الشعبوية السياسية أداة الأنظمة التوليتارية للإلغاء
محمود القيسي
الجمعة 19 حزيران 2026
«إنّي أسمع من كل مكان صوتاً ينادي لا تُفكِّر... رجل الدين يقول لا تُفكِّر بل آمِن، رجل الاقتصاد يقول لا تُفكِّر بل اِدفع، ورجل السياسة يقول لا تُفكِّر بل نفِّذ... لكن فكِّر بنفسك وقف على قدمَيك إنّي لا أعلّمك فلسفة الفلاسفة، لكنّي أعلّمك كيف تتفلسف». (إيمانويل كانط)
التفلسُف تأسيساً لجُهدٍ بحثي قادر على الانتقال بالشعبوية من مستوى المصطلح إلى مستوى المفهوم، فيُتيح القبض المفهومي على الظاهرة وإمكان القدرة على التعامل معها وتوجيهها. فهل ترتبط الشعبوية بالعولمة أم هي ظاهرة مناقضة لها؟
عادةً ما يُطلَق وصف الشعبوية للدلالة إلى نزعات جانحة في التفكير السياسي، تنحو إلى إعادة المقدَّس في أحضان الدنيوي، إمّا عبر تقديس الشعب أو القومية أو العرق أو الهويات الصغيرة، باعتبارها ملامح لخلاص نهائي من شرّ العالم المتنامي، هذا الشرّ الذي يتجّسد في المهاجرين والفئات المهمشة. الشعبوية السياسية يمكن فهمها في العالم العربي باعتبار أنّ المشاركة في الحياة السياسية إمّا صوَرية أو معدومة، كما أنّها كانت إحدى أدوات كسب الناخب في دول مثل أميركا اللاتينية في الحقبة التي انتعشت فيها مقولات اليسار في الأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا، وتراجعت معدَّلاتها في السنوات الأخيرة.
تتكثف الشعبوية كمفهوم لا عقلاني في العداء تجاه ما هو عقلاني من النخب والحراك السياسي، والقفز على هذه الكيانات المؤثرة، والاتجاه صوب الفرد العادي غير المسيَّس، وتحشيده عبر شعارات جاذبة لأغراض سياسية ملغومة.
التحدّي القبلي للديمقراطية الليبرالية
كتاب سيكولوجية الشعبوية «التحدّي القبلي للديمقراطية الليبرالية» لجوزف ب. فورغاس، وليام د. كرانو، وكلاوس فيدلر، عبَّر عن تفسير موضوع «صعود الشعبوية من خلال الدوافع النفسية والعمليات المعرفية والهوية الاجتماعية والدعاية السياسية». وأصبحت الشعبوية خلال العقود الأخيرة واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للجدل في العالم.
وقد اعتاد الباحثون تفسير هذه الظاهرة من خلال الاقتصاد، التحوُّلات الاجتماعية أو الأزمات السياسية، إلّا أنّ هذا الكتاب يسلك طريقاً مختلفاً، إذ يحاول فهم الشعبوية من خلال علم النفس الاجتماعي.
ينطلق البحث من سؤال جوهري: لماذا ينجذب ملايين الأفراد إلى الحركات والزعماء الشعبويّين، حتى عندما تتعارض بعض أطروحاتهم مع المبادئ الديمقراطية الليبرالية؟ ولماذا تكتسب خطابات «الشعب الحقيقي» ضدّ «النخب الفاسدة» أو «الغرباء» أو «الأقليات» جاذبية واسعة؟
يرى مؤلّفو الكتاب، أنّ الإجابة تكمن في مجموعة من الحاجات النفسية العميقة المرتبطة بالهوية والانتماء والأمان والاعتراف الاجتماعي. فالشعبوية ليست مجرّد أيديولوجيا سياسية، بل هي أيضاً استجابة نفسية لشعور جماعي بالتهديد أو الإقصاء أو فقدان المكانة.
