الماركسية والنهضة العربية.. أسئلة التحديث بين الفكر والواقع
كه يلان محمد
الأربعاء 15 تموز 2026
تحديد فاعلية الأفكار على المستوى الواقعي لا يكونُ إلا بالعودة إلى التاريخ الذي نضجت فيه مُفرداتها واحتضن ديناميتها في مراحل مُختلفة، ومن المعلوم أنَّ دراسة الفكر في نسخته التنظيرية لا تفيدُ المسعى الاكتشافي لطبيعته وما يمكنُ تقديمه لفهم روح العصر والأزمنة التي تتعاقب على المناخ الحضارى.
من نافلة القول بأنَّ المجتمعات الشرقية كانت تغطُ في الركود والاجترار حين خرجَ الغربُ من العصورِ المُظلمة وشرّع الأبواب على مصراعيها بوجه زمن التنوير والفتوحات الفكرية والعلمية والفلسفية، وبذلك أنجبت تربته الحضارية عقولاً فاعلة لا يشبعُ نهمها من مُقارعة المُسلمات والارتياد نحو جغرافيا فكرية جديدة. إذ أصبحَ الواقع بتكويناته المتعددة على مرمى حفريات فلسفية وعلمية. وبالطبع ليس كلُ ما نشأ في الغرب من الأفكار والتيارات الفلسفية كان له ارتداد متساوٍ في المجتمعات الواقعة على هامش المركز.
لاشك أنَّ بداية التواصل مع الغرب كانت صادمة، إذ تفاجأت المجتمعات البعيدة عن الحداثة بالحملات العسكرية، والتحدي لم يكن في عدم التكافؤ على مستوى التقنيات العسكرية فحسب، بل تمثل بوجه صارخٍ في موجة الأفكار التي رافقت القوة الخشنة وهي التي وضعت كثيراً من الثوابت والمُسلمات على المحك. وبالتالي تبين التفاوت القائم بين الحضارتين؛ إحداهما انطلقت على قاعدة المنطق العلمي والأخرى تعاني القطيعتين مع ماضيها المشرق والعقلانية المعاصرة في آن واحد. وسط هذا الواقع علت الأصوات مطالبةً بضرورة مواكبة الأفكار الحديثة والترحيب بالتيارات الوافدة.
بوادر فكرية
من المحتمل أنْ يلاحظ وجود نبرات متطرفة في الدعوة إلى إشاحة النظر عن الماضي والصعود إلى قاطرة الحداثة، لأنَّ ذلك هو الحل الوحيد وليس النبش في التراث حسب مزعم أتباع النهضة العقلية. ومن المعلوم أنَّ الفكر الماركسي بما يحمله من نفس ثوري وطابع علمي قد اخترق الجغرافيات بوتيرة أسرع وانتشر على نطاق واسع، وما زادَ من زخمه عالمياً هو الثورات العلمية والفكرية التي سبقت نشوء الفلسفة الماركسية. لذلك ما لبث الأمر طويلاً حتى وصلت شرارةُ هذه الفلسفة إلى العالم العربي، ولكن قبلها كانت بوادر مفهوم الاشتراكية ونظرية التطور الدارويني تسربت إلى خطاب النهضة العربية وهذا ما يتناوله الدكتور أنور مغيث في كتابه العُمدة “الماركسية في مصر”.
بما أنَّ اختيارات المرء الفكرية أو الأكاديمية قد لا تنفصلُ عن حياته الشخصية فإنَّ مغيث يوردُ تلميحاً عن بداية معرفته بكارل ماركس وهو لم يبلغ التاسعة من عمره عندما سمع اسم الفيلسوف الألماني على لسان أخيه الأكبر الذي كان يدرسُ بجامعة الإسكندرية، وما يجدرُ ذكره أن لهذه المدينة مكانةً بارزة في مسيرة اليسار المصري. ومن ثمَّ يشيرُ المؤلفُ إلى تشابك موضوع دراسته مع عدة مجالات، منها التاريخ والعلوم السياسية لأنَّه متابعة لتطور حركة سياسية من جهة كما يتقاطع مع مجال سوسيلوجيا المعرفة والفلسفة من جهة أخرى.
ما يهمُ أنور مغيث بالدرجة الأولى هو التحليل لمؤلفات وكتابات الحركة الماركسية. وهذا التشعب في المسارات تفرضهُ طبيعة الفكر الماركسي المُتنافذ مع جملة من التخصصات العلمية. قبل أن يحدد ملامح الماركسية في الثقافة العربية يذكر المؤلف بامتداد هذه الحركة الفكرية في أميركا اللاتينية والحزام الآسيوي والتباين في التعاطي مع أدبياتها نتيجة اختلاف الطبيعة الثقافية للجغرافيات التي سادت فيها الماركسية، فالأنتلجنسيا اليابانية أرادت إسباغ الطابع المحلي على تركيبة الفلسفة الماركسية وعدم الانضواء إلى النسخة الستالينية، وحاول المثقفون الماركسيون الانسلاخ عن النموذج الأوروبي.
