العلمانية
هل كانت الآرامية فعلا لغة الديانات الثلاث

حميد عقبي

الخميس 23 تموز 2026

صدر كتاب “التاريخ الثقافي للآرامية: من البدايات حتى ظهور الإسلام” للباحث الألماني هولغر غزيلا عن دار بريل، في لحظة أكاديمية كانت تشهد تحوّلات ملحوظة في دراسات اللغات القديمة، خاصة في حقل اللغات السامية. فقد تزايد الاعتماد على الأدلة المادية مثل النقوش والمخطوطات، بدل الاقتصار على السرديات النصية التقليدية. كما ترافقت هذه المرحلة مع اكتشافات جديدة، مثل نصوص قمران، وإعادة قراءة النقوش الآرامية في سوريا والعراق، كل هذا شجع الباحثين ودفعهم إلى إعادة النظر في تاريخ هذه اللغة كظاهرة ديناميكية وليست نظامًا جامدًا.
 
ومن هذا المنطلق، نجد أن كتاب غزيلا يقدّم محاولة مهمة لكتابة “تاريخ ثقافي” للآرامية، وهو لم يكتف بالوصف اللغوي، لكننا سنجده يربط اللغة بالبنية الاجتماعية والسياسية والدينية التي أنتجتها. وهذا التوجه يعكس تطور وانتقال الدراسات من “فقه اللغة” التقليدي إلى “تاريخ اللغة في سياقها الثقافي”.
 
سبع مراحل
دراسة موسعة لمسار اللغة الآرامية عبر ما يقارب ثلاثة آلاف عام، مع تركيز على النصف الأول من هذا التاريخ حتى بدايات الإسلام
 
قدّم الكتاب دراسة موسعة لمسار اللغة الآرامية عبر ما يقارب ثلاثة آلاف عام، مع تركيز على النصف الأول من هذا التاريخ حتى بدايات الإسلام. ويبدو أن هدف الكتاب هو تتبّع تطوّر الآرامية كنظام لغوي مدهش، ولكن الأكثر أهمية أنها كانت ظاهرة ثقافية مؤثرة ارتبطت بالتحولات السياسية والدينية والاجتماعية في الشرق الأدنى القديم.
 
إذن فالآرامية لم تكن فقط لغة، لكنها شكلت شبكة لغوية – ثقافية امتدت لقرون طويلة، وتحوّلت عبر الزمن من لهجات محلية إلى لغة إمبراطورية، ثم إلى لغات دينية وأدبية متعددة.
 
يعرض غزيلا مسار الآرامية عبر مراحل كبرى بداية بالنشأة والتكوّن المبكر:
 
إذ يبيّن أن الآرامية ظهرت في سياق تعددي داخل الهلال الخصيب، حيث لم تكن لغة موحّدة بل مجموعة لهجات متجاورة، ولم يظهر اسم “الآراميين” إلا في النصوص الآشورية. هنا تتضح منذ البداية فكرة التعدد وليس الأصل الواحد.
 
ثم تأتي مرحلة الانتشار الإمبراطوري: فمع الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، تحوّلت الآرامية إلى لغة تواصل واسعة، ثم بلغت ذروتها في العصر الأخميني كلغة إدارية رسمية. تلك اللحظة مثلت أول “عولمة لغوية” في الشرق القديم.
 
أما مرحلة الآرامية الرسمية (الأخمينية) فيبرز كيف صاغت الدولة الأخمينية نموذجًا لغويًا شبه موحّد، لكنه لم يقضِ على التنوع، حيث ازدهرت وتعايشت عدة لغات.
 
وفي المرحلة الهلنستية والرومانية دخلت الآرامية في علاقة مع اليونانية والعبرية، وظهرت بيئة متعددة اللغات، حيث توزعت الوظائف بين اللغات: الآرامية للحياة اليومية، اليونانية للإدارة والثقافة، والعبرية للنصوص الدينية.
 
ويشرح الكتاب مرحلة تعدد اللهجات الإقليمية موضحا وجود لهجات كثيرة مثل النبطية والتدمرية والسريانية المبكرة، مبرزًا أن كل لهجة كانت تعكس سياقًا اجتماعيًا خاصًا.
 
