العلمانية
تعديل قانون الطائفة.. بلا موافقة العلويين

نغم ربيع

الإثنين 10 آب 2026

لم يكن إدراج البند المتعلق بتنظيم شؤون الطائفة الإسلامية العلوية في لبنان على جدول أعمال الجلسة التشريعية لمجلس النواب، المقررة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، تفصيلاً عابراً. فالبند الرقم 7 كان قد سُحب من جدول أعمال الهيئة العامة في جلستها الأخيرة وأُحيل إلى اللجان المشتركة، قبل أن يعود مجدداً إلى الهيئة العامة، في خطوة أعادت فتح النقاش حول مصير المجلس الإسلامي العلوي وآلية انتخاب هيئاته، وسط اعتراضات داخل الطائفة وضغوط سياسية تحيط بمسار المشروع.
 
وعند تلاوة جدول الأعمال، سارع نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب إلى توضيح سبب إعادة إدراج المشروع، بعدما كان النواب قد صوّتوا في الجلسة السابقة على إحالته إلى اللجان. وقال إن "مستجدات ورسائل" طرأت على الملف، وإن رئيس المجلس نبيه بري ارتأى عرضه مجدداً على الهيئة العامة، لتقرر ما إذا كانت ستعيد طرحه للتصويت في المجلس أو تُبقيه في اللجان، منعاً لأي التباس حول سبب عودته إلى جدول الأعمال بعدما كانت الهيئة العامة قد اتخذت قراراً بإحالته.
 
لكن إعادة طرح المشروع لا تبدو، بالنسبة إلى معارضيه، مجرد إجراء يراد منه حسم مصيره. فهؤلاء يرون أن القرار الذي اتخذته الهيئة العامة في الجلسة السابقة بإحالته إلى اللجان كان يفترض أن يفتح الباب أمام إعادة البحث في مواده، لا أن ينتهي بالعودة به سريعاً إلى الهيئة العامة. ومن هنا، يأخذ الاعتراض بعداً سياسياً يتجاوز مسألة الإجراءات، ليرتبط مباشرةً بمضمون التعديلات المقترحة، وبمستقبل المجلس الإسلامي العلوي وانتخاب هيئاته، ولا سيما الانتخابات المرتقبة عام 2027.
 
من الانتخابات إلى التمديد
 
المسألة الأساسية التي تحكم هذا السجال تتصل بالمجلس الإسلامي العلوي نفسه، وبالانتخابات التي يفترض أن تعيد تشكيل هيئاته في العام 2027. فالمجلس يعيش، منذ تشرين الثاني 2023، حالة من الشلل شبه الكامل، فيما تتصاعد داخل الطائفة الدعوات إلى إعادة النظر في القانون الرقم 449 الصادر في العام 1995، والذي ينظم شؤون المجلس، واستبداله بقانون جديد يعيد تنظيم بنيته وآلية انتخاب هيئاته.
 
وفي هذا السياق، أعد المحامي العلوي محمد ناصر قبل حوالي سنتين، بالتعاون مع عدد من المحامين العلويين، مشروع قانون بديل، ونُظمت في جبل محسن ندوات لعرضه ومناقشة أهميته، في محاولة لفتح نقاش داخل الطائفة حول شكل المجلس ودوره وآليات إنتاج سلطته، إلا أنه لم يطرح في المجلس النيابي.
 
وبحسب معلومات "المدن"، لم تكن جلسة الهيئة العامة الأخيرة تفصيلاً في هذا المسار. فقد طُرح القانون أمام النواب، وجُمع نحو 120 توقيعاً مؤيداً لإجراء الانتخابات المقررة في العام 2027، قبل أن تصوت الهيئة العامة على إحالته إلى اللجان المشتركة. إلا أن المشروع عاد إلى الواجهة سريعاً، وسط ما يصفه معارضوه بضغوط سياسية لإعادة طرحه أمام الهيئة العامة، خلافاً للقانون وللمسار الذي كانت قد أقرته في جلستها السابقة.
 
وتكتسب انتخابات 2027 أهمية استثنائية بالنسبة إلى الطائفة، بعدما شهد العام 2023 أول انتخابات للمجلس تبدأ من القاعدة وتصل إلى رئاسة المجلس، في سابقة تختلف عن المرحلة السابقة التي كان يجري فيها تعيين أعضاء المجلس من الجانب السوري.
 