أما لدى قادة الفكر النهضوي العربي فإنَّ الماركسية على منوال غيرها من الأفكار الوافدة كانت مطلوبةً لخدمة مشروع التحديث. يرى أنور مغيث ثلاثة أشكال لوجود الماركسية في الثقافة العربية وهي تتراوح بين الصورة الايجابية المُتمثلة في ترجمة ونقل نصوص مطبوعة بالرؤية الماركسية واستعادة الرموز والشخصيات الدينية التي توحي مواقفهم وأقوالهم بوجودِ نواة للفكر اليساري في تربة التراث. مقابل ذلك التواصل الإيجابي مع الماركسية سواء بطريقة مباشرة أو ضمنية كان هناك ميل إلى رفضها إسوةً بالتيارات الإلحادية والليبرالية والأفكار المادية. ويتابعُ المؤلف في وحدات دراسته الشرخ الناجم بين الماركسية والواقع المجتمعي جراء تغلغل العقيدة الدينية في بنية التفكير والوعي، ما أدى إلى عزوف الجموع عن الانخراط في المنظمات التي تقوم برامجها على الفلسفة الماركسية.
يشيرُ أنور غيث إلى الإشهار بسلاح الفتاوى لقطع الطريق على الماركسية وقد جرب الانجيليز هذه الآلية في 1919، فقد طلبوا من الشيخ محمد بخيت إصدار فتوى لإيقاف المدِّ البلشفي. وحين تصاعدت الحملةُ ضد اليسار إبانة عهد السبعينات صدرت فتوى تعد أي مسلم منضم إلى الحزب الشيوعي مرتدا.
يؤطرُ المؤلفُ دراسته للفكر الماركسي في مصر ضمن ثلاث حلقات تاريخية. الحلقة الأولى تبدأ في عام 1921 بتأسيس أول حزب اشتراكي شيوعي تليها حلقة تكوين المنظمات الشيوعية مع بداية الأربعينات حتى منتصف الستينات ويختمُ بتمظهرات يسارية في انتفاضة الطلاب في 1972 ويرصدُ في سياق هذا التصنيف ما شهده الحراك اليساري على الصعيد السياسي والفكري ولا يتجاهلُ أنور مغيث موقع الجاليات الأجنبية وبصمتها على خارطة اليسار المصري، كذلك الأمر بالنسبة إلى النخبة التي درست في الجامعات الغربية فإنَّ أفرادَها كانوا مبادرين بالكتابة عن مقومات الاشتراكية العلمية. وكان بعض من هؤلاء قد اكتسبوا خبرة تنظيمية من خلال الانضمام إلى الأحزاب الشيوعية في أوروبا ويأتي في مقدمة هذا الرعيل كلُ من فؤاد مرسي إسماعيل، وصبري عبدالله، ومصطفى صفوان.
ومن المفارقات اللافتة أنَّ والد الأخير صفوان أبوالفتوح بعدما تخلى عن ملابسه الأزهرية انتخب سكرتيراً عاماً للاتحاد العام للعمال وباشر بتأسيس الخلايا الريفية ونجح كثيراً في جذب تأييد مشايخ الأزهر بعدما قدم الاشتراكية مطعمة بالنفس الإسلامي. لا يكتفي الكاتبُ بالوقوف عند حيثيات تنظرية ونقابية للفكر الاشتراكي بل يوردُ في إطار دراسته الأحداث التي تشيرُ إلى نشوء المرحلة الصناعية على هامش الاقتصاد الزراعي.
ومن الشواهد التي يدرجها إضراب عُمال معامل التبغ في 1889، وكانت الاضرابات التي تتوالى في السنوات اللاحقة قد يتسع نطاقها أكثر إلى أن تحولت إلى مُظاهرات يشاركَ فيها الشعبُ. وما يشدُ الانتباه هو أن الليبراليين والتقليديين في مصر تتقاطع مواقفهم بشأن الحراك المعبر عن المطالب العُمالية. بل يبدو موقف الأمام محمد عبده أكثر مرونةً قياساً على مانشر في منابر ليبرالية، إذ اتهمت العمال بتقليد أعمى للثقافة الغربية كما رأت ما يقوم به العمالُ داءً آخر نقله الغربُ إلى الشرق.
رؤية الروَّاد
الجيل الذي وجد نفسه بوجه اللحظة الغربية بكل ما يعنيه ذلك من الانعطافة على الصعيد الفكري والعلمي لم يسعهُ إلا أنْ يضعَ الخروج من أزمته الحضارية على رأس أولوياته، ولم يزاحمْ أي شيء آخر. وكانت الاشتراكيةُ من الأفكار التي عقدت عليها الآمالُ في البداية وينقلُ المؤلفُ ما يراهُ أنور عبدالملك من ملامح اشتراكية في فكر الطهطاوي الذي قد توجه قبل كل شيء إلى النقد الاقتصادي والاجتماعي وأردف ذلك بطرح بدائل لها طبيعة اشتراكية وإنْ لم تكن مستقاة من الماركسية.
