العلمانية
نظام جديد لاستئناف اللجوء… بداية لنهج أكثر صرامة في بريطانيا

العرب اللندنية

الأربعاء 27 آب 2025

في خطوة تعكس سعي حكومة كير ستارمر الجديدة لاحتواء أزمة الهجرة المتصاعدة، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية عن خطط لإصلاح آلية استئناف قرارات اللجوء، في محاولة لتسريع ترحيل من رُفضت طلباتهم، والحدّ من الاعتماد المتزايد على الفنادق لإيواء المهاجرين.
 
وبحسب الخطة التي كُشف عنها الأحد، ستُشكّل لجنة جديدة من المحكمين المستقلين تُعنى حصريا بقضايا استئناف طالبي اللجوء، في محاولة لتقليص فترات الانتظار الطويلة التي تصل حاليا إلى 53 أسبوعا، بحسب وكالة بلومبيرغ. وستعطى الأولوية للقضايا المرتبطة بالمقيمين في مساكن ممولة من القطاع العام، وكذلك الأفراد المصنّفين كمرتكبي جرائم.
 
وتأتي هذه الإجراءات وسط احتجاجات متزايدة في أنحاء البلاد، تُعبّر عن رفض قطاعات من السكان لاستخدام الفنادق والمساكن المؤقتة لإيواء المهاجرين، في ظل ما يعتبره البعض عبئا على دافعي الضرائب، وسوء إدارة لملف الهجرة. وتقول وزارة الداخلية إن التراكم الكبير في القضايا العالقة يعود في جزء كبير منه إلى بطء الإجراءات القضائية، لاسيما على مستوى الاستئناف، مما يُجبر السلطات على الإبقاء على طالبي اللجوء داخل مساكن مؤقتة لفترات طويلة، بتكلفة مالية مرتفعة.
 
وتأمل حكومة حزب العمال في أن يؤدي إنشاء اللجنة الجديدة إلى تحسين الكفاءة القضائية دون الإخلال بحقوق طالبي اللجوء في الطعن والاستئناف، لكنها تواجه تحديات معقّدة على هذا الصعيد، إذ تشدد المنظمات الحقوقية على ضرورة ضمان معايير العدالة، ورفض أي تسريع قد يُفضي إلى قرارات تعسفية أو ترحيلات خاطئة.
 
ويرى مراقبون أن ستارمر يسعى لفرض توازن دقيق بين خطاب حزبه التقليدي الداعم لحقوق الإنسان والمهاجرين، وبين الضغوط السياسية والشعبية المتزايدة التي تطالب بسياسات أكثر صرامة. لكن القراءة المتأنية لهذا المشروع تكشف عن ملامح توجه أشد صرامة في التعامل مع ملفات الهجرة، ربما يقترب في بعض أوجهه من سياسة الردع التي انتهجتها الحكومات المحافظة السابقة، ولو بلغة قانونية أكثر نعومة.
 
وورثت حكومة حزب العمال، التي تولت السلطة مؤخرا، ملفا شائكا لطالما أثار الجدل في بريطانيا، خاصة في أعقاب بريكست ومحاولات الحكومات السابقة فرض سياسات متشددة، مثل خطة ترحيل المهاجرين إلى رواندا، التي واجهت عقبات قانونية وسياسية كبيرة. وإذا كانت خطة ستارمر تُركّز على ترشيد المسار القضائي لتقليص التكلفة والانتظار، فإنها لا تُخفي القلق العميق لدى فئات واسعة من المجتمع المدني بشأن توجهات الحكومة في التعامل مع الفئات الأكثر ضعفا، لاسيما اللاجئين الفارّين من مناطق النزاع.
 
ويبقى نجاح الخطة مرهونا بسرعة تشكيل اللجنة الجديدة، وضمان استقلاليتها، وقدرتها على الفصل بين الحالات دون تسييس، فضلا عن مدى فعالية التنسيق بين وزارات الداخلية والعدل والهجرة، في وقت تواجه فيه بريطانيا أيضا تحديات لوجستية في تنفيذ قرارات الترحيل، وقيودًا دولية في التعاون مع بلدان المهاجرين.
 