لكن هذه التجربة الانتخابية نفسها باتت موضع نزاع داخل الطائفة. فبحسب معارضي التعديلات، لم تُدعَ الهيئة العامة، التي يُفترض أن تكون المرجعية التي تنبثق منها مختلف هيئات المجلس، إلى أي اجتماع لمناقشة التعديلات التي أدخلت على القانون أو مشروع القانون الذي أحيل إلى لجنة الإدارة والعدل.
 
والهيئة العامة، وفق التركيبة المعتمدة للمجلس، ليست مجرد هيئة إدارية عادية، بل هي أشبه ببرلمان مصغر للطائفة، تضم شخصيات من مواقع وخلفيات مختلفة، من نواب سابقين وضباط متقاعدين وأطباء وأساتذة جامعات وسفراء ومهندسين ومخاتير ورؤساء بلديات، إلى جانب رجال الدين. ويبلغ عدد أعضائها، 133 عضواً مدنياً و83 شيخاً.
 
ومن هنا يطرح المعترضون سؤالاً أساسياً: كيف يمكن تعديل القانون الذي ينظم المجلس، فيما الهيئة التي انبثقت منها مختلف هيئاته لم تُدعَ إلى اجتماع واحد لمناقشة هذه التعديلات؟
 
ويذهب هؤلاء أبعد من ذلك، معتبرين أن المشكلة لا تقتصر على عدم التشاور مع الهيئة العامة، بل تشمل أيضاً التدخلات السياسية التي رافقت انتخابات العام 2023. وبحسب روايتهم، كان كل من علي قدّور ومدير مكتبه أحمد عاصي ممنوعين، بقرار من اللجنة الانتخابية، من دخول المجلس العلوي، قبل أن يصل قدور لاحقاً إلى رئاسة المجلس.
 
وبعد انتخاب المجلس، جرى خلال أولى جلساته تعديل القانون بما سمح بإلغاء الانتخابات والتمديد لولاية المجلس، في خطوة يقول معارضوها إنها جاءت بدعم سياسي من خارج الطائفة. 
 
"التعديلات تخدم أصحاب النفوذ"
 
يصبّ التعديل المقترح، بحسب معارضيه، في مصلحة أعضاء الهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس، وعددهم 11 عضواً، إضافة إلى رئيس المجلس ونائبه، فضلاً عن أعضاء الهيئة العامة البالغ عددهم 23 شيخاً. وهؤلاء هم المستفيدون المباشرون من تمديد الولاية، إذ يتيح لهم التعديل البقاء في مواقعهم والاستمرار في ممارسة صلاحياتهم، بدلاً من الاحتكام إلى انتخابات جديدة تعيد تشكيل الهيئات من القاعدة.
 
في المقابل، يرى النائب العلوي حيدر ناصر أن القضية تتجاوز مجرد تعديل مواد قانونية، معتبراً أنها "معركة تهديد لهوية الطائفة العلوية".
 
ويقول لـِ "المدن": "إعادة طرح الموضوع على الهيئة العامة بهذه الطريقة هي إهانة لكل علوي شريف. التعديلات شخصية إلى أبعد الحدود، ولا يوجد أي تعديل بنيوي يُذكر. هذه التعديلات لا تفيد إلا أصحاب النفوذ، وتزيد من نفوذهم وقوتهم".
 
لا يمكن فصل هذا السجال عن الواقع السياسي والاجتماعي للطائفة العلوية في لبنان، التي تُقدّر أعدادها، وفق أعلى التقديرات، بنحو 150 ألفاً، يتركز معظمهم في طرابلس وعكار. وقد ارتبط حضورها السياسي تاريخياً بسوريا، ولا سيما خلال عهدي حافظ وبشار الأسد، وبالحزب العربي الديمقراطي الذي قاده علي عيد حتى وفاته عام 2015، ثم نجله رفعت عيد.
 
تمديد الولاية حتى السبعين... و"ألغام" أخرى
 
بالنسبة إلى معارضي المشروع، لا تكمن المشكلة في تعديل مادة أو اثنتين، بل في مجموعة من المواد التي يرون أنها لا تعالج الخلل المؤسساتي الذي يعانيه المجلس، بقدر ما تكرس استمرار الموجودين فيه وتحصن مواقعهم.
 