ويكشف توزع الآرامية الغربية في العصر البيزنطي بين تقاليد يهودية وسامرية ومسيحية، وهذا يكشف لنا عملية تحول اللغة إلى حامل لهوية دينية.
 
وكانت للآرامية الشرقية تقاليد كبرى مثل السريانية الكلاسيكية والآرامية البابلية، حيث بلغ مجد هذه اللغة ذروته الأدبية، خاصة في التلمود والأدب المسيحي.
 
أهم الإضافات والاستنتاجات
 
 
 
 
يقدّم الكتاب مجموعة من النتائج المهمة التي يمكن للقارئ والباحث أن يخرج بها: أولا رفض فكرة الأصل الواحد: الآرامية ليست لغة واحدة بل طيف من اللهجات. ثم اللغة كنتاج سياسي؛ حيث أن انتشار الآرامية ارتبط بقوة الإمبراطوريات وليس بخصائصها الداخلية فقط. كما يبيّن أن التعدد اللغوي هو القاعدة، أي لم تكن الآرامية يومًا لغة وحيدة، فقد عاشت دائمًا في تفاعل مع لغات أخرى.
 
ويشدد على وجود فروق بين اللغة المكتوبة والمنطوقة فالنصوص قد لا تعكس دائمًا الواقع اللغوي بدقة. ويوضح أن الدين كان عاملا لغويا وقد تحوّلت الآرامية إلى لغات دينية متعددة (يهودية، مسيحية، مندائية). كما ظهرت مرونة كبيرة بين حدود اللهجات: فلا يمكن القول بوجد خط فاصل حاد بين الآرامية الشرقية والغربية.
 
وتوجد، وفقا للكتاب، أهمية كبرى للنقوش، حيث أنها تقدم المشهد فقد كانت اللغة الآرامية حية نشطة، نلمس ذلك من خلال المقارنة بين النصوص الأدبية.
 
وقدّم المؤلف رؤية شاملة للآرامية فهي كما يرى كانت لغة مرنة استطاعت التكيّف مع سياقات مختلفة، من لغة قبائل إلى لغة إمبراطورية، ثم إلى لغات دينية وأدبية متعددة. ويؤكد أن تاريخها لا يمكن فهمه إلا من خلال الجمع بين التحليل اللغوي والدراسة التاريخية والثقافية.
 
اعتمد غزيلا على منهج تاريخي – لغوي مركب، يجمع بين: تحليل النقوش والبرديات، دراسة البنية النحوية والصرفية، الربط بين اللغة والسياق السياسي، مقارنة اللهجات عبر الزمن.
 
لكن هناك بعض المراجعات النقدية (كما في مقال موسع نشره إدوارد ليبينسكي من الجامعة الكاثوليكية في لوفان – بروكسل) وأشار إلى بعض الملاحظات، منها: إهمال بعض المقارنات المهمة، خاصة مع العربية والأكادية، التركيز على النصوص المكتوبة دون إبداء اهتمام كافٍ باللغة المنطوقة، بعض التعميمات الزمنية، خاصة في نصوص قمران. ومع ذلك تبقى منهجيته متماسكة ومبنية على معرفة عميقة بالمادة اللغوية.
 
ولقد حظي الكتاب بتقدير واسع في الأوساط الأكاديمية، خاصة لقدرته على الجمع بين التوسع والوضوح. وقد اعتُبر مرجعًا مهمًا في دراسات الآرامية، لأنه يقدّم صورة متكاملة بدل الدراسات الجزئية.
 
لكن بعض النقاد أشاروا إلى: كثافة المادة اللغوية التي قد تجعل القراءة صعبة على غير المتخصصين، وغياب التحليل العميق لبعض القضايا الخلافية، كما اعتمد الباحث على المقاربة اللغوية كثيرًا مقارنة بالتحليل الثقافي رغم عنوان الكتاب. ومع ذلك، يبقى التقييم العام إيجابيًا، ويُنظر إليه كعمل تأسيسي حديث موسوعي ومتميز.
 
