العلمانية
"التهويل بالعدد نقيض هوية لبنان الحضارية".. الصائغ: قوة التوازن، لا توازن القوى!

جوانا فرحات

الإثنين 8 أيلول 2025

 لا تزال مفاعيل الأرقام الرسمية الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية- وزارة الداخلية والبلديات لجهة عدد الناخبين المسجلين وتوزيعهم وفقا للطوائف حاضرة بقوة. وبحسب الأرقام المسجلة حتى نهاية شهر أذار 2025 (مع تجميد قوائم الناخبين)  وصل العدد إلى 4,093,663 ناخباً مقابل 4,050,659 في العام 2024 بارتفاع سنوي مقداره 43,004 ناخبات وناخبين بنسبة 1.06في المئة، بحسب "الدولية للمعلومات".
 
لكن المفاجأة جاءت في التوزيع الطائفي إذ بلغت2719191 مسلمين أي بنسبة 66.4 في المئة، و1370243 مسيحيين أي بنسبة 33,4 في المئة. كما يشكل الناخبون السنّة العدد الأكبر بنسبة 30في المئة، يليهم الشيعة بنسبة 29.8 في المئة والمسيحيون حيث يحل الموارنة في المرتبة الأولى بنسبة 18.8في المئة.
 
عام 1932، شكّل المسيحيون نحو58.7 في المئة من مجمل سكان لبنان، مقابل 40 في المئة من المسلمين. أرقام هيهات منها الواقع العددي اليوم.فبحسب دراسة صادرة عن "الدولية للمعلومات"، انخفضت النسبة التقديرية للمسيحيين إلى نحو 30.6 في المئة في العام 2018، مقابل 69.4 في المئة للمسلمين. هذا التحوّل ليس طارئًا، بل هو نتيجة تراكمات ديموغرافية بدأت منذ عقود، تفاقمت في ظل الحروب المتتالية، والانهيارات الاقتصادية، والتهجير السياسي والأمني.
 
نبقى في الأرقام إذ أظهرت أن الهجرة المسيحية باتت تمثل عاملا محوريا في هذا التراجع خصوصا أن النسبة الأكبر تعود لمهاجرين من الطوائف المسيحية. ففي العام 2019، قدّر عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة بـ61,924 شخصًا، مقابل 41.766 في العام 2018  أي بارتفاع نسبته 42 في المئة. ويُظهر التحليل الجغرافي تراجعًا في معدّل النمو السكاني في المناطق ذات الغالبية المسيحية، وخصوصًا في جبل لبنان وبعض مناطق الشمال، في مقابل معدلات نمو أعلى في مناطق كعكار، البقاع، والجنوب ، بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية، وكذلك بسبب ارتفاع نسبة الولادات.
 
هذا التفاوت يعمّق الفجوة الديموغرافية، ويعني على المدى المتوسط تغيّرًا في موازين القوى داخل الإدارات والمؤسسات، حتى وإن بقي التمثيل السياسي محفوظًا شكليًا عبر المناصفة المنصوص عليها في اتفاق الطائف، كما يشكّل تحديًا وجوديًا لفكرة "لبنان الرسالة" التي طالما تغنّى بها اللبنانيون. وفي ظلّ غياب سياسات سكانية واضحة، واستمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية، يُخشى أن يستمر هذا النزيف بصمت، والسؤال الذي يطرح هل يُخشى أن يستفيق اللبنانيون على مشهد جديد، لا يُشبه لبنان الذي عرفوه.
 
يقول الباحث في الشؤون الجيو-سياسية الدكتور زياد الصَّائغ "من المهم بمكان أن تقوم الدولة اللبنانية بتعدادٍ سكاني تخّلفت عنه لعقود، إنطلاقاً من مسؤوليتها السيادية، وهذا لا علاقة له بتحديد أحجام المكونات الروحية، بل بالحوكمة السّليمة والّسياسات العامة وحسن إدارة الموارد، وفهم طبيعة الثروة البشريّة اللبنانية من مقيمين ومغتربين. أما في ما يُعنى بالإنسياق لقراءة المعطى الديمغرافي إنطلاقاً من حساباتٍ سياسية متعلقة بميزان القوى، فهذا نقيض فكرة لبنان ورسالته، لا بل مخالفٌ للدستور، فاقتضى التنويه".
 
وفي ما خصَ الدراسة الأخيرة التي نشرتها "الدولية للمعلومات" حول عدد المسيحيين كما المسلمين بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية ، يشير الصائغ إلى أن "ثمة حاجة لإجراء عملية مسحٍ جديد وتحديدٍ أكثر دقة ، والكل يعلم الشوائب التي تعتري مسألة الأرقام في لبنان، لكن لم أفهم معنى الإشارة إلى هذا المُعطى بالذات، وكأن ما وراء الأكمة ما هو خفيٌّ في أكثر من نفسِ يعقوب.وعلى رغم ذلك فإن الغوصَ في تحليلٍ سياسي عن مخاطر تراجع الديمغرافيا المسيحية على حضورهم ودورهم، لا بل حتى على وجودهم في لبنان، يبقى منافياً لطبيعة لبنان التعدّديّ، إذ أن لبنان لم ينشأ على خياراتٍ عددية ومعادلاتٍ تفوّقية، إنما على هوية وطنية جامعة في العيش معاً، وهو يقوم على قوة التوازن، لا على توازن القوى".
 
وإذ يعتبر الصائغ أن "الهجرة تطال كل المكونات الروحية اللبنانية ، خصوصاً الكفاءات فيها"، إلا أنه يضع "تعقيدات الأوضاع الأمنية والإقتصادية والإجتماعية والمالية مع ارتفاع منسوب اللااستقرار وانعدام الوزن في حكم القانون، كعوامل بنيوية في تزخيم هذه الهجرة"، ويؤكد على "موجب تبنّي سياسة عدالة اجتماعية، يتقاطع فيها دور الدولة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، على أن تترافق مع استعادة الثقة، ما يساعد على بقاء المسيحيين وغيرهم في أرضهم، بالإستناد إلى مواطنة أكثر منه إلى الإنتماء الطائفي".
 
وفي قراءة لما يُشاع عن انحسار الوجود المسيحي والدور في لبنان بالارتكاز إلى تراجع ديموغرافي يرفض الصائغ "معادلة الأكثرية والأقلية؟ إلا حيثما يستدعي النظام الديمقراطي البرلماني ذلك. فلبنان نشأ على أساس توازنٍ يقوم على المواطنة الحاضنة للتنوع، ولنعد إلى الدستور لنفهم الجينات التأسيسية لحقيقة الصيغة والميثاق، والتي تؤهل لبنان لتأدية دورٍ حضاري نموذجي في إدارة التعددية".
 
بالتوازي يشير الصائغ إلى المواجهة الدائرة في مجلس النواب في ما خص تصويت المغتربين على ستة نواب ويقول" ثمة خطورة بنيوية تمارسها سلبطة في مخالفة دستورية تتكرّر كما العادة ، رغبةً في تفادي كشف الحقيقة، أو فرض معادلات لا علاقة لها بالعدالة التمثيلية .من هنا يجب استدعاء تكوين تحالفٍ وطني عريض مسيحي-إسلامي يعيد للدستور مع الصيغة والميثاق كل رونق لبنان الرسالة".
 
ويختم جازماً بأن "الكارثة التي حلّت بلبنان هي من جرّاء حلف الأقليات"، ويأمل من المسيحيين الركون دائما إلى نضالهم من " أجل الحرية والتنوّع والعدالة والمواطنة، فهذه شهادتهم، وهذا هو دورهم التاريخي".
 
 
المصدر: المركزية