الحرس الوطني في السويداء.. معضلة الهوية وفوضى الحماية
مهيب الرفاعي
الأربعاء 3 أيلول 2025
مثلت أحداث تموز/يوليو الماضي في السويداء، نقطة انعطاف في ديناميات الصراع السوري، إذا ما نظرنا إلى المواجهات التي اندلعت بين الفصائل المحلية من جهة، وقوات الأمن العام والعشائر السنية من جهة أخرى، وما تلاها من انسحاب للقوات النظامية من مركز المدينة، فتحت الباب أمام صعود سلطة بديلة تستند إلى المرجعية الروحية والاجتماعية للطائفة الدرزية.
هذه اللحظة كشفت بوضوح ما تشير إليه أدبيات العلاقات الدولية ودراسات النزاعات بـ"أزمة الدولة الضعيفة"، حيث تتراجع قدرة المركز على فرض سيطرته على جميع الأراضي الواقعة ضمن الحدود الجغرافية الطبيعية للدولة، فتبرز قوىً محلية تملأ الفراغ، غالباً في شكل فواعل ما دون الدولة. في هذا السياق، جاء إعلان تشكيل "الحرس الوطني" في 23 آب/أغسطس الماضي، ليس فقط كخطوة تنظيمية لتوحيد السلاح الدرزي، بل كمحاولة لتأسيس سلطة عسكرية-سياسية ترغب بإعادة رسم موازين القوة في الجنوب السوري. هذا التحوّل يعكس دينامية الانتقال من الدولة المركزية إلى أنماط من الحكم المحلي المسلح الذي يزاوج بين البعد الأهلي والدور السياسي.
الفواعل ما دون الدول
لفهم بنية "الحرس الوطني"، من الضروري العودة إلى التفريق النظري بين أنماط الفواعل ما دون الدولة في السياقات النزاعية. تشير الأدبيات إلى أن الفصائل غالباً ما تكون مجموعات ذات طبيعة محدودة، تنشأ بدافع محلي أو أيديولوجي، وتفتقر إلى البنية المؤسسية الصلبة. أما المليشيات فهي تشكيلات أكثر تنظيماً، تمتلك خطاباً سياسياً أو هوياتياً، وغالباً ما ترتبط بدولة راعية أو بجهات إقليمية تسعى إلى توظيفها. في المقابل، برز في سوريا نمط ثالث يمكن وصفه بـ"القوات المحلية"، وهي وحدات مسلحة تتشكل لحماية مجال جغرافي أو طائفي محدد، وتستمد شرعيتها من المجتمع المحلي، ولكنها تتمتع بدعم و تمويل خارجي، سواء من دول إقليمية أو من رجال أعمال محليين في خارج البلاد. منذ عام 2014، عرفت السويداء هذا الطيف بأشكاله المختلفة: فـ"لواء الجبل" و"قوات شيخ الكرامة" حملت سمات الفصائل ذات الطابع المحلي-الهوياتي، بينما "قوة مكافحة الإرهاب" بدت أقرب إلى مليشيا صغيرة ذات خطاب عابر للمنطقة. في المقابل، عشرات المجموعات الأصغر ارتبطت بالعائلات وشبكات التهريب، وهو ما يضعها في خانة الفاعلين الهجينيين بين المليشيا والعصابة المسلحة.
