هل سوريا على أبواب حرب أهلية؟
بثينة عوض
الخميس 18 حزيران 2026
ذاكرة شخصية مع عنف السلطة.. هناك مشهد قاسٍ لا يزال ملتصقاً بذاكرتي حتى اليوم، كأن الزمن عجز عن محو تفاصيله أو تخفيف حدته؛ ففي طفولتي، في قريتي الصغيرة الواقعة فوق مدينة القرداحة، ترجل ذات يوم شاب من سيارة فاخرة وتوجه مباشرة نحو أحد شباب القرية، ثم انهال عليه ضرباً بوحشية فقط لأن حمار الرجل وقف في طريق سيارته لثوانٍ معدودة، ويومها لم تفلح توسلات أهل القرية ولا محاولاتهم المستميتة في إبعاده أو إيقافه، وظل يضرب ذلك الشاب بلا رحمة حتى فقد وعيه وسقط أرضاً مضرجاً بدمائه.
كنت أبكي وأصرخ بكل ما أوتيت من صوت: "حرام عليك".
نظر إليّ ببرود غريب، نظرة خالية من أي شعور بالذنب أو الارتباك، ثم تابع ضربه كأن شيئاً لم يكن، لاحقاً عرفت أن صاحب السيارة كان من العائلة الحاكمة.
في ذلك اليوم أمطرت والدي بوابل من الأسئلة: كيف يستطيع إنسان أن يفعل هذا بإنسان آخر؟ كيف يمكن أن يقتله أو يضربه حتى الموت دون أن يرتجف؟ ولماذا؟ ولا أزال أتذكر جيداً جواب أبي، وهو الرجل الذي آمن يوماً بمبادئ حزب البعث قبل أن يكتشف الهوة بين الشعارات والواقع، حين قال لي بجملة قصيرة بقيت عالقة في ذاكرتي حتى الآن: "على هالأرض مستحيل يكون في عدل".
العدالة الانتقالية… الحل الذي تأخر
كبرت، وكبرت الأسئلة معي، وحين انتقلت إلى دمشق وعملت في الصحافة داخل عدة مطبوعات، بدأت أفهم أن الجواب لم يكن متعلقاً بشخص واحد بقدر ما كان متعلقاً ببنية كاملة من الطغيان، بنظام يصنع بشراً يعتقدون أن القوة تمنحهم الحق في الإذلال والضرب والقتل، وأن السلطة فوق القانون وفوق الأخلاق وفوق الإنسان نفسه. لكن بقي السؤال الأصعب: ما الحل؟
أتذكر هنا كلمات المفكر السوري الراحل ميشيل كيلو، الذي كان يكرر قبل اعتقاله وتعذيبه أن الخلاص الحقيقي لا يبدأ بالانتقام ولا بالثأر، بل بالعدالة الانتقالية، لأن المجتمعات الخارجة من الاستبداد لا تنجو إذا استبدلت ظلماً بظلم آخر، ولا إذا جعلت الغضب الشعبي بديلاً عن القانون.
القلق من الفوضى
حين تحررت دمشق، عاد إليّ شريط كامل من الذكريات دفعة واحدة؛ القتل، التشرد، الجوع، التقارير الأمنية، الخوف المزمن والإذلال اليومي الذي عاشه السوريون لعقود، ووجدت نفسي أطرح السؤال ذاته بصياغة أخرى: كيف يصل مواطن سوري إلى درجة يعلّق فيها حبل المشنقة حول رقبة مواطن سوري آخر؟
خرج السوريون إلى الشوارع محتفلين بالنصر، وكانت لحظة مشبعة بالأمل، لكن فرحة الانتصار لم تلبث أن اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً؛ إذ بدأت كرة الثلج تتدحرج سريعاً: مجازر الساحل، لجان التحقيق، ملفات الدم المفتوحة، ثم اليوم فصل جديد لا يقل خطورة عنوانه: "حملة طرد الشبيحة".
إدلب تشعل الشرارة
بدأ الأمر في إدلب مع منشورات تحذيرية وُزعت علناً تحمل رسالة قاسية وصريحة: "التحذير الأخير لشبيحة النظام… هاجروا أو الزموا بيوتكم وانتظروا حسابكم من ثوار 2011… شوارع البلاد حُرّمت عليكم".
وأرفقت المنشورات بصورة قشرة موز، في سخرية سوداء بدت للبعض مزحة، لكنها حملت في جوهرها تهديداً مباشراً.
غير أن ما بدا في البداية تحركاً محلياً منفلتاً في إدلب، سرعان ما تحول إلى موجة أوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات شعبية في عدة محافظات سورية تحت عنوان واحد: "طرد الشبيحة".
من هم الشبيحة؟
الحملة ركزت على مطلب أساسي هو رفض إعادة دمج أو التساهل مع شخصيات متهمة بالارتباط بالنظام السابق أو المشاركة في آلة القمع، لكن المشكلة الكبرى تبدأ من تعريف كلمة "الشبيحة" نفسها.
