العلمانية
إدارة الإدراك السياسي في سوريا: من يملك المعرفة يملك السلطة

مهيب الرفاعي

الأربعاء 17 حزيران 2026

لا يبدو المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، كأنه انتقال واضح من الاستبداد إلى السياسة، بقدر ما يبدو انتقالاً من مركزية سلطوية صلبة إلى حالة أكثر سيولة من إدارة الغموض في دولة منهارة تسلمتها الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع "على الزيرو"، حيث تتراجع الدولة التقليدية بوصفها مركزاً وحيداً للقرار، لكن دون أن يعني ذلك بالضرورة ولادة فضاء سياسي شفاف أو تشاركي أو تصالحي. هنا تحديداً يمكن استحضار مفهوم "الإدارة الفطرية" بجانبه السياسي، وبصفته إطاراً تحليلياً لفهم نمط خاص من إدارة المعلومات داخل البيئات المغلقة والهشة سياسياً؛ على اعتبار أن هذا المفهوم يقوم في أصله الإداري على تنظيم العلاقة بين السلطة و المستويات ما دونها عبر التحكم الصارم في تدفق المعرفة، حيث تحجب المعلومات الأساسية عن الفاعلين في المستويات الدنيا، ويعاد توزيع المعطيات بشكل مجتزأ وانتقائي، بما يجعل إدراك الواقع التنظيمي محدوداً ومجزأً وغير مكتمل.
 
يتأسس هذا النمط على فكرة أن السيطرة تتجاوز مستوى القرارات والأوامر والمعلومات المباشرة، وتتمدد إلى مستوى أعمق يتعلق بشروط إنتاج وتوزيع المعرفة ذاتها؛ بحيث يدار هذا المستوى عبر تحديد ما يقال، وما يخفى، وما يسمح بتداوله داخل المجال الداخلي، بما يجعل الوصول إلى الفهم الكامل مرتبطاً بموقع الفاعل داخل هرم السلطة. وتبنى المؤسسات في هذا السياق على إنتاج تفاوت معرفي دائم، حيث يحتفظ المركز بالقدرة على الرؤية الشاملة، بينما تدار الأطراف ضمن حدود معرفة جزئية وموجهة.
 
تنتقل هذه البنية إلى المجال السياسي السوري بوصفها أداة تفسيرية لقراءة نمط أوسع من إدارة الغموض في مرحلة ما بعد سقوط النظام؛ بحيث يتشكل فضاء سياسي تحتكر فيه المعرفة المتعلقة بالقرار السيادي، وبطبيعة التفاهمات بين القوى الفاعلة، وباتجاهات إعادة تشكيل السلطة، داخل دوائر ضيقة ومحدودة رغم فكرة الانتقال من عقلية الفصائل وعقلية الثورة إلى عقلية الدولة. ويعمل هذا الاحتكار على إعادة توزيع الإدراك السياسي داخل المجتمع بطريقة غير متكافئة، حيث تتدفق المعلومات بشكل متقطع ومجزأ، وتبنى الصورة العامة للواقع على إشارات غير مكتملة.
 
ينتج عن هذا النمط إعادة تشكيل للعلاقة بين السلطة والمجتمع وبين السلطة والمؤسسات ما دونها وبين السلطة والجهات الخارجية على مستوى المعرفة قبل القوة. عموماً، تدار السياسة عبر ضبط شروط الفهم الجماعي، وتحديد نطاق ما يمكن إدراكه وما يبقى خارج مجال التفسير العام، وهذا ما يجعل الغموض عنصراً بنيوياً داخل آلية الحكم؛ ويتحول الفضاء السياسي إلى منظومة لإدارة الإدراك، حيث تصاغ حدود الواقع السياسي من خلال التحكم في المعرفة نفسها، لا من خلال السيطرة المباشرة وحدها.
 
