العلمانية
ما وراء دعوة "اللباس الشرعي": من هو "الشيخ الذهبي"؟

المدن

الأربعاء 26 آب 2026

وصلتُ إلى دمشق عام 1996 لدراسة الصحافة في جامعتها. ترجّلت من الحافلة، ووقفت أتأمل المكان ووجوه الناس، لم تكن الوجوه متشابهة، ولا الملابس، ولا اللهجات. كانت عاصمة يفد إليها الجميع، ويحمل كلٌّ منهم شيئاً من مدينته أو قريته، ثم ينساب، بدرجة أو بأخرى، في إيقاعها السريع.
 
أحببت دمشق منذ اللحظة الأولى، حتى وأنا أرتّب ثيابي القليلة في غرفة بالسكن الجامعي أتشاركها مع ثماني طالبات. بدت الغرفة الضيقة، بطريقتها الخاصة، صورة مصغّرة عن سوريا: طالبات من محافظات ولهجات وبيئات اجتماعية ودينية مختلفة. تبادلنا الطعام والنكات والحكايات، واكتشفنا من خلال بعضنا بلداً أكبر بكثير مما عرفناه في مدننا وقرانا.
 
ومن هناك بدأت علاقتي الحقيقية بدمشق مدينة لا تطلب من الآتي إليها أن يشبهها، لأن قوتها، في الأصل، جاءت من قدرتها على استيعاب الاختلاف.
 
دمشق التي لبست أكثر من زمن
 
كنت أمشي كثيراً في تلك السنوات، وصلت سيراً إلى منطقة مجلس الشعب، وبدأ فضولي يأخذني إلى تاريخ دمشق الاجتماعي، لا السياسي وحده. شدتني ستينيات القرن الماضي بما حملته من تحولات في الثقافة والتعليم والفن وأشكال الحياة اليومية.
 
تتبعت حتى التفاصيل الصغيرة: ماذا كانت النساء يرتدين؟ كيف تبدّلت أزياء المدينة؟ وماذا بقي من دمشق القديمة داخل المدينة التي اتجهت نحو الحداثة؟
 
وقعت بين يدي لاحقاً كتبٌ عن أزياء دمشق، فاكتشفت أن تاريخ ملابس النساء لم يكن خطاً واحداً ولا نموذجاً ثابتاً، إلى جانب الأزياء التقليدية، ظهرت تأثيرات الموضة الأوروبية لدى شرائح من نساء المدن، بينما بقيت الأقمشة الدمشقية الفاخرة، وفي مقدمتها البروكار، جزءاً من هوية المدينة وصناعاتها المعروفة عالمياً.
 
كانت دمشق تجمع هذه الصور كلها في شارع واحد تقريباً امرأة محجبة إلى جانب أخرى سافرة، وثوب تقليدي إلى جوار فستان حديث، وبروكار دمشقي إلى جانب صيحات وافدة من باريس أو بيروت.
 
لم يكن لباس واحد يختصر المدينة، وهذه، في نظري، ليست ملاحظة عن الموضة بقدر ما هي ملاحظة عن طبيعة دمشق نفسها.
 
حين دخل اللباس إلى العمل الصحفي
 
عاد اللباس إلى حياتي بعد سنوات، لكن من بوابة الصحافة. أنجزت تحقيقاً عن القبيسيات، الحركة الدعوية النسائية التي نشأت في دمشق على يد منيرة القبيسي، واتسعت شبكاتها التعليمية والدعوية داخل المجتمع السوري.
 
لم تكن الظاهرة هامشية، ربطت جذور القبيسيات بالنشاط الديني النسائي منذ منتصف القرن العشرين، فيما اتسع حضور الجماعة لاحقاً داخل التعليم الديني وشبكات اجتماعية واسعة، خصوصاً في دمشق.
 
