العلمانية
بين الاندماج والحفاظ على الهوية... الكنيسة المارونية تراهن على الأجيال الجديدة في كندا

باسكال أبو نادر

الثلاثاء 21 تموز 2026

تُعدّ ​كندا​ من أبرز محطات ​الانتشار اللبناني​، إذ استقبلت على مدى عقود عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين نجحوا في بناء حضور لافت في مختلف المجالات الاقتصادية والمهنية والسياسية. ومع تعاقب أجيال الهجرة، لم يعد التحدي يقتصر على تحقيق الاستقرار والنجاح، بل بات يتمثل في كيفية المحافظة على ​الهوية اللبنانية​ و​اللغة العربية​ والانتماء الكنسي لدى أبناء الجيلَين الثاني والثالث الذين وُلدوا ونشأوا في المجتمع الكندي.
 
وبحسب معنيين بشؤون ​الجالية اللبنانية​ في كندا، فإن المجتمع الكندي القائم على التعددية الثقافية يمنح أبناء الجاليات مساحة واسعة للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، إلا أن ذلك يستلزم جهوداً متواصلة من العائلة والمؤسسات الدينية والاجتماعية لمنع ذوبان الأجيال الجديدة في مجتمع يختلف بلغته وثقافته عن البيئة التي جاء منها آباؤهم وأجدادهم.
 
وفي هذا الإطار، يؤكد راعي أبرشية مار مارون المارونية في كندا ​المطران مارون تابت​ في حديث إلى "النشرة" أن اللبنانيين في كندا لا يزالون يحملون وطنهم معهم أينما ذهبوا، مشيراً إلى أن الغالبية لا تزال من أبناء الجيل الأول الذين يعيشون تفاصيل ما يجري في لبنان يومياً.
 
ويقول: "معظم اللبنانيين الموجودين في كندا يعيشون على إيقاع لبنان ويتابعون أخباره ويتأثرون بكل ما يمر به، لأن ارتباطهم بوطنهم لم ينقطع حتى وإن استقروا في بلد وفّر لهم الأمان والاستقرار".
 
ويشرح المطران تابت أن الهجرة اللبنانية إلى كندا مرّت بمراحل متعددة: منهم من جاء بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل، ومنهم من قصدها للدراسة ثم اختار البقاء، ومنهم من اضطر إلى الهجرة بسبب الحروب والأزمات التي عصفت بلبنان خلال العقود الماضية. ويضيف أن هذه الموجات المتعاقبة أسهمت في تكوين جالية متماسكة ومتنوعة نجحت في إثبات حضورها داخل المجتمع الكندي.
 
ويشير إلى أن اللبنانيين وجدوا في كندا دولة تحترم الإنسان وتؤمّن له فرص العمل والتعليم والاستقرار، إلا أن ذلك لا يُلغي التحديات اليومية التي تواجه العائلات، سواء لجهة ارتفاع كلفة المعيشة أو طبيعة الحياة التي تفرض على الزوجَين العمل لساعات طويلة، وهو ما يُقلّص أحياناً الوقت المخصص لتنشئة الأبناء وربطهم بلغتهم وثقافتهم.
 
ويرى المطران تابت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاندماج بل في الحفاظ على الهوية، موضحاً: "نحن نشجع أبناءنا على الاندماج الكامل في المجتمع الكندي والمشاركة في مؤسساته، لكننا لا نقبل أن يتحول الاندماج إلى انصهار يُفقد الإنسان جذوره وقيمه. يستطيع اللبناني أن يكون مواطناً صالحاً في كندا وفي الوقت نفسه يبقى فخوراً بأصوله وتراثه."
 
ويضيف أن ​الكنيسة المارونية​ أدركت منذ سنوات أن دورها لم يعد يقتصر على الاحتفال بالقداسات والأسرار، بل أصبح يتعداه إلى مواكبة العائلات في مختلف مراحل حياتها من خلال برامج تربوية وثقافية واجتماعية تستهدف الأطفال والشباب، ويقول: "إذا أردنا أن نحافظ على هويتنا فلا يكفي أن نتحدث عنها، بل يجب أن نعيشها يومياً. لذلك نستثمر في الأطفال والشباب لأنهم مستقبل الجالية ومستقبل الكنيسة."
 
وفي هذا السياق، تُولي الأبرشية اهتماماً خاصاً ب​الحركة الكشفية​ التي يعتبرها المطران تابت مدرسةً حقيقية لتنشئة الأجيال الجديدة، موضحاً أنها لا تقتصر على النشاطات الترفيهية بل تزرع في نفوس الأطفال قيم المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي والخدمة. كما تعمل الأبرشية على دعم مدارس تعليم اللغة العربية وتشجيع النشاطات الثقافية والفنية، وفي مقدمتها فرق الدبكة اللبنانية، بوصفها وسائل عملية لتعريف الأبناء بتراثهم وربطهم ببلدهم الأم.
 
ويشدد المطران تابت على أن اللغة العربية تُشكّل عنصراً أساسياً في الحفاظ على الهوية، لأنها تفتح الباب أمام الأجيال الجديدة لفهم تاريخها والتواصل مع عائلاتها في لبنان، معتبراً أن فقدانها يعني خسارة جزء أساسي من الذاكرة والانتماء.
 
ولا يُغفل المطران تابت دور العائلة في هذه المهمة، مؤكداً أن المنزل يبقى المدرسة الأولى، ويقول: "مهما بذلت الكنيسة من جهود يبقى الدور الأساسي للأهل. عندما يتحدث الوالدان مع أولادهما بالعربية ويُعرّفانهم إلى ​تاريخ لبنان​ ويُشجّعانهم على زيارته، فإنهما يزرعان فيهم حب الوطن والانتماء إليه."
 
وتُنظّم الأبرشية أيضاً مؤتمرات ولقاءات شبابية تجمع أبناء الرعايا من مختلف المناطق الكندية، بهدف تعزيز التواصل بينهم وترسيخ القيم الروحية والوطنية وإبقاء لبنان حاضراً في وجدانهم رغم بُعد المسافات.
 
ويؤكد المطران تابت أن الجالية اللبنانية أثبتت خلال السنوات الماضية تمسكها بوطنها، سواء من خلال المبادرات الإنسانية أو دعم العائلات والمؤسسات اللبنانية في أوقات الأزمات، معتبراً أن الانتشار سيبقى ركيزةً أساسية في مساندة لبنان.
 
ويختم برسالة إلى أبناء الانتشار: "أنتم سفراء لبنان في العالم. نجاحكم نجاحٌ لوطنكم، لكن هذا النجاح يكتمل حين تحافظون على إيمانكم وقيمكم وهويتكم وتنقلونها إلى أولادكم، لأن لبنان لا يعيش فقط داخل حدوده بل في قلوب أبنائه المنتشرين في أنحاء العالم كافة."
 
وبين نجاح اللبنانيين في الاندماج داخل المجتمع الكندي وحرصهم على صون هويتهم الوطنية والثقافية، تبدو تجربة الانتشار اللبناني نموذجاً يجمع بين الانفتاح والتمسك بالجذور، فيما تواصل الكنيسة والعائلات العمل لضمان انتقال هذا الإرث إلى الأجيال المقبلة حتى يبقى لبنان حاضراً في ذاكرة أبنائه مهما ابتعدت بهم المسافات.
 
المصدر: النشرة