في الظاهر، تبدو سوريا ما بعد الأسد كأنها دخلت عصراً جديداً فيه خطاب سياسي مختلف، ورموز جديدة، وخرائط نفوذ متغيرة، وسقوط لأحد أكثر الأنظمة الأمنية صلابة وشمولية ووحشية في الشرق الأوسط. لكن تحت هذا السطح، تظهر بنية أكثر تعقيداً تقوم على احتكار المعرفة السياسية والأمنية داخل دوائر ضيقة جداً، بينما يترك المجتمع السوري في حالة من الضبابية الوجودية، غير القادر على فهم الاتجاه الحقيقي للدولة، أو طبيعة التفاهمات الجارية، أو حتى شكل النظام الذي يتكون باسمه.
 
السوريون يعرفون أن النظام سقط، لكنهم لا يعرفون بدقة من يحكم فعلاً، خصوصاً أن هذه الحكومة انتقالية في طبيعتها ( بحسب رؤية الرئيس الشرع) وهناك العديد من الطبقات الإدارية المتحكمة بالمجال العام السياسي من جهة والمجالات المجتمعية والاقتصادية والأمنية من جهات أخرى، ولا كيف تتخذ القرارات السيادية، ولا طبيعة الترتيبات الأمنية بين القوى المحلية والخارجية، ولا حدود النفوذ الحقيقي للقادة الأمنيين والمحافظين والمشايخ، ولا شكل العلاقة المستقبلية بين المركز والأطراف، ولا حتى ما إذا كانت البلاد تتجه نحو إعادة بناء دولة موحدة أم نحو تثبيت جغرافيا نفوذ طويلة الأمد. هنا تتحول الضبابية نفسها إلى أداة حكم، لا مجرد نتيجة طبيعية للفوضى الانتقالية التي تحصل عموماً في الدول الخارجة من نزاعات.
 
المشكلة أن هذه الحالة لا تنتج فقط عن ضعف الدولة أو انهيار المؤسسات، وإنما عن إعادة إنتاج واعية أو غير واعية لثقافة أمنية سياسية سورية قديمة، قائمة تاريخياً على الفصل بين المعرفة والسلطة؛ على اعتبار أن النظام الأسدي كان منظومة معقدة لإدارة المعلومات وليس مجرد ديكتاتورية تقليدية، حيث تحتكر الحقيقة داخل أجهزة ضيقة، بينما يترك المجتمع داخل طبقات من الإشاعات والخوف والتناقضات المقصودة. وبعد سقوط النظام، يبدو أن كثيراً من القوى الجديدة، رغم اختلاف خطابها وتغيره وابتعاده عن خطاب الأسد، تعيد إنتاج جزء من هذه البنية نفسها، لكن بأدوات جديدة وشعارات مختلفة.
 
هنا تصبح الإدارة الفطرية أكثر من مجرد استعارة ساخرة؛ ولكنها توصيف لبنية انتقالية كاملة؛ إذ تدار البلاد عبر مستويات متداخلة من الغموض فيها مجالس انتقالية لا يعرف السوريون حدود صلاحياتها الحقيقية، فصائل عسكرية اندمجت عناصرها في وزارة دفاع متكاملة وجهاز أمن عام، تتحول تدريجياً إلى سلطات سياسية دون وضوح قانوني، تفاهمات إقليمية تجري بعيداً عن المجال العام وبسرعة مطلقة تجمع بين توازنات عميقة وغير تقليدية بين الخليج العربي والصين وروسيا وأميركا وتركيا، وأجهزة أمنية يعاد تشكيلها دون أي نقاش مجتمعي حقيقي حول طبيعتها أو عقيدتها أو حدودها.
 
الأخطر، ربما، أن هذا الغموض لا يبقى محصوراً في النخب، بقدر ما يتحول إلى بيئة اجتماعية كاملة تنتج القلق والإشاعة والسيولة النفسية والمعلومات المضللة؛ فحين تغيب الشفافية، تمتلئ المساحات الفارغة بالسرديات المتنافسة، والتسريبات، وسياسات "الواتساب"، والدعاية الفصائلية عبر "تلغرام"، والتكهنات المستمرة وإصدار قوانين أو قرارات ونفيها في حال لاقت غضباً جماهيرياً مثلاً دون استنادها إلى سند قانوني أو إداري واضح. ومع الوقت، لا يعود المجتمع قادراً على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، بين القرار السيادي والرسالة الإعلامية، بين الدولة الفعلية والدولة المتخيلة. وهنا تصبح السياسة نفسها نوعاً من إدارة الإدراك الجماعي أكثر من كونها إدارة مؤسسات.
 