وكانت علاقة النظام السابق بهذه الجماعة أكثر تعقيداً من اختزالها في المنع أو الدعم المباشر. فقد تعاملت سلطات البعث مع المجال الديني بمنطق الاحتواء والضبط، وسمحت بهوامش لبعض الحركات ما دامت لا تتحول إلى تحدٍّ سياسي. نظام بشار الأسد أتاح للقبيسيات مساحة أوسع للعمل العلني، في إطار سياسة لاستيعاب بعض النشاط الديني السني وإبقائه خارج المجال السياسي المعارض.
 
أتذكر من تلك المرحلة لون الحجاب، والتدرج الداخلي، والانضباط، وشبكات التعليم والعلاقات الاجتماعية.
 
لكن ما بقي معي لم يكن سؤال الحجاب وحده، بل سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يتحول اللباس من قرار فردي إلى علامة على الانتماء والرتبة والهوية؟
 
سوريا بعد النظام
 
سقط النظام السابق في كانون الأول 2024، تاركاً بلداً أنهكته الحرب والاستبداد والانقسام والنزوح، ومع سقوط منظومة حكم استمرت أكثر من نصف قرن، لم يكن متوقعاً أن تختفي المشكلات التي راكمتها.
 
على العكس، بدأت أسئلة كثيرة تطفو دفعة واحدة: علاقة الدين بالدولة، وحدود المجال العام، وحقوق النساء، وحرية الدعوة، والتنوع المذهبي والاجتماعي، ودور المؤسسات، ومن يملك الحق في رسم صورة سوريا الجديدة.
 
وفي المراحل الانتقالية تصبح الرموز الصغيرة شديدة الحساسية: العلم، والنشيد، والاحتفال العام، وشكل التعليم، وحتى الملابس يمكن أن تتحول إلى جزء من الصراع على تعريف المجتمع القادم.
 
وسط هذا المشهد، برز عام 2026 اسم مصري يُعرف بلقب "الشيخ الذهبي"، مع حملات لتوزيع ما يسميه "اللباس الشرعي" على النساء والفتيات.
 
لكن من هو الرجل الذي أخذت حملاته تنتقل من الأحياء والمدن إلى الجامعات والمراكز العامة؟
 
من هو "الشيخ الذهبي"؟
 
اسمه الحقيقي هاني دهب، وهو مصري الجنسية، ظل يظهر لسنوات على وسائل التواصل الاجتماعي مستخدماً اسم "الشيخ الذهبي"، قبل أن يكشف في أيار 2026 اسمه الحقيقي وجنسيته.
 
وأخذ اسمه يحضر بقوة في سوريا بعد سقوط النظام السابق، مع حملات ممولة بالتبرعات لتوزيع النقاب والعباءات والخُمُر وغيرها مما تصفه الحملة بـِ "اللباس الشرعي"، ووفق ما ينشره دهب نفسه وما نقلته وسائل إعلام سورية، امتد نشاط الحملة إلى مناطق ومحافظات عدة، ثم وصل إلى جامعات حكومية.
 
روايات مختلفة عن ماضي دهب قبل ظهوره الحالي، من بينها اعتقاله في مصر وانتقاله لاحقاً إلى سوريا.
 
الأوضح، والمثبت من نشاطه العلني، أن مشروعه تجاوز توزيع الملابس، فقد دخل في سجالات حول شكل الحياة الاجتماعية والفن والدراما والاختلاط، وهو ما يكشف أن خطابه بات يتجاوز مساعدة من ترغب في ارتداء زي معين إلى تقديم تصورات أوسع عما ينبغي أن يكون عليه السلوك الاجتماعي في سوريا.
 
من توزيع الملابس إلى الجامعات
 
في البداية، بدا الأمر نشاطاً خيرياً ذا طابع ديني. متبرعون يمولون صناعة ملابس تُوزَّع مجاناً على النساء الراغبات، وتضم الحزم عادة عباءات وخُمراً ونقاباً وقفازات وجوارب.
 
