مخاض معقد في سوريا حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي
العرب اللندنية
الثلاثاء 28 تموز 2026
بينما ترى الحكومة السورية في التعميم رقم 26 خطوة توازن بين مكافحة الجرائم الرقمية الحقيقية وحماية الحريات، يعتبره المدافعون عن الحقوق مسكناً مؤقتاً لا يعالج المواد الفضفاضة الموروثة التي لا تزال تُستخدم لملاحقة النقد السلمي. ويعكس هذا الخلاف تحديات المرحلة الانتقالية في سوريا، حيث ينتظر الرأي العام والمجتمع الدولي تعديلاً تشريعياً جذرياً يحمي حرية الرأي دون إغفال الأمن الرقمي.
تشهد الساحة القانونية والحقوقية في سوريا مخاضاً معقداً يتعلق بحدود حرية التعبير والفضاء الرقمي. فبينما تسعى وزارة العدل إلى إرساء معايير إجرائية جديدة من خلال التعميم رقم 26 الصادر في يونيو 2026، ترى منظمات حقوقية دولية مثل أمنستي أن هذه الجهود تبقى قاصرة عن مواجهة الإرث التشريعي المقيد للحريات، الذي يعود جذوره إلى عهد النظام السابق. يأتي هذا النقاش في سياق انتقالي حساس، حيث يواجه السوريون تحدي بناء دولة قانون تحمي الحريات دون أن تفتح الباب أمام الفوضى أو الجرائم الرقمية الحقيقية.
ويعود قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 إلى فترة حكم بشار الأسد، حيث أصدره في 18 أبريل 2022 ليحل محل المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012. كان الهدف المعلن مكافحة الجرائم الإلكترونية الناشئة مع انتشار التقنية، مثل الاحتيال والابتزاز والاختراق، وحماية المصالح العامة. إلا أن النص تضمن مواد فضفاضة مثل “النيل من هيبة الدولة” و”النيل من مكانتها المالية” و”نشر أخبار كاذبة”، بالإضافة إلى عقوبات تصل إلى 15 سنة سجنا وغرامات مالية كبيرة. انتقدت منظمات مثل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير والشبكة السورية لحقوق الإنسان هذا القانون لأنه يتعارض مع معايير حرية التعبير الدولية، ويُستخدم لقمع النقد السلمي.
وبعد سقوط النظام السابق، استمر العمل بهذا القانون بموجب مبدأ استمرارية التشريعات حتى تعديلها، كما نص الإعلان الدستوري لعام 2025. ومع ذلك، شهدت الفترة الأولى من عام 2026 حالات احتجاز لناشطين وصحفيين بموجبه، مما أثار جدلاً واسعاً. ومن أبرز هذه الحالات اعتقال الفنان والمخرج حسان عقاد في يونيو 2026 على خلفية حملته “هاتوا الفلوس” التي طالبت بمحاسبة مسؤولين ورجال أعمال عن تعهدات تبرعات سابقة.
◄ بناء دولة القانون لا يقتصر على تعميمات إجرائية، بل يحتاج إلى ثقافة مؤسسية جديدة تحترم حرية التعبير كركيزة للديمقراطية
وأدى الضغط الشعبي إلى إطلاق سراحه لاحقاً، لكن الحادثة سلطت الضوء على استمرار استخدام مواد القانون في قضايا تعبيرية.
وأصدرت وزارة العدل التعميم رقم 26 في 29 يونيو 2026، وشرحه المحامي العام في دمشق القاضي حسام خطاب يوم السبت في مقطع فيديو تداوله سوريون بكثافة على مواقع التواصل. ولا يعدل هذا التعميم مواد القانون الأساسية، بل يرسم سياسة إجرائية جديدة للشرطة والقضاء تهدف إلى ترشيد الإجراءات ومنع التعسف. ويركز على حصر دور فرع مكافحة الجرائم الإلكترونية في القضايا الفنية الخطيرة مثل التجسس والاختراق والابتزاز والجرائم مجهولة الهوية. أما قضايا التعبير مثل القدح والذم الإلكتروني من أشخاص معلومي الهوية فتُحال مباشرة إلى المحاكم دون تحقيق أمني مسبق.
كما يقيد التعميم الاحتجاز وإصدار مذكرات إذاعة البحث، محصراً إياها بقرار قضائي خطي من النيابة العامة، ويشدد على استثنائية التوقيف الاحتياطي الذي لا يلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى مع أدلة رقمية واضحة. وأضاف التعميم تشكيل لجان قضائية فورية لمراجعة وإلغاء إذاعات البحث السابقة غير المستندة إلى ضوابط سليمة.
وأكد وزير العدل مظهر الويس أن التعميم ينسجم مع الإعلان الدستوري ويعزز صون الحريات. وأشار الوزير إلى استمرار دراسة القانون لتعديله بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع والحقوق.
كما انتشرت تغريدات عديدة مثل تلك للصحفي أيمن الحداد التي وصفت التعميم بـ”خطوة غير مسبوقة لتعزيز الحريات”، مع تفاصيل الضوابط الجديدة.
ورداً على ذلك، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً في يوليو 2026 طالبت فيه بتعليق فوري وكامل للعمل بالقانون رقم 20، وإدخال تعديلات جوهرية. ووثقت المنظمة احتجاز خمسة صحفيين وناشطين في النصف الأول من 2026 بسبب تعبيرهم السلمي، مشيرة إلى استمرار استخدام مواد فضفاضة. وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي، إن التعميمات الإجرائية مسكن لا يعالج الجوهر، لأنها لا تلغي الصفة الجرمية عن أفعال محمية بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأكدت المنظمة على ضرورة التعليق والتعديل ليتوافق مع الالتزامات الدولية، مشيرة إلى أن السلطات لا تزال تستخدمه لتقييد حرية التعبير رغم المراجعة.
ويكشف التنازع بين التعميم الحكومي وبيان أمنستي عن أزمة أعمق في مرحلة العدالة الانتقالية. من جانب الحكومة، يُنظر إلى التعميم كخطوة واقعية مؤقتة تحمي الأمن الرقمي وتمنع التعسف الشرطي في مواجهة جرائم حقيقية مثل الاحتيال والابتزاز اللذين تفشيا في الفضاء الرقمي. أما الجانب الحقوقي فيراه مسكناً إجرائياً لا يمس جوهر النصوص العقابية الفضفاضة التي مورست بها انتهاكات سابقاً.
ويخشى المسؤولون من فراغ قانوني يسمح بانتشار الجرائم الرقمية، بينما يصر المدافعون عن الحريات على أن الوعود الدستورية لعام 2025 تتطلب إلغاء سريعا للمواد المقيدة واستبدالها بتشريعات حديثة تضمن المساءلة والنقد السلمي. يبرز هنا دور البرلمان الجديد في مراجعة شاملة، مع أهمية لجان مشتركة تضم قضاة ومحامين وناشطين حقوقيين لصياغة توازن يحمي كرامة الأفراد والمجتمع.
ورغم أن التعميم رقم 26 يمثل خطوة إيجابية نحو الحد من التوقيف الكيفي والتقارير الكيدية، ويغلق بعض الأبواب أمام سلطة قوى الأمن السابقة، إلا أن المحك الحقيقي يكمن في سرعة استجابة المؤسسات التشريعية لإلغاء أو تعديل المواد المشكلة بالكامل. يتطلب ذلك حواراً وطنياً شاملاً يجمع مختلف الأطراف، مع الاستفادة من تجارب دول انتقالية أخرى نجحت في موازنة الأمن والحرية.