ربما تكمن المفارقة الأهم في أن الثورة السورية، التي انطلقت أصلاً ضد احتكار السلطة والمعرفة، تجد نفسها بعد سقوط النظام أمام خطر إعادة إنتاج نموذج جديد من السلطة الغامضة، لكن دون مركز واحد واضح. أي أن سوريا قد تكون انتقلت من استبداد مركزي إلى ضبابية متعددة المراكز، حيث لا توجد جهة واحدة تتحمل المسؤولية الكاملة، لكن الجميع يشارك في إنتاج الغموض. هذا يفسر جزئياً لماذا يشعر كثير من السوريين اليوم بأنهم يعيشون داخل حالة سياسية مؤقتة بلا أفق زمني واضح؛ فكل شيء يبدو انتقالياً من المؤسسات، إلى الخطابات، والتحالفات، وحتى الخرائط والنفوذ والتقسيمات. لكن الانتقال المؤقت حين يطول، يتحول تدريجياً إلى نظام حكم قائم بذاته، يقوم على إدارة اللايقين بدل حله؛ وهنا تصبح الإدارة الفطرية تقنية سياسية لإبقاء المجتمع في حالة انتظار دائم، غير قادر على بناء توقعات مستقرة أو ممارسة ضغط سياسي فعلي؛ وليس مجرد أسلوب إداري وحسب.
 
كما أن هذه البنية تخدم بدرجات مختلفة مصالح قوى عديدة؛ إذا ما قلنا إن القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوري لا تبدو دائماً معنية ببناء ديمقراطية شفافة بقدر اهتمامها بإنتاج استقرار قابل للإدارة؛ وهذا الاستقرار القابل للإدارة يحتاج غالباً إلى نخب ضيقة، واتفاقات مرنة، ومجتمعات محدودة القدرة على التدخل في القرار الاستراتيجي. لذلك تتحول سوريا تدريجياً إلى فضاء تصنع فيه القرارات الكبرى فوق مستوى المجتمع نفسه، بينما يترك السوريون للتكيف مع نتائجها لاحقاً. جعل سوريا ممر للقرار السياسي العربي مثلاً، جعلها مركز ثقل ومحل ترتيب وتمرير الأجندات والمصالح، ومحل ترتيبات اقتصادية لا يعرف السوريون عائداتها في المدى القريب على الأقل.
 
وفي هذا المعنى، قد يكون أخطر ما في سوريا ما بعد الأسد هو احتمال ترسخ ثقافة سياسية جديدة تطبع الغموض باعتباره الشكل الطبيعي للحكم، وليس فقط خطر التقسيم و الضعف؛ أي إن السوريين قد يخرجون من عصر الدولة الأمنية الصلبة ليدخلوا عصر الإدارة الرمادية، حيث تصبح المعرفة امتيازاً سلطوياً، والشفافية خطراً، والمجتمع مجرد متلقٍ دائم للتغييرات لا شريكاً في صناعتها. ولهذا، يرتبط السؤال الحقيقي في سوريا الجديدة بكيفية إنتاج المعرفة السياسية نفسها عندما نسأل من يملك المعلومات ومن يصوغ القرار ومن يحدد حدود الفهم السياسي؛  على اعتبار أن إعادة إنتاج السلطة دون إعادة توزيع المعرفة تعيد تشكيل الاستبداد بصيغ جديدة، حتى مع تغيّر الوجوه والخطابات والرموز.
 