لكن النقاش تغيّر حين خرج النشاط من نطاق المبادرات المحلية والبيئات الدينية التقليدية، واتجه إلى الجامعات والمؤسسات والأماكن العامة.
 
هنا لم يعد السؤال: هل من حق امرأة أن ترتدي النقاب؟ بالطبع من حقها، متى كان قرارها حراً، السؤال أصبح هل من حق جهة منظمة أن تدخل جامعة عامة أو فضاء عاماً وتدفع باتجاه نموذج ديني محدد للمرأة؟ وأين تنتهي حرية الدعوة ويبدأ التأثير المنظم في المجال العام؟ وهذا فارق جوهري. فالحرية الفردية تعني حماية حق المرأة التي تريد ارتداء النقاب، بالقدر نفسه الذي تحمي فيه المرأة التي تختار الحجاب أو عدم ارتدائه، أما تحويل شكل واحد من اللباس إلى معيار لـ«العفة» أو «الهداية»، فينقل المسألة من مساحة الحرية الشخصية إلى مساحة الصراع على تعريف المرأة الصالحة والمجتمع الصالح.
 
شام سيتي سنتر
 
بلغ الجدل مرحلة جديدة في آب 2026، حين أعلنت حملة الذهبي حصولها على موافقة إدارة "شام سيتي سنتر" في دمشق لتنظيم فعالية داخله.
 
قالت الحملة إن النشاط سيكون من دون اختلاط، ويتضمن توزيع ملابس وهدايا وفقرات مرتبطة بالحجاب. لكن الفعالية أُلغيت لاحقاً. ومن هنا ظهرت روايتان مختلفتان.
 
وقالت الحملة أيضاً إنَّ معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار تدخل لمنع النشاط، وإنَّ فريقها أُبلغ بأن الملابس التي يروج لها لا تمثل "لباس أهل الشام" وإنها دخيلة على المجتمع السوري.
 
في المقابل، جرى تداول تفسير منسوب إلى وزارة الأوقاف يضع القضية في إطار تنظيم النشاط الدعوي والموافقات المطلوبة، لا في إطار منع نوع محدد من اللباس، والفارق بين الروايتين مهم.
 
إذا كان المنع متعلقاً باللباس، فالقضية تمس حرية الأفراد، أما إذا كان متعلقاً بترخيص نشاط دعوي داخل مساحة مفتوحة للجمهور، فالقضية تصبح إدارية وقانونية، وغياب قواعد واضحة ومعلنة يسمح لكل حادثة بأن تتحول إلى معركة هوية. لكن إلغاء فعالية "شام سيتي سنتر" لم ينه الجدل. 
 
بعد أيام، انتقل المشهد إلى مكان أكثر رمزية الشارع نفسه.
 
يوم السبت 22 آب، شهدت ساحة الأمويين في دمشق تجمعاً رفع مشاركون فيه شعارات ولافتات تدعو إلى الالتزام بما وصفوه بـِ "اللباس الشرعي" و"اللباس المحتشم". وانتشرت صور ومقاطع للتجمع على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت فتيات قاصرات باللباس الشرعي يحملن لافتة كتب عليها اسم الذهبي. وهنا ينبغي التمييز بين ما هو موثق وما لم يثبت بعد وجود التجمع واللافتات موثق، لكن المصادر المنشورة لم تحدد الجهة التي دعت إليه أو تولت تنظيمه، كما لم يصدر رقم رسمي لعدد المشاركين أو بيان يحدد أهداف التحرك بصورة تفصيلية، والمهم في المشهد ليس العدد بقدر ما يمثله الانتقال نفسه.
 
فالقضية التي بدأت بحملات لتقديم ملابس لمن ترغب فيها، ثم دخلت الجامعات والمراكز التجارية، باتت تظهر الآن بصيغة جماعية في واحدة من أكثر ساحات العاصمة حضوراً ورمزية.
 
