أوروبا أمام اختبار الهجرة الأكبر.. هل ينهار التوافق الأوروبي عند الحدود؟
العرب اللندنية
الجمعة 14 آب 2026
لم تكن موجة المهاجرين التي وصلت إلى سبتة الإسبانية في نهاية يوليو مجرد أزمة حدودية عابرة، بل بدت كاختبار مفاجئ للسياسة الأوروبية الجديدة في مجال الهجرة، في وقت دخل فيه ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التطبيق الكامل للمرة الأولى.
فبعد سنوات من الخلافات بين الدول الأعضاء حول توزيع أعباء اللجوء، وحماية الحدود، وإعادة المهاجرين، كانت بروكسل تراهن على أن الميثاق الجديد سيمنح الاتحاد أدوات أكثر تنسيقا للتعامل مع تدفقات الهجرة. لكن وصول عشرات الآلاف إلى سبتة خلال فترة وجيزة أظهر أن الفجوة بين القواعد الأوروبية المكتوبة والقدرة الفعلية على إدارة أزمة مفاجئة لا تزال واسعة.
وتحولت سبتة، الواقعة على الساحل الشمالي لأفريقيا والخاضعة للسيادة الإسبانية، إلى نقطة اختبار رمزية لهذه المعادلة. فقد أدت موجة العبور الكبيرة إلى إرباك السلطات المحلية، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة تداعيات الأزمة وتعزيز حماية الحدود.
الميثاق الأوروبي أمام أول اختبار حقيقي
الاختيار لم يعد بين استقبال المهاجرين أو منعهم، وإنما بين نموذج أوروبي قادر على إدارة الحدود بصورة مشتركة، ونموذج تعود فيه كل دولة إلى حماية حدودها بنفسها كلما اندلعت أزمة
المفارقة أن الأزمة جاءت بعد أسابيع قليلة من بدء تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي في 12 يونيو الماضي.
ويهدف الميثاق إلى توحيد إجراءات التعامل مع طالبي اللجوء، وتشديد عمليات الفحص عند الحدود الخارجية، وتسريع معالجة الطلبات، إلى جانب وضع آليات للتضامن وتقاسم المسؤولية بين الدول الأعضاء.
لكن أزمة سبتة طرحت سؤالا مختلفا: ماذا يحدث عندما تتجاوز أعداد الوافدين قدرة دولة واحدة على الاستيعاب، بينما تظل المسؤولية السياسية والأمنية مرتبطة بالدولة التي تقع على حدودها الأزمة؟
وهنا تعود المشكلة القديمة إلى الواجهة. فالدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، تتحمل بصورة أكبر ضغط الوصول غير النظامي، بينما تطالب دول أخرى بتشديد الرقابة ومنع انتقال المهاجرين إلى أراضيها.
وقد كشفت الأزمة مجددا عن التوتر بين مبدأ التضامن الأوروبي ومصالح الدول الوطنية، وهو توتر لم يختف رغم الإصلاحات القانونية الجديدة.
سبتة ليست مجرد أزمة هجرة
تكمن حساسية سبتة أيضا في موقعها الجغرافي والسياسي. فهي ليست حدودا أوروبية تقليدية، وإنما جيب إسباني في شمال أفريقيا، يجعل أي اضطراب فيه مرتبطا في الوقت نفسه بالعلاقات الأوروبية مع المغرب وبأمن الحدود وبسياسة الهجرة.
ولهذا اكتسبت الأزمة بعدا يتجاوز ملف المهاجرين أنفسهم.
فالتجربة أظهرت مدى سرعة تحول الحدود الخارجية للاتحاد إلى ساحة سياسية داخلية. وما إن بدأت صور المهاجرين وهم يحاولون الوصول إلى سبتة بالانتشار، حتى دخلت الأزمة في السجال السياسي الأوروبي، خصوصا مع صعود التيارات اليمينية التي تستخدم الهجرة باعتبارها أحد أبرز ملفات التعبئة الانتخابية.
وفي إسبانيا نفسها، وجد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حكومته في موقف دفاعي، بينما اتسعت الانتقادات داخل أوروبا بشأن طريقة التعامل مع الأزمة. وأظهرت تداعياتها أن الهجرة لم تعد قضية إنسانية وأمنية فحسب، بل أصبحت أيضا ورقة في الصراع على مستقبل المشروع الأوروبي.
اليمين الأوروبي يستعيد زمام المبادرة
ربما تكون هذه هي النتيجة السياسية الأكثر أهمية للأزمة.
فكل موجة هجرة كبيرة تمنح الأحزاب اليمينية فرصة لإعادة طرح خطابها حول الحدود والسيادة الوطنية وعمليات الترحيل. وفي الأيام الأخيرة، دعت إيطاليا والدنمارك إلى موقف أوروبي أكثر تشددا، بما في ذلك زيادة عمليات الترحيل وإنشاء مراكز لإعادة المهاجرين وتعزيز حماية الحدود.
وهكذا تجد المفوضية الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة: فإذا شددت سياستها أكثر، واجهت اتهامات بالتخلي عن المبادئ الإنسانية وحق اللجوء؛ وإذا لم تفعل، فإنها تخاطر بترك المجال السياسي للتيارات التي ترى أن الاتحاد فقد السيطرة على حدوده.
