العلمانية
الثورة في زمن الضجر.. هل فقد العالم قدرته على التغيير؟

كه يلان محمد

الخميس 6 آب 2026

مقاربة فكرية ترصد أفول المشاريع الثورية الكبرى وصعود ثقافة الاستهلاك وتبدل معنى الاحتجاج في القرن الحادي والعشرين
 
 
تحدد الثورة محطات فارقة في التاريخ البشري سواء هي تجلتْ في قيام الكيانات البشرية أو الطبقات الاجتماعية بسحب الشرعية من النظام المهيمن وإخراجه من الزمن نهائيا، أو لاحت معالمها على المستوى الفكري والعلمي، وذلك يبدأ عندما تبدو الأفكار السائدة غير متوافقة مع حركة الواقع، وبالتالي ينشأ ما يكون معبرا عن متطلبات مرحلة معينة من التاريخ، هذا لا يعني بأنّه لا يوجد استثناء وأنّ الفكر عامة محدود الصلاحية، لأنّ هذا الرأي يناقض المنطق، إذ ثمة أفكار فلسفية يبلى الزمن ولا تبلى مفاعليها.
 
هذا تنويه ضروري حتى لا يأخذ الكلام عن عمر الأفكار طابعا عموميا، ومن المعلوم أنّ الحديث عن الثورة يشرع الطريق على سؤال إشكالي: هل الأفكار هي التي تلهم باللحظة الانفجارية في بنية الواقع؟ أو يسبق الواقع بمشروطياته الذاتية ما يفور به الرأس؟
 
 قد تجد عددا من الشواهد في تاريخ الحديث والقديم تؤكد بأنّ الأفكار قد أخطأت في قراءة ملامح ما هو في غياهب الواقع. وأن الأحداث  قد أخذت مناحي مختلفة. الأمر الذي يكشف عن مدى تركيب المعادلة الواقعية بحيث لاتسع أية صيغة فكرية وفلسفية فكّ عناصرها دفعة واحدة أو تبسيطها. وما يبعد إمكانية الفهم عن مكونات الواقع هو محاولات رامية لتأكيد صحة الأفكار والتجاهل لضرورة تطويرها. أيا تكن الأمور فإنّ ما يجدر بالتأمل هو غياب الهزات الناجمة من الثورات في الربع الأول من الألفية الجديدة.
 
بصمة مايو 1968
 
إنّ كل ما حدث في غضون هذه الحقبة لم يكن غير حركات جماهيرية أبانت عن تفسخ نظام الحكم دون أنْ تتمكن من صياغة البديل أو تفكيك الموروث الثقافي والسياسي والاجتماعي أو تقويض النسق المهيمن في إدارة الحكم، بل تظهر الوقائع بأنّ الحراك الشعبي قد أوتيت نتائجه عكسية في الميدان مثلما يلاحظ ذلك في بعض البلدان العربية التي داهمتها أمواج ربيع الانتفاضات، إذ لم يعدْ لديها مقومات الدولة.
 
هذا المنحى الغالب على المشهد العالمي تقابله التحولات التي ألقت بثقلها على بداية القرن العشرين وزحزحت الكيانات والأفكار، وكانت إرهاصا بأشكال حديثة من الصراع والتنافس على السيادة. إذ تبعثرت أوراق الإمبراطوريات التقليدية وحلت مكانها القوى الجديدة، وإضافة إلى رأسمالها المادي راهنت على الرموز الفكرية لامتداد نفوذها العالمي.
 
وبالطبع فإنّ آخر حدث قد أثار مخاوف على المستوى العالمي في القرن العشرين وساور القلق الجميع من ارتداداته كان الانتفاضة الطلابية في فرنسا سنة 1968، قد يدعو هذا القول للاستغراب، لأن هناك سلسلة من الأحداث  تلت حركة مايو الطلابية قد تفوقها تأثيرا على الخارطة العالمية، بدءا من هزيمة أميركا في فيتنام مرورا بالعدّ التنازلي لسقوط الاتحاد السوفيتي بعد غزوه لأفغانستان، وليس نهاية بانهيار نظام محمد رضا بهلوي في إيران.
 
صحيح كل ذلك منعطفات على الصعيدين الإقليمي والدولي، لكن ما وقع في فرنسا كان يعبر عن تطلعات أجيال لإلغاء أمثولات تعيد تدوير نفسها بمسميات مختلفة. من هنا فإنّ إحباط هذه الحركة يعني استمرار الأنظمة المتداعية وتسويقها في أشكال مختلفة. ومن المفارقات التي قد لا تفسر أنّ تيار اليسار الشيوعي كان مشاركا في الإجهاز على التمرد الطلابي، وهذا ما يؤكده أبرز الأسماء الفكرية في ذاك العصر.
 
 يقول لويس ألتوسير في سيرته "المستقبل يدوم طويلا" بأنّ الحزب قد فتح خط المفاوضات مع أجهزة الدولة علما بأنّ العاصمة كانت شاغرة من السلطة والوزارات والبورجوازية فرت من المدن الكبرى هاربة بأموالها. يشير مؤلف "أن تكون ماركسيا في الفلسفة" إلى أنّ هذا الوضع كان مثار قلق بالنسبة إلى الدول الأخرى منها الإتحاد السوفيتي الذي كان يفضل على صعيد الاستراتيجية العالمية الأمان المحافظ لديغول على مفاجآت حركة جماهيرية ثورية.
 