يتجلى ذلك في غياب السياسة بوصفها مؤسسات قادرة على تحويل المجتمع إلى تمثيل منظم داخل الدولة. فبدل وجود نظام حزبي مستقر، يبرز مشهد قائم على تجمعات سياسية هشة، وكيانات انتقالية غير مستقرة، وواجهات تمثيلية مرتبطة بالإدارة الجديدة أو بالدعم الخارجي. ويؤدي ذلك إلى بقاء السياسة في مستوى إدارة الوقائع اليومية، بدل تحولها إلى عملية مؤسساتية لإنتاج القرار العام. كما تبقى العلاقة بين السلطة والمجتمع محكومة بمنطق الجغرافيا والقوة، لا بمنطق التمثيل السياسي المنظم. يفتح هذا المجال امام قوى انفصالية تتععمد الضرب على وتر الغموض لتحقيق أهدافها. في السياق الدرزي في السويداء، يتجسد نمط إضافي من إدارة الغموض داخل المجال السوري الأوسع، حيث تعمل البنية السياسية المتحكمة بالسويداء وفق تداخل معقد بين المرجعية الدينية والاجتماعية والأمنية وليس نموذج إدارة موحدة أو سلطة مركزية واضحة. يبرز حكمت الهجري كأحد المرجعيات الدينية التي اكتسبت وزناً سياسياً متزايداً في ظل تراجع مؤسسات الدولة ومنعها من التعامل مع السويداء ومهاجمتها في عدة مناسبات، مع التركيز على الاستعانة بقوى إقليمية لضرب هذه المؤسسات، في حين يظهر "الحرس الوطني" كصيغة أمنية محلية ضمن حكومة أمر واقع تعكس محاولة تنظيم القوة داخل المجتمع في غياب إطار وطني جامع، وتتحكم في المجال العام في المحافظة. هذا التداخل بين الدين والسياسة والأمن يخلق حالة من تعدد مراكز القرار وتضارب الصلاحيات لا سيما في ظل الحديث عن انشقاقات ومناحرات في صفوق هذه الإدارة، حيث تبقى حدود السلطة غير محددة بدقة، ويظل أفق التنظيم السياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة دون مسار مؤسسي مستقر أو رؤية واضحة لمستقبل العلاقة مع المركز.
 
يمتد هذا التفكك إلى بنية التمثيل التشريعي، حيث لا يوجد حتى الآن في البلاد "مجلس شعب"، ولا تزال المجالس المحلية الانتقالية تعمل ضمن أطر شكلية محدودة التأثير، وتصدر المجالس المحلية قرارات توحي بوجود لا مركزية تحت ظل دولة مركزية، سواء على مستوى تنظيم العلاقات أو تبرير القرارات أو على مستوى فرض مسار اجتماعي أو سياسي أو أمني. تخضع هذه المسارات لتوازنات أمنية وسياسية وعشائرية و"مشيخية" وتقنية تحدد أدوارها مسبقاً، ما يحولها إلى أدوات تمنح الشرعية لقرارات تُصاغ خارجها. وينتج عن ذلك نموذج من التمثيل دون تشريع، حيث تظهر المشاركة السياسية في الشكل، بينما يبقى التأثير الفعلي على القرار خارج المجال المؤسسي. وفي السياق نفسه، يتشكل الاقتصاد السوري كفضاء بلا خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار أو التنمية؛ وتغيب العلاقة المؤسسية المستقرة بين الدولة والسوق، ما يفتح المجال أمام اقتصاد قائم على شبكات النفوذ والوساطة والامتيازات المحلية، وتتوسع اقتصاديات "حيتان السوق" والصفقات غير المنظمة لتصبح الإطار الفعلي لإدارة الموارد. هنا، يرتبط الوصول إلى الاقتصاد بالموقع داخل شبكات القوة أكثر من ارتباطه بقواعد عامة أو مؤسسات تنظيمية مستقرة.
 
 يتجلى جانب آخر من حالة الارتباك المؤسسي في التذبذب المستمر في السياسات الاقتصادية الأساسية، خصوصاً أخيراً فيما يتعلق بمشاريع بناء مجمعات سكنية و منتجعات سياحية، وإدارة أزمة فيضانات المنطقة الشرقية  ومسألة  تسعير القمح وسعر صرف الدولار وإدارة المصرف المركزي، فتسعير القمح لا يستقر على سياسة واضحة بين دعم الإنتاج المحلي أو مواءمة الأسعار مع السوق، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المزارعين ويؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي. وبالمثل، يشهد سعر صرف الدولار تغيرات متكررة تعكس غياب آلية نقدية مستقرة أو سياسة نقدية قابلة للتنبؤ، ما ينعكس مباشرة على القوة الشرائية واستقرار الأسواق، وطرق التحويل لا سيما وأن اغلب العائلات السورية تعتمد على حوالات المغتربين. أما التعيينات المتكررة في المصرف المركزي فتشير إلى غياب استمرارية مؤسسية في إدارة السياسة النقدية، حيث تُدار المواقع وفق اعتبارات آنية أكثر من كونها جزءاً من رؤية اقتصادية طويلة الأمد، وهو ما يعمّق هشاشة الإطار المالي ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات والقرارات غير المتسقة.
 
