العلمانية
زوبعة افتراضية: خطاب الكراهية ابتلع خبز السوريين وملحهم

كلير عكاوي

الجمعة 26 حزيران 2026

يبدو أن مقولة "في بيناتنا خبز وملح" لم تعد موجودة في قاموس العالم الافتراضي خلال المرحلة الانتقالية في سوريا. فقد ساد خطاب الكراهية بين العديد من الأفراد الذين اعتادوا التعايش السلمي في الحياة الواقعية، وهذا ما أدّى إلى انقسامات مجتمعية حادّة غير مقبولة لا "بميزان ولا بقبّان".
 
وتسابق العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي على إطلاق كلمات طائفيّة ومناطقيّة، ليجدوا أنفسهم في خضمّ حرب باردة تُشعل فتيل الفتن والتحريض ضد الآخر الذي لا ينتمي إلى الجماعة نفسها، كأنهم ينسجون خيوطاً من الكراهية، لا تُفضي في محصلتها إلا إلى تفكيك المجتمع السوري.
 
"الفلول".. وتصفية الحسابات
 
يعيش "أحمد"، شاب في الثلاثين من عمره حياته اليوميّة في دمشق، بطريقة وديّة ومحبوبة بين أصدقائه وزملائه في الواقع، ثم يتحوّل إلى شخص آخر تماماً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يكتب تعليقات قاسية، ويستخدم لغة هجومية ضد من يختلف معه.
 
ويرجع أحمد الذي يعمل في مجال التسويق في حديثه لـِ "المدن"، "السبب وراء تحوّل سلوكه على "فيسبوك" إلى بعض الأشخاص الذين وصفهم بالـ "فلول"، قائلاً: "أهاجمهم لأنهم كانوا يتبعون نظام الأسد، حيث يمنحني الإنترنت فرصة أكبر لكبح ممارساتهم وتصفية الحسابات معهم حتّى لو كانوا يقطنون معي في الحي نفسه".
 
الدكتورة في علم النفس نور الحسن أكدت لـِ "المدن" أنَّ "هناك ظاهرة تُعرف في علم النفس بتأثير التخفّي الرقمي، حيث يشعر الفرد خلف الشّاشة بدرجة أعلى من الأمان وعدم المحاسبة المباشرة، وهذا ما يقلّل من الانضباط الذاتي، لذلك من الممكن أن يكون الشخص قريباً ودوداً في الواقع، بينما يتحوّل إلى مهاجم عنيف على السوشيال ميديا".
 
وأشارت الدكتورة إلى أنَّ "الإشارات الإنسانية تضعف في الفضاء الرقمي، وهذا ما يجعل التعبير عن الغضب أو العدوان أسهل وأكثر اندفاعاً، حيث تظهر جوانب من انفعالات الفرد المكبوتة بشكل أكبر، مقارنة بسلوكه في الواقع".
 
"الانفصالية".. وحوار "نحن وأنتم"
 
تحوّلت سارة مع صديقتها التي تقطن في السويداء إلى شخص أكثر قسوة في العالم الافتراضي، وباتت تتصرّف معها بطرق لا تتماشى مع قيمها الحقيقية من وفاء واحترام، إضافة إلى خطابها الذي حمل كراهية واضحة بعد أن وصفتها بـِ "الانفصاليّة".
 
وروت الصديقة ابتسام باسم مستعار (30 عاماً)، لـِ "المدن" عن "صراع بين رغبتها في الحفاظ على صديقتها سارة ورفضها لسلوكياتها السّلبية واتهاماتها وأحكامها غير المبرّرة والظالمة"، بحسب تعبيرها.
 
وعبّرت ابتسام بحزن عن "خيبة الأمل التي خيّمت عليها"، قائلة: "كنت أظنّ أنّها قريبة جدّاً مني، وكنت أعتقد أنّنا نتشارك القيم نفسها، لكن مؤخراً، تغيّرت هذه المفاهيم وانقلبت الموازين، وساد حوار (نحن وأنتم!)، كأن عشرتنا لم تكن".
 
بدورها، أوضحت الدكتورة الحسن أنَّ "القيم الإنسانية قد تضعف تحت تأثير الاستقطاب والضغوط والانتماءات الجماعيّة الحادّة، ومن الممكن أن ينتهي المطاف بنظر الفرد إلى الآخرين كأنهم خصوم بدلاً من اعتبارهم أشخاصاً تجمعه بهم علاقات إنسانيّة سابقة".
 
