العلمانية
من صاحب النفوذ داخل الطائفة السنيّة في لبنان؟

كمال ذبيان

الجمعة 10 تموز 2026

اعتادت الطوائف في لبنان، أن تكون لها مرجعيات خارجية منذ منتصف القرن التاسع عشر، من خلال بروتوكول 1860 ، الذي فرض أن تكون الطوائف محمية من الخارج، وهو مستمر وباقٍ منذ حوالي قرنين، وعبرها تصبح الساحة اللبنانية مرتعا لحروب الآخرين بأدوات لبنانية.
 
والطائفة السنية في لبنان كانت، كما غيرها من الطوائف، تستند إلى دعم خارجي، ويتقدم البعض من زعمائها لنيل رضا أو تقديم أوراق اعتماد لأنظمة عربية، وفق التطورات والأحداث التي تحصل في المنطقة، ويكون لبنان جزءا منها أو تنعكس عليه.
 
ففي فترة الخمسينات، ومع ظهور الناصرية، توجه زعماء سنة نحو مصر يعلنون الولاء إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي طرح الوحدة العربية مع سوريا تحت عنوان «الجمهورية العربية المتحدة»، التي بات لها نفوذا مؤثرا في لبنان، الذي كان رئيسه كميل شمعون في تلك الفترة التحق بحلف بغداد، الذي كانت تديره إيران برئاسة الشاه رضا بهلوي، فتحالف السنة مع عبد الناصر بوجه شمعون، وظهر زعماء أبرزهم الرؤساء رشيد كرامي، وصائب سلام، وحسين العويني، وعبد الله اليافي، وسامي الصلح، فتعددت المرجعيات السياسية، لكن وجهتها كانت مصر وسوريا، والسعودية في بعض الأحيان.
 
ومنذ انكفاء «الحريرية السياسية» عن العمل السياسي في العام 2020 بقرار سعودي، إثر خلاف مع الرئيس سعد الحريري، لتساهله وتنازله أمام حزب الله، فإن المرحلة الحالية تشهد فراغا في المرجعية السياسية، التي كانت قرابة مدى عقدين ونصف العقد تمثل رئاسة الطائفة السنية من خلال رئاسة الحكومة، التي تولاها الرئيس رفيق الحريري لمدة 11 سنة، وبعده وريثه السياسي نجله سعد، ومن سماهم نحو 10 سنوات.
 
وتمتاز الطائفة السنية بالتعددية السياسية والدينية، وهي تضم كل «الفرق الإسلامية»، من «الإخوان المسلمين» إلى «الصوفيين» و«السلفيين» و»الجهاديين» وغيرهم، إضافة إلى قوى سياسية كان بعضها يحمل شعار «الناصرية» وتراجع حضوره، لا سيما بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، إلا من بعض تنظيمات ناصرية أخذت طابع «البيوت السياسية».
 
وبعد سقوط النظام السوري السابق، الذي قبل أن ينهار عادت العلاقة بينه ودول عربية، لا سيما خليجية كالسعودية والإمارات، فإن الساحة السنية انتعش بعض أطرافها، الذين ارتبطوا بمحور المقاومة كـ «تجمع العلماء المسلمين»، وتكتل نيابي سني عرف بـ«اللقاء التشاوري»، وضم النواب فيصل كرامي وعدنان طرابلسي وطه ناجي وحسن مراد وقاسم هاشم وجهاد الصمد، وكان يتم تمثيلهم بالحكومة، لكن هذا التكتل انتقل إلى «الحضن العربي» الذي تمثله السعودية، التي لها تأثير قوي في لبنان، وهي كانت شريكة مع أميركا في انتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيسا للجمهورية، وتسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، وسقطت التسوية التي حصلت مع الثنائي حركة «أمل» وحزب الله بانتخاب عون، وعودة الرئيس نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة، لكنهما شاركا في حكومة سلام.
 
فالدولة العربية ذات النفوذ في لبنان هي السعودية، التي سمت الأمير يزيد بن فرحان موفدا لها، والذي يلعب دورا قويا يتمحور حول تحقيق الإصلاح، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وهما ما تعمل له المملكة، ودونهما قد لا تسير الأوضاع في لبنان نحو الأفضل.
 
وإلى جانب الدور السعودي، هناك العامل القطري الذي كان وراء «اتفاق الدوحة»، الذي أوقف فتنة السابع من أيار 2008، واعاد الانتظام إلى المؤسسات الدستورية. قطر لم تتراجع عن مبادراتها في لبنان، فتقدم الدعم المالي إلى الجيش، وتشارك بالتنقيب عن النفط فيه، ولها أصدقاء من السياسيين فيه كجبران باسيل، ووليد جنبلاط وليست بعيدة عن حزب الله.
 
ومع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، بدأ الحديث عن دور سوري بلون جديد، يطلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يقوم الرئيس السوري أحمد الشرع بضرب «حزب الله»، وهو لم يتجاوب معه لأن تركيا ترفضه، ولها سياستها في لبنان، وما زال تأثيرها على السلطة الجديدة في سوريا هو الأقوى، وأن التحرك السوري في لبنان يمر عبر أنقرة، التي بات لها نفوذ مؤثر في طرابلس التي زارها الشيباني دون غيرها من المناطق، لا سيما البقاع المجاور لسوريا وعلى حدودها، كموطئ قدم لسوريا الجديدة.
 
فصراع النفوذ على لبنان، لا سيما داخل الطائفة السنية، يتمحور بين تركيا التي ترى أمنها يمتد من بيروت إلى دمشق وحلب كـ«عثمانية جديدة»، إلى السعودية التي منها خرج اتفاق الطائف وتريد تطبيقه وفتحت اسواقها للصادرات اللبنانية، لكنها تجد آخرين معها في لبنان، كالإمارات التي كانت بفترات تدعم دار الفتوى ومؤسسات خيرية، وسمحت لرعاياها بالعودة إلى لبنان والاستثمار فيه، .
 
 
من هنا، فإن الطائفة السنية في لبنان تتقدم فيها السعودية كمرجعية، دون اغفال الدور السوري الجديد، الذي أخذ إذن المرور إلى لبنان من تركيا، بعد استشارة السعودية وعدم ممانعة قطر.
 
 
المصدر: الديار