لغة تتجاوز شعبها
 
 
هل كانت الآرامية تسمية لغوية أم هوية قومية؟ وهل سجل التاريخ ظهور شعب آرامي؟
 
تُظهر قراءة كتاب “التاريخ الثقافي للآرامية” للباحث هولغر غزيلا أن الآرامية، منذ بداياتها، لم تكن كيانًا قوميًا متماسكًا لكنها كانت تسمية لغوية مرنة ونشطة جدًا نشأت داخل فضاء متعدّد الشعوب. فالآراميون، كما تكشف النصوص الآشورية، وُجدوا فعلًا وكانت أصولهم جماعات قبلية منتشرة في بلاد الشام وبلاد الرافدين، وأسّسوا كيانات سياسية مثل آرام دمشق، لكنهم لم يشكّلوا يومًا “أمة” موحّدة بالمعنى الحديث، كونهم ظلوا شبكات بشرية متفرقة ربطتها اللغة ولم يجمعها مشروع سياسي موحد مستمر أو هوية صلبة.
 
وسنجد أن المفارقة التي يضيئها غزيلا في هذا الكتاب هي أن اللغة التي خرجت من إطار جماعات محدودة سرعان ما انفصلت عن حامليها الأوائل، لتتحوّل بعد ذلك إلى أداة تواصل عابرة للهويات، ومع صعود الإمبراطوريات الآشورية ثم الفارسية، لم تعد الآرامية لغة “الآراميين” فقط، كونها أصبحت لغة الإدارة والتجارة والدبلوماسية، يتبنّاها بابليون ويهود وأنباط وغيرهم دون أن يتحوّلوا إلى آراميين.
 
وبحسب غزيلا فإن الهوية القبلية تلاشت تدريجيًا، بينما استمرّت اللغة في التطور واتسعت جغرافيتها. إذن نفهم من كل هذا أن الانفصال بين اللغة والعرق هو الذي يجعل البحث عن “قومية آرامية” بالمعنى الحديث سؤالًا مضلّلًا؛ فالآرامية لم تُلغِ وجود الآراميين، لكنها تجاوزتهم تاريخيًا. أي إنها كانت حالة نادرة للغة نجحت لأنها لم تبقَ حبيسة شعبها.
 
ومن هنا يمكن فهمها بكونها “لغة مشتركة” أكثر من كونها هوية مغلقة، فقد بدأت كلغة جماعة، ثم تحوّلت إلى لغة جماعات، قبل أن تصبح لاحقًا حاملة لتقاليد دينية وثقافية متعددة. بهذا المعنى لم تختف الآرامية حين اختفى الآراميون، لكنها بدأت منذ ذلك الزمن رحلتها الحضارية الفعلية الواسعة.
 
يقدّم لنا هذا الكتاب رؤية موسعة لتاريخ الآرامية، لكنه أيضًا يفتح أبوابًا بحثية واسعة وما تزال تثير الكثير من القضايا والأسئلة. فاللغة، كما يبيّن، ليست كيانًا ثابتًا، بل عملية تاريخية مستمرة تتطور وقد تضعف أيضًا. ورغم الجهد الكبير الذي بذله الباحث، تبقى عدة قضايا تحتاج إلى مزيد من البحث، مثل العلاقة بين اللهجات المنطوقة والنصوص المكتوبة، وحدود التداخل بين اللغات السامية، وتأثير التحولات السياسية في تشكيل اللغة.
 
لغة الديانات الثلاث
 
 
"التاريخ الثقافي للآرامية" هو دراسة عن كيفية تشكّل الثقافة عبر اللغة، وكيف تتحوّل اللغة إلى مرآة للثراء الروحي الإنساني وليس فقط لسرد وتوثيق التاريخ
 
هناك سؤال هام شائع جدًا: هل الآرامية هي “لغة الديانات الثلاث”؟ ويبدو أن السؤال جذاب في بساطته، لكنه يحتاج إلى تفكيك علمي دقيق، خاصة في ضوء ما يقدّمه هذا الكتاب للباحث الألماني هولغر غزيلا، والذي يرفض مثل هذه التعميمات المختزِلة.
 