وأدى الاستقطاب والانتماءات الطائفيّة والسياسيّة في المجتمع السوري إلى تزايد الإقصاء والتمييز ضد العديد من الأفراد الذين يعارضون الآراء السّائدة من مختلف الأطراف، مما عقّد جهود الترميم والوصول إلى السلم الأهلي بهذه المرحلة الحساسّة في سوريا.
 
التطرّف وفقدان الإنسانية!
 
قرّرت مريم، اسم مستعار (40 عاماً)، أن "تشارك رأيها حول موضوع حسّاس على صفحتها الشّخصية عبر "فيسبوك"، حيث كانت تعتقد أنَّ الحوار المفتوح يمكن أن يكون مفيداً، لكنّها لم تتوقّع ردَّ فعل قريبتها التي استخدمت كلمات جارحة في تعليقاتها بدلاً من مناقشة وجهات النظر بشكل بنّاء". واستخدمت قريبتها خطاب الكراهية بشكل واضح، واصفة إياها بـِ "المتطرّفة" و"الفاقدة للإنسانية"، وهو الأمر الذي أنهى علاقتهما الودّية في الواقع، لما تركته هذه التجربة من جرح عميق لكلتيهما، بحسب قولها.
 
وتعرّضت مريم لحملة عبر "فيسبوك" بسبب موقفها المحايد الذي يدعو إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة جميع الأطراف المتورّطة، مع تأكيد أهمية التعايش بين أفراد المجتمع الواحد، حيث اعتبرها أبناء محافظتها غير متضامنة معهم، ومع دماء المدنيين الذين سقطوا خلال الانتهاكات التي تعرّضوا لها. 
 
وأوضحت الدكتورة نور الحسن أنَّ "التكرار المستمر لخطابات التحريض، يؤدي إلى ما يسمى بـِ "إزالة الإنسانيّة"، حيث يصبح الطرف الآخر أقل استحقاقاً للتعاطف في نظر الشخص، ونتيجة لذلك، تتراجع قيم التسامح والوفاء والعلاقات السابقة". وأفادت بأنَّ "الكلمات ليست مجرّد أصوات أو حروف، بل هي أدوات تصنع التصوّرات والمواقف، وبالتالي عندما يتعرّض الإنسان بشكل متكرّر لرسائل عدائيّة فقد تؤثر على مشاعره وسلوكه، ومع الوقت تتحوّل القناعات الرقميّة إلى مواقف واقعيّة، فيزداد التباعد الاجتماعي، وتضعف الثّقة وتتفكّك العلاقات في الحياة اليوميّة". 
 
خطاب الكراهية.. جذّاب!
 
بعيداً عن الخطاب الفردي، تتخفّى شخصيات خلف حسابات وهميّة لنشر محتوىً مثير للجدل يتضمّن خطاب كراهية وتحريض ضد أفراد أو فئات معيّنة، وهذا ما يصعب محاسبتهم، ومن الملاحظ أنَّ هذا المحتوى ينتشر بسرعة، ويحقّق تفاعلاً أكبر مقارنة بالمحتويات البنّاءة، وهو ما يثير تساؤلات حول تحوّل ذائقة المتلقي أو انقياده وراء جماعته أو قادة الرأي العام غير المحايدين الذين يثق بهم.
 
ولفتت الدكتورة الحسن إلى أنَّ "الضغوط المعيشيّة والاقتصاديّة والسياسيّة تلعب دوراً مهماً في خطاب الكراهية، لأنَّ الفرد عندما يعيش حالة من الإحباط أو الشعور بالعجز أو فقدان السيطرة على حياته، يصبح أكثر قابليّة لتبنّي تفسيرات بسيطة للمشكلات المعقّدة". 
 
وقالت: إن "خطاب الكراهية يقدّم غالباً تفسيراً سريعاً ومريحاً نفسيّاً للفرد، يتمحور حول وجود جهة أو فئة مسؤولة عن معاناته، ممّا يمنحه شعوراً مؤقتاً باليقين والانتماء، حتى لو كان بعيداً عن الواقع".
 