ما جاءت به أحداث تموز 2025، دفع هذه الكيانات المتباينة إلى لحظة تمايز بين موقفين يتمثل الأول باستمرارها في حالة التشظي وهذا يعني انهيار الأمن الأهلي واستدعاء تدخلات خارجية؛ أو حفاظها على مظلة أمنية عسكرية جامعة تطمح إلى ترقية هذه الفصائل المتناثرة إلى مستوى "قوات محلية" تحت مظلة الشيخ حكمت الهجري، أي إلى سلطة عسكرية ذات طابع أهلي-سياسي تسعى لاكتساب شرعية شبه رسمية كحارس لهوية الجبل. من هنا جاء "الحرس الوطني" الذي يضم ما بين أربعة إلى خمسة آلاف مقاتل، لكن أسئلة جوهرية لا تزال قائمة، من قبيل هل نحن أمام مليشيا درزية موحدة أم أمام نواة قوة محلية شبه مؤسساتية؟ من منظور نظري، المليشيا تُعرّف بكونها كياناً مسلحاً يحتكر القوة داخل مجتمع محدد، دون أن يخضع لمنطق الدولة. أما القوات المحلية، فترتبط أكثر بحاجات الأمن الأهلي، وتسعى إلى صياغة علاقة تفاوضية مع الدولة المركزية. الحرس الوطني يبدو حتى الآن ككيان هجين؛ بمعنى أنه بحسب البيان التأسيسي، يستمد شرعيته من المرجعية الروحية والاجتماعية، ويتبنى خطاباً دفاعياً عن الهوية الدرزية، لكنه يفتقر إلى تمويل مستدام وعقيدة عسكرية موحدة. الوعود المالية سرعان ما اصطدمت بعجز التمويل، ما قلّص من جاذبيته بين المقاتلين.
مشروع محلي بارتباطات إقليمية
جاء هذا التشكيل في سياق إعادة صياغة الوجود الأمني والعسكري للجبل بما يتجاوز منطق الفصائل المتناثرة نحو مشروع محلي ذي ارتباطات إقليمية، إذ ترافق الإعلان مع قطع شبه كامل لخطوط التواصل الأمني والعسكري مع حكومة دمشق، مقابل انفتاح متزايد على تنسيق استخباراتي وأمني مع دول الجوار، الأمر الذي يضعه في موقع حساس يتجاوز حدود الدفاع الذاتي ليصبح أداة في حسابات جيوسياسية أكبر.
في هذا السياق، جاء البيان التأسيسي ليمنح التشكيل غطاءً روحياً واجتماعياً، حيث انطلق من خطاب يركّز على "معروفيتنا" و"وحدة مصيرنا"، مؤكداً على الالتزام المطلق بقرارات الرئاسة الروحية الممثلة بالشيخ أبو سلمان (حكمت الهجري)، واعتباره الممثل الشرعي والوحيد للطائفة في الجبل. كما أعلن البيان "الاندماج التام بقوات الحرس الوطني باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية الممثلة للطائفة"، مجدداً العهد على "بذل الغالي والنفيس في سبيل حماية الجبل وهويته المعروفية التوحيدية". وقد وقّعت على هذا البيان عشرات التشكيلات والفزعات المحلية، من بينها: قوات نسر الجبل، اللواء 146، فزعة فخر، قوات نشامى الجبل، قوات نسور الجبل، تجمع أبناء الجبل، سرايا الجبل، قوات مكافحة الإرهاب، قوات شيخ الكرامة، قوات العليا، القوى المحلية، قوات طود الجبل، القاهرون، قوات عرين الجبل، قوات فرسان حمزة، قوات شمس الجنوب، قوات ذياب حمزة، قوات الفهد، حماة الثغور، قوات السلطان، قوات سيف الحق، جيش الموحدين وغيرهم.
بدا الجمع بين المظلّة العسكرية الموحّدة والشرعية الروحية مقصوداً لإضفاء طابع رسمي وشامل على الحرس الوطني باعتباره التعبير المؤسسي عن هوية الجبل وقراره المستقل. لكن هذه الشرعية لا تلغي الطابع الإشكالي للتجربة، التي توازن بين خطاب الوحدة الداخلية وحماية الهوية المعروفية من جهة، وبين الارتهان لمعادلات إقليمية قد تعيد إنتاج سيناريو "جيش لحد" في الجنوب من جهة أخرى. وعليه، يظل الحرس الوطني مشروعاً مزدوج الوجه: بين كونه محاولة لترميم الأمن المحلي وتوحيد القرار العسكري، وبين كونه أداة محتملة في لعبة إقليمية أكبر قد تضع السويداء في قلب مقامرة تاريخية.