وهذا هو السبب في أن الهجرة أصبحت واحدة من أكثر القضايا قدرة على إعادة تشكيل الخريطة السياسية الأوروبية.
لكن اختزال الأزمة في حماية الحدود قد يكون مضللا.
فحتى أكثر الحدود الأوروبية تحصينا لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الهجرة، من البطالة والفقر والصراعات إلى الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين ضفتي المتوسط.
وتظهر بيانات ومتابعات الهجرة الأوروبية أن طرق العبور تتغير باستمرار وفقا للرقابة والظروف السياسية والاقتصادية في بلدان المنشأ والعبور. وتظل إسبانيا وإيطاليا واليونان من أبرز نقاط الوصول إلى أوروبا، مع استمرار نشاط طرق البحر المتوسط والبلقان.
ولهذا فإن تشديد الحدود يمكن أن يغير المسار، لكنه لا يلغي الدافع.
وقد يؤدي إغلاق طريق إلى فتح طريق آخر، كما أن الضغط على دولة عبور يمكن أن ينقل المشكلة إلى دولة مجاورة بدلا من حلها.
وتكشف أزمة سبتة مرة أخرى أن أوروبا لا تستطيع إدارة ملف الهجرة من داخل حدودها فقط.
فالمغرب يمثل إحدى أهم دول العبور نحو إسبانيا، وتؤكد بيانات الاتحاد الأوروبي أن المسار الغربي للمتوسط يشمل العبور من المغرب والجزائر باتجاه إسبانيا، سواء عبر البحر أو من خلال سبتة ومليلية. وهذا يمنح الرباط ورقة استراتيجية مهمة في علاقتها مع أوروبا.
ومن هنا تتحول الهجرة إلى جزء من علاقة أوسع بين أوروبا وجنوب المتوسط، تشمل الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار والتعاون السياسي.
هل تعود أوروبا إلى سياسة الجدران؟
نجاح ميثاق الهجرة الجديد لن يقاس بعدد القوانين التي دخلت حيز التنفيذ، وإنما بقدرة أوروبا على مواجهة أول موجة كبيرة دون أن تعود كل دولة إلى حدودها، وحساباتها، وخوفها الخاص
الخطر الأكبر الذي كشفت عنه سبتة ليس زيادة أعداد المهاجرين وحدها، وإنما احتمال عودة الدول الأوروبية إلى البحث عن حلول وطنية منفردة.
فإذا شعرت الدول الأعضاء بأن الآليات الأوروبية المشتركة عاجزة عن التعامل مع موجة كبيرة ومفاجئة، فقد تعود إلى تشديد حدودها الوطنية أو فرض قيود مؤقتة على الحركة، بما يهدد واحدة من الركائز الأساسية لمنطقة شنغن.
وهنا تصبح الهجرة اختبارا مباشرا لمستقبل التكامل الأوروبي.
فالاختيار لم يعد بين استقبال المهاجرين أو منعهم، وإنما بين نموذج أوروبي قادر على إدارة الحدود بصورة مشتركة، ونموذج تعود فيه كل دولة إلى حماية حدودها بنفسها كلما اندلعت أزمة.
وقد حذرت تحليلات أوروبية بالفعل من أن تطبيق الميثاق الجديد لا يعني انتهاء الخلافات حول مستقبل سياسة الهجرة، وأن قدرة النظام الجديد على التعامل مع أزمات واسعة ومفاجئة لا تزال موضع اختبار.
لهذا يمكن النظر إلى أزمة سبتة باعتبارها جرس إنذار مبكرا أكثر منها أزمة انتهت بانحسار موجة العبور.
لقد كشفت أن أوروبا تستطيع تشديد قوانينها، وتسريع إجراءات اللجوء، وتطوير أدوات المراقبة، لكنها لم تحسم بعد السؤال السياسي الأصعب: من يتحمل مسؤولية الهجرة عندما تتحول من تدفقات متفرقة إلى أزمة جماعية؟
فإذا لم تجد بروكسل إجابة مشتركة، فإن كل أزمة جديدة ستعيد الانقسام نفسه: دول حدودية تطالب بالدعم، ودول أخرى تطالب بإغلاق الحدود، وأحزاب يمينية تضغط لمزيد من الترحيل، ومنظمات حقوقية تحذر من تجاوز حقوق طالبي اللجوء.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة الأوروبية الحقيقية هي الهجرة وحدها، وإنما عجز الاتحاد عن الاتفاق على كيفية إدارتها.
وإذا كانت سبتة قد كشفت شيئا، فهو أن الحدود الأوروبية يمكن أن تكون موحدة على الخرائط والقوانين، لكنها تظل سياسية ووطنية عندما تصل الأزمة إلى الأرض. ولذلك فإن نجاح ميثاق الهجرة الجديد لن يقاس بعدد القوانين التي دخلت حيز التنفيذ، وإنما بقدرة أوروبا على مواجهة أول موجة كبيرة دون أن تعود كل دولة إلى حدودها، وحساباتها، وخوفها الخاص.