صناعة "كبش فداء"
 
"يقلّل البحث عن عدو وهمي الشعور بالحيرة والتعقيد، لأن مواجهة الأسباب الحقيقيّة للمشكلات تتطلّب جهداً وتحليلاً وقدرة على تحمّل الغموض، بينما إلقاء اللوم على طرف محدّد يمنح شعوراً سريعاً بالوضوح"، بحسب ما أشارت الدكتورة الحسن. وأضافت: "هذه الآلية في علم النفس تُعرف بـِ "الإسقاط" أو "البحث عن كبش فداء"، حيث يتم تحميل مجموعة أو شخص مسؤولية مشكلات أوسع وأعقد من أن يكون مسؤولاً عنها وحده".
 
وقد شهدت فترات معينة في سوريا، مثل الأحداث الدامية في السّاحل والسويداء، تصاعداً في الخطاب التحريضي، وهذا ما أثّر سلباً على التماسك الاجتماعي، وغالباً ما سبقت الانتهاكات موجة كراهية عارمة مع تقاذف المسؤوليات، تتداخل فيها الطائفية والأجندات السياسية، التي مازالت مشتعلة حتى الآن.
 
كيف أحمي نفسي؟
 
ربما بات السوريّ بحاجة إلى حماية نفسه من التعرّض لخطاب الكراهية أو الانجرار فيه قبل أن يحمي نفسه من الانتهاكات التي قد تطاله أو تطال أسرته أينما وُجد، ومهما كان موقفه أو اتجاهه أو معتقداته، فالكراهية لا تسير على خطّ واحد ولا تتّجه نحو هدف واحد.
 
وأفادت الحسن بأن "الفرد يستطيع حماية نفسه أولاً عبر التحقّق من المعلومات قبل مشاركتها، والانتباه للمحتوى الذي يثير الغضب الشديد أو الخوف المبالغ فيه، ومن الضروري أيضاً الاستراحة من الإنترنت عند الشعور بالاستنزاف الانفعالي، مع الحفاظ على العلاقات الواقعيّة والحوار المباشر مع الآخرين".
 
"لابدَّ من التمييز بين نقد السّلوك أو الأفكار، وبين مهاجمة الأشخاص أو الجماعات، علماً أنَّ خطاب الكراهية ينشأ غالباً من الخوف والإحباط، وكلما زادت قدرة المجتمع على الحوار والتعاطف، تراجعت الحاجة النفسيّة للكراهية، حيث يبدأ ترميم العلاقات عندما يرى كل فرد الآخر كإنسان أولاً، قبل أي انتماء أو اختلاف"، بحسب تأكيدها.
 
"إن خليت خربت"
 
بالرغم من أنّ الكراهية قد دخلت العديد من منازل السوريين وتمركزت فيها، إلا أن المقولة الشّهيرة "إن خليت خربت" تختصر المعنى الحقيقي لمواقف بعض الأشخاص الذين مازالوا يحافظون على علاقاتهم الإنسانية رغم اختلاف الآراء، ويؤمنون بأن الحوار والاحترام المتبادل هما المفتاح لبناء مجتمع متماسك.
 
وأوضحت الحسن أنَّ "هؤلاء الأشخاص هم غالباً يمتلكون درجة أعلى من النضج الانفعالي والمرونة النفسيّة، فهم قادرون على الفصل بين الخلافات الفكريّة والعلاقات الإنسانيّة، ويدركون أنَّ الاختلاف لا يعني العداء". 
 
وشدّدت الحسن على "أهمية استعادة الإنسانيّة المشتركة كخطوة نفسيّة أولى، حيث يجب التذكّر أنَّ الأشخاص الذين نختلف معهم هم بشر لديهم مشاعر وآمال مشابهة لنا، علماً أنَّ ترميم العلاقات يبدأ بالانتقال من سؤال "من المخطئ؟" إلى "كيف وصلنا إلى هنا؟"، وهذا ما يساعد في تشجيع الحوار الآمن وإحياء المبادرات المجتمعية لبناء الثقة والتكافل الاجتماعي".
 
وتختم إحدى السوريات الحديث مع الـ "المدن"، قائلة: "كلنا ضحايا في هذا البلد المنكوب.. متألمون ومجروحون ومكلومون، تائهون نحاول الدفاع عمّا تبقى منّا بعد كل ما مررنا به، فقد كبرنا قبل أواننا.. إنني أصرخ في كل يوم: "خطفوا لون دموعي منّي".. لعلّ أحدهم يأتي مثل الأب الفنان وديع الصافي ليقول لي: "لا تخافي يا بنتي.. يا زهرة عيني!".
 
 
المصدر: المدن