ما ورد على لسان ألتوسير يتقاطع مع ما تسرده آني أرنو عن أحداث مايو في كتاب "السنوات" إذ تؤكد بأنّ قادة الحزب الشيوعي والنقابات بهيئتهم الأبوية كانوا يخفون إلى التفاوض مع الحكومة المحتضرة جماهيريا. لافتة إلى أنّ الشعور بالانخداع باغت الجيل الذي كان في طليعة حركة "مايو"، لأنّ المتفاوضين اكتسبوا صفة "الحلفاء الموضوعيين للسلطة".
 
لا مبالغة في القول بأنّ قام به الحزب الشيوعي الفرنسي من دور قارب النجاة للسلطة سيكون تقليدا للحراكات الثورية اللاحقة حيث تناور قوى معينة على هامش الحدث بالتفاوض مع السلطة المترهلة تارة أو بالاقتراب من التيارات الفاعلة إنْ تأكدت بأنّ أيام السلطان باتت معدودة. إذا فإنّ حركة مايو كانت آخر صيحة ثورية يتوقع منها قلب المفاهيم والعرف السلطوي وكل ما شهده العالم بعدها زاد من قناعة بأنّ موجة وحيدة تسود في المجتمعات.
 
يقول ميشال مافيزولي بأنّ في الانتفاضات الحالية ليس لها مشروع أو برنامج ولا حتى زعماء. وما يضفي مصداقية على هذا الكلام أنّ تلك الانتفاضات موسمية متقطعة لا تستمد زخمها من أدبيات محددة ولا تخلف وراءها نهجا للاستمرارية والمادة التنظيرية لفهم سياقاتها الاجتماعية والفكرية.
 
ثنائية جديدة
 
لعبت عوامل كثيرة في ضمور إمكانيات الثورة. بعد انهيار تجربة الاتحاد السوفيتي المثقل بالبيروقراطية الحزبية تأتي هجمات 11سبتمبر 2001 في مقدمة الأحداث، إذ كرس هذا الحدث لثنائية تخدم مشروع الإمبراطورية الأميركية، فبدلا من اليسار واليمين أو الثوري والتقليدي أو الطليعي والرجعي راجت في الأدبيات العالمية مفاهيم الحضارة والإرهاب، فكل من يقف بوجه متطلبات السوق الأميركية يصنف في لائحة الإرهابي والهمجي والعجوز، وهذا ما انعكس على المستوى الثقافي إذ ظهر المثقف الريعي الذي يكون دوره محدودا بالمناسبات التي تنظمها المؤسسة الرسمية ويخدم الخطاب السائد الذي قد يكون أداة للتجهيل.
 
إذا لم يعد هناك ما يسمى سابقا بالمثقف الرسالي بل لا يستوفي لمتطلبات السوق غير المثقف الدعائي الذي يهمه تسجيل الحضور حتى ولو على مائدة الشيطان. لذلك فإنّ كل ما يقوله وينشره بشأن المعرفة وحماية قيمة التفكير يذهب جفاء لأنه يلغي نفسه بالانجراف إلى مطب التناقضات. جلده يتغير حسب المنتديات التي يحل بها ضيفا. لا يصعب عليه الجمع بين العمامة والقبعة والغترة في آن واحد.
 
أكثر من ذلك فإنّ المتخيل لم يعد مكونا متأصلا في طبيعة الإنسان المعاصر، لأنّه أصبح تابعا للنظام الشبكي. ومن المعلوم أنّ الوسيط الرقمي على الرغم من فوائده المتعددة لكن طرائق استخدامه تزكي لهيب الغرائز والاستهلاك والفرجة والجنس، ومن المعروف أنّ الغريزة الجنسية تعتبر ترسانة ضغط على الفرد ولا يوجد ما يستوعب اندفاعاتها أكثر من المواقع الإباحية، لذلك يقول كل من مارك دوغان وكريستوف لابي إنّ الإباحية السائلة نزعت ميولات التمرد لدى الإنسان. وما تجربه العقول المنشئة لتلك المواقع تثبت من جديد نظرية الشرطية لبافلوف.
 
وقديما قال الحكيم الصيني كونفوشيوس "لم أصادفْ شخصا يحب الحكمة كما يحب الجنس". والحال هذه ما عليك إلا الاعتراف بأنّ للثورة زمنا قد انتهى كما للنبوة، ومن يطالب بالثورة في هذا العصر تنقصه الحكمة وما أن يمرّ الوقت حتى تراه في صورة المهرج.
 
بالعودة إلى انتفاضة مايو المدوية تقول صاحبة "شغف بسيط" بأنّ الصحافيين والمؤرخين قد تذكروا ما صرح به بيير فيانسون –بونتي بضعة أشهر قبل انطلاقة الحراك الطلابي "فرنسا تشعر بالضجر"، وتفرض استعادة هذه الجملة سؤالا لماذا لا ينتج من الضجر سوى مزيد من الضجر في العالم اليوم؟ّ
 
يعبر ألبير كامو على لسان شخصياته في مسرحية "العادلون" عن كراهيته للثوار الذين ليس لهم الدافع للثورة سوى الشعور بالسأم، لربما لو أدرك الأيام هذه ما أثار كراهيته أكثر ليس الثورة الناجمة عن السأم، بل صورة العالم الذي كأنّه ولد دفعة واحدة بهذا الشكل.
 
 
المصدر: العرب اللندنية