يُذكّرُ أنور مغيث بجمال الدين الأفغاني ودوره الأيقوني في مسيرة النهضة وصوته الثوري في نقد مظاهر التخلف والاستسلام لإرادة المُستعمِرِ، فهو صرح بأنَّ المسلمين لو كانوا بعوضاً لأصمَّ طنينهم آذان بريطانيا، غير أن الأفغاني قد أعلن معاداته للاشتراكية العلمية واضعاً مبادئها مع الدهرية في خانةٍ واحدة، الأمر الذي زاد من نفور الجمهور لهذا التيار لأنَّه حسب ما ذاع عنه نقيض لطبيعة إنسانية وتهديد على الإسلام. ولم يخفف من حدة هذا الموقف ما نشره جمال الدين في كتابه الأخير قبل وفاته إذ يؤيدُ فيه الاشتراكية.
يضيفُ أنور مغيث آراء دعاة الليبرالية حول الاشتراكية والثورات، منهم إسحاق أديب وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى، إلى حزام دراسته، وما يخلصُ إليه أنَّ التباين في وجهات النظر هو الغالب على آليات الفهم للتواصل مع تلك المفاهيم، فكان للعنف الثوري مفاسده أكثر من فوائده بالنسبة إلى إسحاق، أما شبلي شميل فإنَّ نظرية التطور هي الأفق الذي يلوح باستمرار في كتاباته. واستمد فكرته لنقد الدين وإرغاماته السلوكية مما وجده في أدب أبي العلاء المعري وتأملاته المُناهضة لملل ونحل يتناحرُ أتباعها باسم السماء.
ولا ينفصل مبدأ الاشتراكية في رؤية شبلي شميل السياسية عن نظرية التطور، فبرأيه أنَّ الاشتراكية ليست اختياراً بقدر ما هي حتميةُ نابعة من أسباب موضوعية. وبخلاف أديب إسحاق لم يكن شميل ضد الثورة بل رأى أنَّ ما يقودُ الشرق إلى النهوض هو الانضمام إلى المشروع الثوري الذي تُطلقه الشعوب الأوروبية. ويلعبُ سلامة موسى في المحطة القادمة دوراً لافتاً في نشر الثقافة العلمية والدعوة إلى الانفتاح على الفكر الغربي ولم يتجمد إيمانه بالاشتراكية عند حدود التنظير بل عركه فعلياً بانضمامه إلى الجمعية الفابية. ونشر كتاباً بعنوان “الاشتراكية” أراد بذلك تصحيح ما شاع عن هذا المفهوم من الأخطاء والفذلكات والإبانة عن خط التطور في المُجتمع الغربي. وما يلفتُ النظر هو الكلام المنسوب إلى كارل ماركس في كتاب سلامة موسى إذ ينقلُ منه بأنَّ صاحب “بؤس الفلسفة” قد اعتقدَ بأن تحقيق الاشتراكية لا يتطلبُ مكابدة لأنَّها تحلُ مكان النظام الذي بات انحلاله وشيكا كما يحل النهار بعد الليل.
على الرغم من تفشي الأمية في مصر لكن الثورة التي شهدتها المطبوعات الصحافية حركت النقاشات الفكرية في المجتمع الثقافي وبالتالي كانت هناك قنواتُ مفتوحة للتواصل مع الفلسفات والمذاهب السياسية التي سادت في الغرب. يظهرُ اسمُ كارل ماركس لأول مرة في عام 1890 بجريدة المؤيد، ويشيرُ المؤلفُ إلى أن أكثر من خمسين صحيفة ومئة دورية تصدرُ في مصر قبل الألفية الثانية. وهذا العدد يتصاعدُ في العقد الثاني بالقرن العشرين. هذا إضافة إلى المؤلفات التي تتناولُ الأفكار الاشتراكية بتياراتها المُختلفة، لعلَّ من أبرزها ما نشره مصطفى حسين المنصوري بعنوان “تاريخ المذاهب الاشتراكية”.
لا يتقيدُ إطارُ دراسة أنور مغيث بما تم تأليفه عربياً بل يكرسُ فصلاً لترجمة الأدبيات الماركسية إلى العربية رافعاً الغطاء عن الأخطاء الفادحة لاسيما في ترجمة “الدولة والثورة”. كما لا يغضُ النظر عن التعديلات التي قام بها بعضُ المترجمين قصداً وهم ينقلون النصوص الماركسية إلى العربية، وغالباً ما يحذفُ من الكتب تلك العبارات النقدية لمفهوم الدين. ما قدمه أنور مغيث في فصول كتابه ليس سرداً تاريخياً ولا نقداً أو مراجعةً لمعطيات الفلسفة الماركسية في البيئة العربية فحسب بل يقع ضمن المساعي الكاشفة لبنية العقل وآليات الفهم وطبيعة الواقع التي تلقي بظلالها على حصيلة التواصل مع الأفكار مُجتمعةً، ويمكن قياس ما عاشته سائر البلدان العربية من الفوران اليساري خصوصاً العراق وسوريا بتجربة مصر التي مع أسبقيتها في النهوض وحظوتها في الطاقات الفكرية لكن لم تغادر الماركسية في هذا البلد منطقها التعبوي.
المصدر: العرب اللندنية