ففي الوعي الشعبي السوري، لم يعد المصطلح مقتصراً على المسلحين الذين مارسوا القتل المباشر أو التعذيب، بل تمدد ليشمل المخبرين، وكتّاب التقارير الأمنية، والمستفيدين من الفساد، وكل من وفّر غطاءً للنظام.
وهنا تصبح المسألة شديدة الخطورة، لأن تعريف المذنب لم يعد بيد القضاء أو مؤسسات الدولة، بل صار بيد الشارع الذي تحول الى قاضٍ وجلاد.
في حلب ودير الزور ومناطق أخرى، امتلأت الشوارع بمشاهد مقلقة؛ هجمات فردية، ضرب جماعي، تنكيل علني، وفيديوهات توثّق لحظات قتل بوحشية أعادتني مباشرة إلى تلك الصورة الأولى في طفولتي.
هنا لم يعد الحديث عن عدالة انتقالية، بل عن "عقاب ذاتي"، عن مجتمع قرر أن يأخذ القانون بيده لأن كثيرين يشعرون أن العدالة الرسمية بطيئة أو معطلة أو ربما عاجزة عن ملاحقة كل المتورطين، هذا الغضب مفهوم إنسانياً، لكنه خطير سياسياً، لأن الثأر لا يعرف حدوداً، ولا يملك نقطة توقف واضحة.
الرئيس أحمد الشرع خرج محذراً من هذا المسار، مؤكداً أن المحاسبة والعدالة الانتقالية يجب ألا تتحولا إلى عنوان انتقامي أو تسلطي كما يحدث أحياناً بعد انتصار الثورات.
لكن الشارع، خصوصاً في حلب ومحافظات أخرى، يبدو أنه يحمل رأياً مختلفاً؛ فكثيرون يرون أن عودة بعض رموز النظام السابق أو التساهل معهم تمثل إهانة مباشرة لدماء الضحايا واستخفافاً بحجم التضحيات التي دفعت، وهنا تتسع الفجوة بين مفهومين متصارعين: عدالة الدولة وعدالة الشارع.
دمشق تحت التوتر الطائفي
في دمشق أيضاً بدأ الخوف يتسلل إلى بعض الأحياء ذات الطابع العلوي، ومنها عش الورور، حيث أغلقت الأبواب وارتفع منسوب التوتر، واضطر الأمن العام في أكثر من مناسبة للتدخل لحماية السوريين من بعضهم البعض، هذه الجملة وحدها مرعبة.
حماية السوريين من السوريين. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل نحن أمام موجة غضب عابرة ستخمد تدريجياً، أم أننا أمام بداية انزلاق نحو حرب أهلية بصيغة جديدة؟
أصدرت وزارة الداخلية السورية بياناً أكدت فيه تفهمها للمطالب الشعبية الداعية إلى محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، لكنها شددت على أن تنفيذ العدالة وملاحقة المطلوبين هو من اختصاص مؤسسات الدولة وحدها، داعية المواطنين إلى عدم اللجوء إلى إجراءات فردية قد تهدد السلم الأهلي، لكن البيانات وحدها لا توقف الهيجان الشعبي.
المفكر محمد حبش ألقى بجزء من المسؤولية على الخطاب الديني التحريضي، منتقداً تساهل بعض المنابر مع خطاب الكراهية، ومتسائلاً: لماذا يتحول بعض الوعاظ إلى قادة تعبئة وتحريض بدل أن يكونوا أصوات تهدئة؟
ورغم إعلان وزارة الأوقاف عن ميثاق للخطباء يمنع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والتجييش ضد مكونات المجتمع السوري، فإن الواقع حتى لحظة كتابة هذه السطور يشير إلى أن التحريض لم يتوقف.
من يعطّل مسار العدالة؟
الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في حملة "طرد الشبيحة"، بل في انهيار الخط الفاصل بين العدالة والانتقام، وبين المحاسبة والثأر، وبين الدولة والغوغاء.
أي عدالة انتقالية حقيقية تحتاج إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم، أما إذا سقطت هذه المعادلة، فإن الضحية قد تتحول إلى جلاد، والمنتصر قد يعيد إنتاج الاستبداد نفسه ولكن بلغة مختلفة.
كلما رأيت فيديو جديداً للضرب أو التنكيل، تعود إليّ صورة ذلك الرجل في قريتي... أغمض عيني، لكن الصور لا تختفي.
ويبقى السؤال الذي يرعبني اليوم: من يقف خلف خطاب التحريض؟ من المستفيد من تعطيل مسار العدالة الانتقالية؟ ومن يريد دفع السوريين مجدداً إلى الخوف من بعضهم البعض؟ وربما السؤال الأهم ليس: هل بدأت الحرب الأهلية؟
بل سؤال أكثر إيلاماً: هل تعلم السوريون حقاً من جحيمهم الطويل.. أم أن الوحش لم يمت بعد؟
المصدر: المدن