أبرز هذه المواد تلك المتعلقة برئيس المجلس. فالمادة 13، وفق الصيغة المقترحة، تشترط ألا يقل عمر رئيس المجلس الإسلامي العلوي عن 35 عاماً، وتحدد استمرار ولايته حتى إتمامه السبعين. ولا يمكن إعفاؤه من منصبه إلا لدواعٍ صحية أو لأسباب خطيرة، وفق آلية تتولاها الهيئتان الشرعية والتنفيذية مجتمعتين.
 
وبذلك، لا تعود ولاية الرئيس مرتبطة بمدة زمنية محددة تنتهي بعدها ولايته حكماً، بل تصبح مفتوحة حتى بلوغه السبعين، وهو ما يعتبره معارضو التعديل تمديداً فعلياً للولاية، ويتيح للرئيس الحالي البقاء في موقعه من دون الاحتكام إلى انتخابات جديدة.
 
لا يتوقف الأمر عند الرئيس. فالمادة 16 تنص على أن يكون لرئيس المجلس نائب تنتخبه الهيئتان الشرعية والتنفيذية مجتمعتين، وتحدد مدة ولايته بست سنوات، مع إمكان إعفائه وفق الآلية نفسها المنصوص عليها لإعفاء الرئيس.
 
لكن العبارة الأكثر إثارة للجدل في المادة نفسها هي تلك التي تنص على أن "تستمر ولاية المجلس الحالي وفقاً للمواد 9 و10 و13 و16 من هذا القانون حتى لو انتهت ولايتهم كأعضاء في الهيئة العامة".
 
وهنا يتركز أحد أبرز اعتراضات المعارضين: فالمسألة، في رأيهم، لا تتعلق بترتيب مرحلة انتقالية ريثما تُجرى الانتخابات، بل بإبقاء أعضاء المجلس الحالي في مواقعهم حتى بعد انتهاء الصفة التي كانوا يشغلونها على أساسها. أي أن انتهاء ولاية الهيئة العامة لا يعني بالضرورة انتهاء ولاية المجلس المنبثق منها.
 
"لغم" آخر: المفتون
 
المادة 30 تفتح باباً آخر للخلاف، بعدما نصت على أن يكون للطائفة الإسلامية العلوية مفتيان: مفتي قضاء طرابلس ومفتي قضاء عكار، ينتخبهما علماء الدين في الهيئة العامة، على أن تستمر ولاية المفتي حتى إتمامه السبعين من عمره.
 
ويرى معارضو المشروع أن تثبيت ولاية المفتين حتى سن السبعين، بالتوازي مع تثبيت ولاية رئيس المجلس، يشكل أحد أبرز "الألغام" في التعديل، لأنه يحول المناصب الأساسية داخل المؤسسة من مواقع خاضعة لتجديد دوري إلى مواقع يمكن أن تستمر سنوات طويلة.
 
لكن الإشكالية، بالنسبة إليهم، لا تتعلق فقط بمدة الولاية، بل أيضاً بمن يملك حق انتخاب المفتين.
 
فالمجلس يضم هيئة عامة، إلى جانب "الهيئة المنتخبة"، وهي الأوسع وتضم 83 شيخاً. وفي المقابل، تضم الهيئة العامة، 23 شيخاً ضمن تركيبتها.
 
وبحسب المعترضين، فإن حصر انتخاب المفتين بالهيئة العامة، بدلاً من الهيئة المشيخية، أي المنتخبة، يعني عملياً إخراج نحو 60 شيخاً من عملية الانتخاب، وبالتالي حصر القرار في دائرة أضيق من رجال الدين.
 
 
لكن الأخطر أن لا يبقى التمديد محصوراً في هذا المجلس، بل يتحول إلى سابقة تُعمَّم على سائر المجالس والهيئات، فتغدو الانتخابات استحقاقاً قابلاً للتأجيل، ويصبح التمديد قاعدة كلما توافرت له التغطية السياسية. وعندها يبرز السؤال الأوسع: إذا صار التمديد مقبولاً للأقلية، فما الذي يمنع الأكثرية من أن تطالب به أيضاً؟
 
 
المصدر: المدن