يكشف لنا في كتابه أن الآرامية لم تكن لغة واحدة ثابتة، بل عائلة واسعة من اللهجات والتقاليد اللغوية التي امتدت عبر قرون طويلة، ثم تحوّلت من لغة قبائل إلى لغة إمبراطوريات، ثم إلى لغات دينية وأدبية متعددة. هذا وحده جعل البعض يصفها بـ”لغة الديانات الثلاث” وهذا تبسيط مخل، كوننا لا نتحدث عن كيان لغوي واحد، لكن عن شبكة لغوية متحولة وديناميكية.
 
في اليهودية، لعبت الآرامية دورًا مهمًا، لكنها لم تكن اللغة الوحيدة أو الأصلية. فالنصوص الأساسية، مثل التوراة، كُتبت بالعبرية كما نعرفُ جميعًا، ولكن هناك مقاطع آرامية محدودة في سفري دانيال وعزرا. ثم نشطت الآرامية لاحقًا وأصبحت لغة التفسير والشرح، كما في التراجيم، ولغة النقاش الديني في التلمود البابلي. هنا ظهرت الآرامية كلغة “وظيفية” داخل التقليد اليهودي، لا بصفتها لغة تأسيسية.
 
أما في المسيحية، فالصورة أكثر تعقيدًا. من المرجّح أن يسوع تحدث إحدى اللهجات الآرامية الغربية، لكن النصوص المؤسسة للمسيحية، أي الأناجيل، كُتبت باليونانية. ثم بعد ذلك ظهرت السريانية كلغة أدبية مسيحية، خاصة في الشرق، وشكّلت تقاليد ثرية جدًا. ولكن يجب أن ننتبه أيضًا إلى أن المسيحية لم تكن مرتبطة بالآرامية وحدها، وأنها انتشرت بلغات متعددة منذ بداياتها.
 
أما في الإسلام، فالآرامية لم تحتل موقعًا مركزيًا، فلقد نزل القرآن بالعربية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أثر الآرامية في البيئة اللغوية التي ظهر فيها الإسلام، حيث كانت جزءًا مهمًا من المشهد اللغوي في بلاد الشام والعراق. بعض المفردات والتعابير قد عكست هذا التداخل، لكن هذا لا يجعل الآرامية لغة دينية في الإسلام.
 
ويوضح غزيلا في هذا الكتاب أن الآرامية كانت، قبل كل شيء، لغة تواصل واسعة في الشرق الأدنى، خاصة في العصور الإمبراطورية. هذا الانتشار جعلها تدخل في تقاليد دينية متعددة، لكنها لم تكن يومًا “لغة موحِّدة” لهذه الديانات. بل إن كل دين أعاد توظيفها وفق احتياجاته وسياقاته.
 
الأهم من ذلك أن العلاقة بين اللغة والدين ليست علاقة ثابتة أو حتمية. فاللغة يمكن أن تكون أداة تعبير، أو وسيلة تفسير، أو حتى لغة طقسية، لكنها لا تختزل الدين ولا تحدده. وهذا ما نراه بوضوح في حالة الآرامية: فهي حاضرة في اليهودية والمسيحية بدرجات مختلفة، وغائبة نسبيًا في الإسلام، ومع ذلك تبقى جزءًا من التاريخ الثقافي المشترك للمنطقة.
 
إذن، هل الآرامية لغة الديانات الثلاث؟ الجواب الأدق: لا، لكنها كانت إحدى اللغات التي عبرت من خلالها بعض هذه الديانات في مراحل معينة من تاريخها. لقد كانت إذن لغة تقاطع، وليس لغة أصل.
 
إذن، فإن وصف الآرامية بأنها “لغة الديانات الثلاث” يعكس رغبة في التبسيط ولكن لا يؤسس حقيقة تاريخية صحيحة، كون القراءة العلمية، كما يقدّمها غزيلا، تدفعنا إلى رؤية أكثر تعقيدًا، ولقد أكد كثيرًا أن الآرامية لغة متعددة، عاشت في قلب تاريخ ديني وثقافي متشابك، ويصعب أن يزعم أي شخص بأنه يمتلك الحقيقة كاملة ويختزلها في تعريف واحد أو أنه عرف كل تاريخها.
 