عند هذه النقطة يصبح السؤال مختلفاً. فالحديث لم يعد فقط عن حق فرد في اختيار لباسه، بل عن حضور خطاب منظم في المجال العام يسعى إلى تقديم تصور محدد لما ينبغي أن ترتديه المرأة.
 
وحين تظهر ضمن هذه الحملات فتيات صغيرات السن، تصبح المسألة أكثر حساسية أيضاً، فحق المرأة البالغة في الاختيار شيء، وإقحام الأطفال أو القاصرات في مشاهد دعوية جماعية تحمل رسائل أيديولوجية شيء آخر، يستحق بدوره نقاشاً مجتمعياً وقانونياً أكثر جدية.
 
النقاب ليس المشكلة
 
لهذا لا أرى أن النقاب، بحد ذاته، هو جوهر القضية، لو خرجت مجموعة من النساء لأنهن اخترنه بحرية، لكنت أول من يدافع عن حقهن.
 
المشكلة تبدأ عندما يقترن اللباس بمفردات مثل "الهداية" و"العفة"، وكأن المرأة التي لا ترتديه تقف تلقائياً خارج هاتين الدائرتين.
 
وتزداد المسألة حساسية حين تدخل الحملات المنظمة إلى الجامعات أو المدارس أو المساحات العامة، أو حين يتحول جسد المرأة ولباسها إلى عنوان لمشروع اجتماعي يريد أن يقول للمجتمع كيف يجب أن يبدو.
 
فالطفلة ليست لوحة إعلانية لمشروع أيديولوجي، ولا ينبغي أن يصبح جسد المرأة الساحة الأسهل لإعلان انتصار طرف اجتماعي على آخر.
 
كنت سأخرج مع هؤلاء النساء، وأدافع عنهن، لو كانت القضية ببساطة حقهن في أن يرتدين ما يشأن.
 
لكن الخطورة تبدأ حين يصبح الاختيار الفردي نموذجاً مطلوباً من المجتمع، وحين تتحول "الهداية" من تجربة إنسانية شخصية إلى مشروع جماعي لإعادة صياغة الآخرين. عندها تضيع التجربة الفردية، ويبدأ صراع الهويات.
 
من يملك دمشق؟
 
أعود بعد ثلاثة عقود إلى اليوم الذي وصلت فيه إلى دمشق، أتذكر الطالبات الثماني اللواتي تقاسمت معهن غرفة واحدة، لم نكن متشابهات، ولو اشترطت علينا دمشق أن نتشابه قبل أن تستقبلنا، لما أصبحت عاصمة للجميع، وهنا يقع جوهر النقاش.
 
لا أريد دمشق بلا محجبات، ولا بلا منقبات، ولا بلا نساء يخترن شعورهن مكشوفة.
 
أريد مدينة لا تحتاج فيها المرأة إلى تبرير ما ترتديه أمام الدولة أو الشيخ أو المجتمع.
 
مدينة يستطيع المتدين أن يمارس تدينه بحرية، ويستطيع المختلف معه أن يعيش بالحرية نفسها، من دون أن يتحول أحدهما إلى مشروع لإعادة تشكيل الآخر.
 
التحدي الذي يواجه سوريا الجديدة ليس الاختيار بين مدينة "متدينة" وأخرى "علمانية"، فهذا سؤال زائف.
 
التحدي الحقيقي هو بناء دولة تحمي المجال الذي يعيش فيه الاثنان معاً.
 
نريد دمشق التي تشبه نفسها مدينة تتسع للجميع، وتفتح ذراعيها لكل من يعيش فيها، مهما كان الاعتقاد الذي يحمله في قلبه، ومهما كان ما يغطي به جسده.
 
فهوية المدينة لا يحميها توحيد ملابس أهلها، يحميها أن يستطيع المختلفون أن يمشوا في الشارع نفسه، من دون أن يشعر أحد منهم بأن الآخر يريد محوه.