم اليمين للحفاظ على كتلته. ولكن اليمين المتطرف مثل النار التي تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. واليمين الكهاني يتمرد على نتنياهو ويرفض الاستماع لتعليماته ونصائحه ويصر على أن يفرض رأيه حتى على نتنياهو نفسه. وهذا ما يمكن أن يسقط نتنياهو ولكن كل من يحل مكانه سيكون أيضا من اليمين. فالصراع بين يمين ويسار حسم منذ ما يقرب عقدين من الزمان.
المصدر: المدن