سياسياً، يشكّل الحرس الوطني إعلاناً عن نزعة استقلالية أمنية تسعى لإرساء صيغة الحكم الذاتي المحدود، ودمشق تعاملت مع هذا الواقع ببراغماتية، فاختارت الانسحاب التكتيكي مع إبقاء أدوات النفوذ غير المباشر عبر شبكات الأمن والعشائر. إقليمياً، تنظر إسرائيل إلى الكيان كحاجز أمام التمدد الإسلامي المتشدد وأمام المليشيات السنية العاملة كقوات رديفة، خصوصاً في معركة السويداء، فيما ترى الأردن أن استقرار السويداء شرط حيوي لأمنها الحدودي. بناءً على ذلك، فإن مستقبل الحرس الوطني يتوقف على نجاحه في التحول من مظلة فصائلية متشظية إلى قوة محلية منضبطة، قادرة على التوفيق بين شرعية الداخل وتفاهمات الخارج.
عقدة الخواجة ورهانات الخارج
إلا أن هذه النزعة الانفصالية والاستقلالية تنبئ بالتوتر البنيوي بين الخطاب المعلن حول الاستقلالية والاعتماد على الذات، وبين الحاجة الضمنية إلى اعتراف أو دعم خارجي يمنح الكيان شرعية وموارد. فعلى المستوى الخطابي، قدّم الحرس الوطني نفسه كقوة محلية صافية، منبثقة من المجتمع الدرزي ومرتبطة حصراً بمرجعياته الروحية، رافضاً الارتهان لمحاور النفوذ الإقليمي (إيران، إسرائيل، الأردن، الولايات المتحدة). لكن في العمق، ظل هناك إدراك جمعي بأن أي مشروع عسكري محلي في سوريا لا يستطيع الصمود دون شكل من أشكال الارتباط الخارجي، سواء عبر التمويل أو التسليح أو حتى الغطاء السياسي. هذا التناقض يعكس معضلة تاريخية عاشتها الأقليات السورية عموماً، والدروز خصوصاً، في محاولاتهم الموازنة بين الحفاظ على استقلاليتهم المحلية من جهة، واستدعاء "الخواجة" – أي القوة الكبرى أو الدولة الراعية – لتأمين الحماية من جهة ثانية. في الحالة الراهنة، يترجم ذلك في التوجس من إسرائيل التي تراقب الجبل بصفته منطقة عازلة، وفي الوقت نفسه التطلع غير المعلن إلى دعم لوجستي أو مالي قد يأتي من الأردن أو من شبكات المغتربين الدروز في المهجر. من هنا، فإن "عقدة الخواجة" ليست مجرد مسألة نفسية، بل هي معطىً بنيوياً في علاقة الفواعل ما دون الدولة مع محيطها: فالمليشيا أو القوة المحلية، مهما أعلنت رفضها للوصاية الخارجية، تبقى أسيرة حاجتها الدائمة لاعتراف "الآخر" القوي كي تتحول من كيان هش إلى مشروع قابل للاستمرار.
وُلدت فكرة الحرس الوطني في السويداء في فراغ أمني، لكنها قد تواجه إشكاليات تهدد تحول هذا الكيان إلى نسخة مطوّرة عن الفصائل السابقة؛ إذ يقتصر على حماية الدروز، ما يفقده الشرعية الوطنية، وسيعاني من هشاشة التمويل وفشل وعود الرواتب في حال جفاف مصادر التمويل، إضافةً إلى صعوبة توحيد عشرات الفصائل المتباينة. كما أن غياب عقيدة عسكرية واضحة يجعله محدود الفاعلية، فيما يربطه الاعتماد على المرجعية الدينية بصراعات الزعامات. وبذلك، قد ينزلق التشكيل إلى مسار الفوضى والارتهان للخارج كما حدث في تجارب سورية أخرى، ما يحوّل فرصة حماية الجبل إلى مصدر انقسام إذا لم يُضبط تنظيمياً ومالياً وسياسياً.
المصدر: المدن