العلمانية
السويداء: تأجيل الانتخابات يعمق العزلة ويدفع لإدارة ذاتية

محمد كساح

الجمعة 29 آب 2025

يبدو أن تأجيل العملية الانتخابية في محافظات عديدة ومن بينها السويداء الذي أعلنته اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب إلى أجل غير مسمى، لم يلقَ صدىً كبيراً داخل السويداء وفقاً لبعض الآراء التي استطلعتها "المدن"، نظراً لانشغال المحافظة في التحضير لإدارة ذاتية قد تقطع نهائياً مع الحكومة السورية في دمشق، وفقاً لمصادر من داخل المحافظة.
وفيما بررت اللجنة تأجيل الانتخابات من كونه يهدف إلى تحقيق تمثيل عادل للمحافظات الثلاث في مجلس الشعب، يحذر مراقبون من التداعيات السلبية لهذا القرار، على اعتباره يزيد الشرخ الاجتماعي ويعزز قطع العلاقات بين المجتمعات المحلية والدولة السورية الناشئة.
 
عزلة سياسية
ويؤكد مدير شبكة "السويداء 24" ريان معروف، لـ"المدن"، وجود "رفض شديد وسخط شعبي كبير من السلطة المؤقتة في السويداء"، مضيفاً أن " الساحات تشهد مظاهرات متكررة تطالب بتحقيق تقرير المصير". ويلفت إلى أنه " لا أحد يكترث لمسألة مجلس الشعب، حيث لا يوجد أي صدىً للقضية في السويداء". وفقاً لتعبيره.
 
 
أما الناشط السياسي سهيل ذيبان، المنحدر من محافظة السويداء، فيقرأ القرار بمثابة وضع المحافظة ضمن عزلة سياسية، مشيراً في حديث لـ"المدن"، إلى أن " كل ما تقوم به السلطة تجاه السويداء وقامت به، هو انعكاس لسياستها بعزل السويداء واعتبارها خارج الحسابات السياسية للسلطة".
 
 
ولا يخفي السياسي والأكاديمي والناطق باسم هيئة التفاوض السورية سابقا يحيى العريضي، سخطه من مسألة الانتخابات التشريعية بشكل عام، معتبرا في حديث لـ"المدن"، أنه "لا حديث ولا اقتراب من السويداء حتى تُزال آثار العدوان وصدور نتائج التحقيقات بالجرائم التي ارتكبتها وزارتا الدفاع والداخلية"، مؤكداً أن "السويداء تتطلّع لانتخابات حقيقية عامة، ولكن هكذا سلطة ليست مؤهلة أساساً لفعل كبير كهذا".
 
ظروف بيئية معقدة
ولا يرتبط استثناء السويداء من العملية الانتخابية حصراً بما تسمّيه السلطة ظروفاً أمنية، بل يعود إلى بنية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية، وفقاً للقراءة التي أدلى بها الباحث والأكاديمي مالك الحافظ لـ"المدن".
 
 
ويوضح الحافظ أن السويداء أظهرت رفضاً لأي محاولات لفرض نموذج جاهز من المركز، وهذا الاستقلال النسبي جعل من غير الممكن إدخال المحافظة في معادلة انتخابية صُمّمت لتعمل حيث يتوافر قبول للسلطة، لا حيث يتوافر رفض شعبي لها.
 
 
علاوة على ذلك، يرى الحافظ أن نظام الانتخاب الذي أقرته السلطة الانتقالية، القائم على اللجان الناخبة والاختيار غير المباشر، يجد صعوبة في العمل في بيئة مثل السويداء، حيث لا يوجد توافق مجتمعي على شرعية تلك اللجان ولا على آلية تشكيلها. وبالتالي، لم يكن الاستثناء حدثاً طارئاً، وإنما نتيجة طبيعية لفشل السلطة في اختراق البنية الاجتماعية والسياسية للمحافظة.
 
تداعيات خطيرة
وتخفي الخطوة الحكومية تداعيات خطيرة تتعلق بتعميق الفحوة بين محافظة السويداء والدولة، وربما بين مجتمع السويداء وبقية الأطراف الأخرى داخل المجتمع السوري.
 
 
وانطلاقاً من ذلك، لا يخفي سهيل ذيبان وجود توجه لدى الفعاليات السياسية والدينية داخل المحافظة، لإعلان إدارة ذاتية، موضحاً أن "المحافظة بدأت هذه الإجراءات من خلال تعيين لجنة حقوقية بمثابة أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية بالمحافظة". بينما يشير ريان معروف إلى أن "السويداء تتجه نحو الحوكمة، وإدارة الشؤون المحلية"، معتبراً أن "هذا ما يشغل المجتمع المحلي والفعاليات حاليا".
 
 
من جانبه، يفصّل مالك الحافظ في انعكاسات الخطوة بين الآثار على المستوى المجتمعي حيث سيُقرأ الاستثناء كإشارة إلى أن السلطة الجديدة لا تختلف عن سابقتها في التعاطي مع الأطراف الرافضة، فبدلاً من محاولة دمجها بالحوار أو تقديم ضمانات للتمثيل، تختار استبعادها من العملية السياسية.
 
 
ويؤكد أن هذا يعمّق فجوة الثقة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية، ويدفع نحو بناء بدائل محلية، سواء كانت لجاناً مدنية أو هياكل شبه سياسية، ما يعني عملياً تعزيز اللامركزية القسرية على حساب مشروع وطني موحّد.
 
 
أما على المستوى الرمزي، فيرى الحافظ أن البرلمان الذي يُفترض أن يكون تجسيداً للشرعية الشعبية سيبقى مثقوباً ومشوّهاً، إذ يغيب عنه تمثيل مناطق أساسية، ما يجعل أي حديث عن شمولية أو عدالة العملية السياسية كلاماً بلا مضمون.
 
 
المصدر: المدن