ملاحظات ستيف كوفمان
 
توزع الآرامية الغربية في العصر البيزنطي بين تقاليد يهودية وسامرية ومسيحية، وهذا يكشف لنا عملية تحول اللغة إلى حامل لهوية دينية
 
قبل أن نختم هذا الموضوع نضيف ملاحظات الباحث الأميركي ستيف كوفمان، وهذه الملاحظات تحمل بُعدًا نقديًا مهمًا لقراءة كتاب هولغر غزيلا، فهي تكشف عن فجوة بين طموح العنوان ومحتوى العمل ويشرح رأيه بأن الكتاب يُقدَّم بكونه “تاريخًا ثقافيًا للآرامية” ولكنه في جوهره دراسة لغوية تقنية أكثر من كونه تحليلًا ثقافيًا متكاملًا، حيث غابت بعض الأسئلة المركزية عن طبيعة المجتمعات التي حملت هذه اللغة، وعلاقاتها السياسية والدينية، لصالح تتبّع تطور اللغة في ذاتها.
 
ويأخذ كوفمان على المؤلف اعتماده المفرط على أعماله السابقة وأعمال أستاذه كلاوس باير، مع تقديم بعض الآراء الخاصة وكأنها تمثّل إجماعًا علميًا، دون عرض كافٍ للأدلة أو النقاشات البديلة.
 
كما انتقد الأسلوب المطوّل والمتكرر، واعتبر ذلك أقرب إلى ملاحظات محاضرات، مع شروحات نحوية معقدة تم عرضها نثريًا بدل تقديمها بشكل منهجي واضح، مما يصعّب على غير المتخصصين متابعة التحليل وفهمه بشكل جيد. ومن أبرز ملاحظاته أيضًا تركيز غزيلا الكبير على دور الآرامية الأخمينية واعتباره أنها كانت عاملًا حاسمًا في تطور اللهجات، على حساب تحليل التحولات اللغوية الدقيقة، وهذا خلق بعض التعميمات الواسعة التي افتقرت أحيانًا إلى التحديد الزمني والجغرافي.
 
كذلك أشار إلى وجود بعض الخلل في توازن الكتاب، حيث حظيت المراحل المبكرة بتحليل مفصل، بينما تم اختزال الفترات اللاحقة رغم غناها النصي. ورغم هذه الملاحظات فإن ستيف كوفمان لا ينفي قيمة هذا العمل، بل يقرّ بغناه المعرفي، ويؤكد أن إحدى أهم أفكاره الإقرار باستمرار التعدد اللهجي للآرامية عبر العصور. هكذا، تُظهر هذه المراجعة أن أي كتاب مهما بلغت أهميته، فإنه يحتاج إلى قراءة نقدية واعية تُعدد مميّزاته العلمية الثرية وكذلك تتعرض للإشكالات اللمنهجية فلا أحد يزعم بأنه يمتلك المعرفة كلها.
 
إن أهمية هذا الكتاب إذن لا تكمن فقط في ما يقدّمه من معرفة، بل في الأسئلة التي يثيرها. فهو يدعونا إلى إعادة التفكير في تاريخ اللغات بكونها تاريخًا للإنسان نفسه، في تنقله، وصراعاته، وتفاعلاته الثقافية.
 
وفي النهاية، يمكن القول إن “التاريخ الثقافي للآرامية” هو دراسة عن كيفية تشكّل الثقافة عبر اللغة، وكيف تتحوّل اللغة إلى مرآة للثراء الروحي الإنساني وليس فقط لسرد وتوثيق التاريخ.
 
وجدير بالذكر أن هولغر غزيلا باحث ألماني متخصص في اللغات السامية، يعمل أستاذًا في جامعة ليدن. وهو واحد من المختصين في الآرامية وتاريخها، وله أعمال عديدة في اللغويات السامية.
 
 
المصدر: العرب اللندنية