يتعمق هذا المسار مع غياب النقابات والوسائط الاجتماعية القادرة على تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة؛ الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف قنوات التفاوض حول الحقوق والعمل والأجور، وإلى إعادة تشكيل المجتمع ككتل فردية أو جماعات صغيرة مرتبطة بالحماية والانتماء المحلي، وتتحول العلاقة مع السلطة إلى علاقة مباشرة تقوم على الحاجة والتبعية، بدل أن تقوم على الحقوق والتنظيم المؤسسي. وفي مستوى أعمق، تعمل الدولة كإدارة حالات أكثر من كونها نظاماً قانونياً موحداً،  فتدار القطاعات المختلفة عبر حلول ظرفية تتغير وفق موازين القوى، بينما تتراجع القواعد العامة أمام منطق الاستثناء المستمر. يؤدي هذا بالضرورة إلى تآكل الإطار القانوني الناظم للأسواق والإعلام والأمن والقضاء، لصالح إدارة مرنة ومجزأة تربط تطبيق القانون بالسياق والفاعل أكثر من ارتباطه بمعيار ثابت. وفي الإطار نفسه، يبقى مفهوم الحرية مفتوحاً على التأويل السياسي والأمني والاجتماعي في غياب إطار دستوري واضح؛ رغم القفزات التي حققتها سورية على مؤشرات الحريات العامة ومؤشرات حرية الصحافة والعمل الإعلامي وغيرها،  ولكن في هذا النمط تتحول الحقوق من منظومة قانونية مستقرة إلى مساحة تفاوض مرتبطة بميزان القوى، ما يجعل الحرية حالة متغيرة أكثر من كونها حقاً ثابتاً ومضموناً.
 
بالإضافة إلى ذلك، ينعكس هذا النمط السياسي من الغموض بالنتيجة على مسارات العدالة الانتقالية، التي تتجه نحو محاسبة الأفراد والرموز المرئية أكثر من تفكيك البنية المؤسسية التي أنتجت الانتهاكات؛ فتتحول العدالة إلى عملية رمزية تركز على تغيير الأشخاص ومحاسبة مجموعة أفراد مرتبطين بروايات التعذيب و القتل، مع التركيز على شخصيات مثل "عاطف نجيب" و"أمجد يوسف"، و تتعداه أيضاً لمحاسبة جماهيرية شعبية (المحاسبة عبر فايسبوك مثلاً) بالاستناد على مرويات وشهادات دون الاستناد إلى مسار قانوني واضح وعملياتي تابع لوزارة الداخلية او وزارة العدل، بينما تستمر آليات القوة ذاتها ضمن هياكل جديدة. وبهذا، يستمر منطق السلطة حتى مع تبدل الأسماء والمؤسسات الشكلية.
 
كتقدير أخير وتقييم لتطابق نموذج الإدارة الفطرية في الحالة السورية هو أن السلطة (نتحدث هنا عن مناصب وإدارات) تتشكل في هيكليتها عبر أشكال هجينة وشخصانية، حيث يظهر الشيخ والأمير واللجنة والوسيط بوصفهم فاعلين أساسيين داخل المجال السياسي في الإدارات، وبشهادة عدد من السوريين؛ وبالتالي تعمل هذه الشبكات على إعادة إنتاج منطق ما قبل الدولة الحديثة، حيث ترتبط السلطة بالأشخاص والعلاقات أكثر من ارتباطها بالمؤسسات والقانون. وهكذا تتحول السياسة تدريجياً من إدارة دولة إلى إدارة شبكات نفوذ وعلاقات قوة متغيرة، مع وجود خلافات بين تيارات السلطة الحالية لا مجال لذكرها هنا.   
 
 
المصدر: المدن