تتمثل الأطروحة الأساسية للكتاب في أنّ الشعبوية تعبِّر عن عودة النزعات القبلية الكامنة في النفس البشرية. فبينما تقوم الديمقراطية الليبرالية على الفردانية والتعدُّدية والتسامح والمؤسسات العقلانية، تستند الشعبوية إلى آليات نفسية أكثر بدائية تقوم على الانتماء للجماعة، والتمييز بين «نحن» و»هم»، والبحث عن زعيم قوي يمنح الأتباع شعوراً بالأمان والكرامة والهوية.
ومن ثم، فإنّ صعود الشعبوية لا يُفهَم فقط بوصفه أزمة سياسية، بل بوصفه تعبيراً عن احتياجات نفسية واجتماعية عميقة، أعادت إنتاج نفسها في ظروف العولمة والتغيُّر الاجتماعي.
يفتتح الكتاب تحليله بفكرة أنّ الشعبوية تزدهر عندما تنتشر مشاعر المظلومية الجماعية، تآكل الديمقراطية وصعود النزعات السلطوية، البحث عن المكانة والاعتراف الاجتماعي، الغضب والعدالة والانفعال السياسي، النرجسية الجماعية، العقل الشعبوي والحاجة إلى اليقين.
في القسم الثاني ينتقل الكتاب إلى الجوانب المعرفية للشعبوية. ويرى أنّ العالم المعاصر أصبح أكثر تعقيداً وغموضاً، ممّا يولِّد القلق لدى كثير من الأفراد. في المقابل، تقدِّم الشعبوية إجابات بسيطة. وتولِّد الثقة المفرطة والتطرُّف السياسي، والهوية الاجتماعية والانتماء القبلي وتفشّي الخطاب الشعبوي، والتحوُّل من الديمقراطية إلى الحكم الفردي.
يناقش المؤلفون الكيفية التي قد تنتقل بها الأنظمة من الديمقراطية إلى أشكال أكثر استبداداً. ويحدث ذلك عندما تُضعَف المؤسسات المستقلة، تُهاجم وسائل الإعلام، يُنظر إلى المعارضة كعدو للشعب، يُقدَّم الزعيم باعتباره الممثل الوحيد للإرادة الشعبية. وفي هذه الحالة تتحوَّل الشعبوية من حركة احتجاجية إلى أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي الذي يقوم على القومية، العرق، الشعبوية، التعصُّب، التهديد، الخوف، والجاذبية التطوُّرية للزعيم الشعبوي.
أهمّية الكتاب، أنّه ينطلق من علم النفس التطوُّري. ويرى أنّ البشر عبر تاريخهم الطويل طوَّروا ميلاً للبحث عن قيادة قوية عندما يشعرون بالخطر. وعندما تتصاعد التهديدات الحقيقية أو المتخيَّلة يصبح الناس أكثر استعداداً لدعم السلطة المركزية، الانصياع الاجتماعي المطلق للزعماء الكاريزميِّين، والسياسات الأمنية الصارمة في صندوق الثيوقراطية المبتذلة.
استخدمت إيران على سبيل المثال الخطاب الشعبوي بشكل مكثف منذ عام 1979، موظّفةً شعارات عاطفية مثل «المستضعفين» و»مناهضة الاستكبار» لحشد الجماهير. وبرزت ذروة الشعبوية في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي اعتمد على أسلوب التبسيط الشديد للقضايا وتوزيع الثروات بشكل عشوائي، ممّا أدّى في النهاية إلى أزمات اقتصادية كارثية. واستخدم النظام تفسيرات أيديولوجية وشعارات شعبوية لتسويق سياساته الخارجية وتبرير الأزمات الاقتصادية الداخلية. وارتفعت نبرة الخطاب القائم على التخوين السياسي، واعتمد النظام على تقسيم المجتمع إلى معسكرات.
في المقابل، أدّت الأزمات المعيشية المتفاقمة إلى احتجاجات واسعة، شهدت تحوُّلاً جذرياً في المزاج العام. ورفع المحتجون شعارات عكست رغبة في إنهاء الهيمنة الأيديولوجية الثيوقراطية الممانعة، من أبرزها هتافات تعبّر عن الاهتمام بالداخل مثل: «لا غزة ولا لبنان، حياتي من أجل إيران».
المصدر: الجمهورية