ومع ذلك، تبدو الحكومة مصممة على تقديم هذه التعديلات كمؤشر على كفاءتها في معالجة ملفات شائكة، دون الخروج عن الأطر القانونية. ويُتوقع أن تتحول هذه القضية إلى محور نقاش سياسي ساخن في الأشهر المقبلة، وسط اختبار حقيقي لقدرة حكومة ستارمر على التوفيق بين الواقعية السياسية والالتزام الحقوقي.
 
ولم تكن بريطانيا سباقة في التفكير بإصلاح آليات اللجوء، بل تسير على خُطى عدد من الدول الأوروبية التي واجهت في السنوات الأخيرة تحديات متشابهة. وأعادت ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا، على وجه الخصوص، النظر في أنظمتها الخاصة باللجوء بهدف تقليص الفجوة بين تقديم الطلب والفصل فيه، مع التركيز بشكل خاص على تسريع البتّ في الملفات المرفوضة وترحيل أصحابها.
 
وفي ألمانيا، أدخلت حكومة المستشار أولاف شولتس منذ عام 2022 سلسلة من التعديلات القانونية لتسريع ما يُعرف بـ”الإجراءات المعجلة”، خصوصا في حالات اللجوء من بلدان مصنّفة “آمنة”. وتم تقليص فترات الطعن، وتوسيع صلاحيات الترحيل، مع منح سلطات الولايات أدوات قانونية أقوى لتنفيذ قرارات الرفض.
 
وجاء هذا التوجه نتيجة ضغط سياسي متصاعد من أحزاب اليمين المتطرف، واحتقان شعبي بعد ارتفاع أعداد طالبي اللجوء في أعقاب الحرب الأوكرانية والأزمات في الشرق الأوسط وأفريقيا. واتخذت فرنسا أيضا منحى مشابهًا، حيث اعتمدت منذ عهد الرئيس إيمانويل ماكرون إستراتيجية تقوم على ما يُسمى بـ”الفصل المزدوج”: تشديد الإجراءات الأمنية وترحيل من لا يُمنحون الحماية، مقابل تسهيل إدماج من يحصلون عليها.
 
ومن أبرز الخطوات الفرنسية إنشاء “مراكز استقبال أولية” خارج باريس والمناطق الحضرية الكبرى، بحيث يتم فرز الملفات بسرعة أكبر بعيدًا عن الضغط الميداني. كما تم إدخال إصلاحات على مجلس الدولة والمحاكم الإدارية لتقليص زمن الفصل في الاستئنافات. وأما إيطاليا، فقد تبنّت خلال حكوماتها المتعاقبة نهجًا أكثر صرامة، خصوصًا تحت حكم اليمين الشعبوي بقيادة جورجيا ميلوني.
 
وتم تعديل قانون الحماية الدولية، وتقييد الوصول إلى الإقامة الإنسانية، وتسريع عمليات الطرد، وفرض قيود على المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط. كما أبرمت روما اتفاقات ثنائية مثيرة للجدل مع دول مثل تونس وليبيا لتقييد تدفق المهاجرين، في إطار سياسة الردع الإقليمي.
 
ولكن اللافت في كل هذه التجارب الأوروبية أن عمليات “تسريع الفصل” كثيرًا ما اصطدمت بالقيود القانونية الأوروبية، لاسيما الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وقوانين الاتحاد الأوروبي المتعلقة باللجوء.
 
وبينما تحاول لندن رسم سياسة هجرة جديدة مستقلة، فإن مقاربتها تُراقب بعناية داخل أوروبا، حيث تنظر بعض الحكومات إليها كمختبر محتمل لسياسات أكثر صرامة، لكنها أيضا محل انتقاد من منظمات حقوق الإنسان الدولية التي تحذر من تدهور المعايير. بالتالي، فإن الإصلاحات البريطانية في هذا السياق، رغم أنها تبدو منسجمة مع موجة أوروبية أوسع لتقليص “اللجوء غير الشرعي”، إلا أنها تُنفّذ في بيئة قانونية وسياسية مختلفة، تزيد من مخاطر الانزلاق نحو ممارسات قد تُفهم كتمييزية أو غير إنسانية، ما لم تُرفق بضمانات قانونية ومؤسسية قوية.