العلمانية
تلفزيون الفلول أم إعلام المساءلة.. معركة الهوية الإعلامية تشتعل في سوريا الجديدة

العرب اللندنية

الإثنين 13 تموز 2026

أثارت تغطية تلفزيون سوريا النقدية، حملة تخوين حادة قادها مسؤولون وشخصيات مقربة من السلطة. وأعادت الحادثة فتح النقاش حول حدود النقد المسموح به وحرية الإعلام في المرحلة الانتقالية، وسط انقسام بين من يدافع عن دور الإعلام الرقابي المستقل، وبين من يرى في النقد الجريء تهديداً للاستقرار ويطالب بخطوط حمراء.
 
 تحول تلفزيون سوريا، الذي واكب الثورة السورية لسنوات طويلة كمنبر للصوت المعارض، فجأة إلى هدف لحملات تخوين حادة قادتها شخصيات محسوبة على السلطة.
 
ويأتي هذا الجدل ليعيد فتح ملف شائك حول حدود النقد المسموح به، وبنية الدولة الجديدة، والمساحة المتاحة للإعلام المستقل بعيدا عن الرقابة الشمولية التي ميزت عقودا سابقة.
 
ولم يكن الخلاف وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات وتغطيات حساسة قامت بها القناة في الأسابيع الأخيرة. اندلعت الشرارة الأخيرة عقب تخصيص تلفزيون سوريا تغطية موسعة ومفصلة لسلسلة انفجارات هزت العاصمة دمشق، تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولم تقتصر التغطية على نقل الأحداث فحسب، بل شملت تحليلاً نقديا للسياق الأمني والسياسي المحيط بها.
 
◄ تيار سلطة الأمر الواقع يرى أن المبالغة في النقد وإثارة القضايا الأمنية الحساسة تخدم أطرافاً خارجية وتهدد السلم الأهلي
 
وترافق ذلك مع تبني القناة خطا تحريريا جريئا يرصد ملفات الإصلاح الداخلي، وكان أبرز ذلك الإشارة إلى ما اعتبرته “تعيين شخصيات محسوبة على الفلول أو ترتبط بانتهاكات سابقة” في مفاصل ومؤسسات حيوية حساسة.
 
وتعتبر جهات حكومية هذه التغطيات محاولة لزعزعة الاستقرار وتمرير سرديات تمس بمكتسبات المرحلة الانتقالية، مما أثار موجة من الردود الغاضبة في الأوساط المقربة من السلطة.
 
واتخذ الجدل منحىً خطيرا عندما خرج مسؤول ملف الدراما في وزارة الإعلام بهجوم علني عنيف عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد وصف المسؤول القناة بـ”تلفزيون الفلول”، متسقا مع اتهامات أوسع انتشرت في الفضاء الرقمي تصف موظفي القناة وصحفييها بـ”العمل ضد المصلحة الوطنية العليا”.
 
ورغم قيام المسؤول بحذف المنشور لاحقا إلا أن الرسالة كانت قد وصلت إلى جمهور واسع، وأشعلت موجة تحريض ممنهجة أدت إلى توسيع الفجوة بين الأطراف المعنية.
وقال مسؤول ملف الدراما في وزارة الإعلام:
 
وهذا النوع من الخطاب ليس مجرد سجال إعلامي عابر، بل يعكس عودة أساليب قديمة في التعامل مع الإعلام المخالف، حيث يتم تحويل النقد المهني إلى اتهامات أمنية وسياسية تستهدف التشكيك في الولاء الوطني.
 
وانقسم الشارع السوري والأوساط الإعلامية إزاء هذه الحملة إلى جبهتين واضحتين. من جانبها، اعتبرت إدارة تلفزيون سوريا والعاملون فيه أن الهجوم يتجاوز السجال المهني إلى “التحريض المباشر” الذي قد يهدد حياة الكوادر الإعلامية. وشددوا على أن دور الإعلام في المرحلة الانتقالية يتمثل في المساءلة والرقابة على السلطة، وليس التبعية الشمولية، مذكرين برصيد القناة الطويل في مناهضة الاستبداد خلال سنوات الثورة.
 
وكتب المحلل على شاشة تلفزيون سوريا إبراهيم الجبين ردا جاء فيه:
 
في المقابل يرى تيار سلطة الأمر الواقع ومؤيدوه أن المرحلة الحالية هي “مرحلة بناء وتثبيت دعائم الدولة”، وأن المبالغة في النقد وإثارة القضايا الأمنية الحساسة تخدم أطرافاً خارجية وتهدد السلم الأهلي. لذلك يستوجب الأمر -حسب رأيهم- وضع خطوط حمراء إعلامية لحماية الدولة الناشئة من أي انزلاقات قد تعيد البلاد إلى الفوضى.
 
ويكشف هذا السجال عن أزمة بنيوية عميقة تواجه الإعلام السوري اليوم. الانتقال من “إعلام الثورة” الموجه ضد عدو مشترك إلى “الإعلام المستقل” الذي يراقب أداء السلطة الوطنية الجديدة يبدو مسارا معقدا ومحفوفا بالمخاطر. فالإعلام الذي كان أداة تعبئة وتوحيد في مواجهة النظام السابق، يجد نفسه اليوم مطالباً بتبني دور رقابي يمكن أن يُنظر إليه كتهديد من قبل من يمسكون بزمام السلطة الجديدة.
 
وتكمن خطورة استخدام مصطلحات مثل “الفلول” والتخوين السياسي في أنها تعيد إنتاج أدوات الإقصاء والتكميم التي مارسها النظام السابق، لكن هذه المرة تحت ذريعة “المصلحة الوطنية والاستقرار”.
 
هذا النهج لا يهدد فقط حرية التعبير، بل يقوض الثقة في العملية الانتقالية برمتها، ويثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة “سوريا الجديدة” التي يتم بناؤها.
 
ويقول صحفيون إن هذا الجدل يضع السلطات الجديدة أمام سؤال حقيقي ومصيري: هل ستتسع سوريا الجديدة للتعددية الصحفية وحرية التعبير كقيم أساسية في بناء دولة ديمقراطية، أم أن العقلية الشمولية ستحكم قبضتها على المشهد الإعلامي من جديد؟
 
يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، وسط دعوات متزايدة من فعاليات إعلامية ومدنية لضمان حماية الحريات الصحفية كركيزة أساسية لأي انتقال ديمقراطي ناجح في سوريا.