الرقمنة في خدمة الاعتدال: إستراتيجية مغربية لتحصين الخطاب الديني
محمد ماموني العلوي
الإثنين 18 آب 2025
تتحرك وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب بخطى مدروسة نحو تأهيل الحقل الديني رقميا، استجابة للتحديات التي تفرضها الثورة الرقمية وتغير أنماط تلقي الخطاب الديني، خاصة في أوساط الشباب.
وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، وما يرافقها من توسع حضور التيارات المتطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز مشروع رقمنة العمل الدعوي في المغرب كخطوة إستراتيجية تهدف إلى تحصين الهوية الدينية الوطنية، وتعزيز القيم الوسطية والاعتدال ضمن فضاء رقمي تغزوه أفكار متضاربة ومؤثرة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الوزارة تدير عشر منصات للتواصل الاجتماعي تسجل تفاعلا كبيرا، معظم متابعيها من فئة الشباب، ما يبرز التحول في طبيعة التلقي الديني وانتقاله من منابر المساجد والمجالس التقليدية إلى الشاشات والهواتف المحمولة.
ومن هذا المنطلق، لم يعد تحديث الخطاب الديني ترفا فكريا أو خيارا مؤجلا، بل بات ضرورة أمنية وفكرية وثقافية في مواجهة موجات التطرف، والتشكيك، والاغتراب الثقافي.
ويعكس هذا التوجه وعيا رسميا بأن الرقمنة ليست مجرد وسيلة تكنولوجية، بل هي مجال إستراتيجي لإعادة بناء العلاقة بين الدين والمجتمع، على أساس القرب والتفاعل والمرونة، في إطار مؤسسي يحرص على الانسجام مع الثوابت المغربية: العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، التصوف السني المعتدل، ومؤسسة إمارة المؤمنين.
وفي هذا الإطار، تُبرز الوزارة اهتماماً بالغا بتأهيل الأطر الدينية، حيث أطلقت برنامجا رقميا لفائدة أكثر من 3900 إمام ومرشد ومرشدة، بهدف تمكينهم من أدوات إنتاج محتوى ديني تفاعلي، ومهارات التواصل الرقمي، بما يعزز حضورهم على المنصات الاجتماعية، ويقوي تفاعلهم مع أسئلة الواقع وهموم الشباب.
ويشكل هذا التأهيل حجر الزاوية في أيّ تحول رقمي جاد، إذ أن فاعلية الخطاب الديني الرقمي لا تتوقف عند التقنية، بل تتطلب علماً رصيناً، ووعياً بخصوصيات المتلقي، وتواصلاً مبنياً على الاحترام والمعرفة المتبادلة.
ويقول محللون إن المراهنة على الخطاب الديني الرقمي تتجاوز منطق الدفاع والتصدي للتطرف، لتتحول إلى مشروع بناء هوية متجددة داخل بيئة افتراضية عابرة للحدود، بحيث لا يبقى الخطاب الديني حبيس المساجد أو الدروس التقليدية، بل يصبح جزءا من المشهد الرقمي العالمي، يؤثر ويتأثر، وينافس على المشروعية في فضاء مفتوح.
وقال خالد التوزاني، الباحث في المجال الديني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي في تصريح لـ”العرب”، إنه أمام تزايد نفوذ هذه التيارات المتطرفة وتعزيز حضورها الرقمي في مواقع التواصل الاجتماعي بأشكال متباينة وبوتيرة متصاعدة، فإن مشروع رقمنة الخطاب الديني يمثل ضرورة ماسة وحاجة ملحة لتحصين الثوابت الدينية للمملكة وحفظ هويتها.
وفي الوقت نفسه، لم تغفل الوزارة البعد المؤسساتي للمشروع، إذ بادرت إلى تحديث بنيتها التحتية الرقمية، وتعزيز إنتاج المحتوى، عبر أرشفة خطب الجمعة والدروس الوعظية، ونشر المجلات والبحوث والفتاوى، إضافة إلى إطلاق منصات تفاعلية مثل تلك الخاصة بالحديث النبوي الشريف، والتي تستقبل آلاف الأسئلة من المواطنين، ما يُعزز مفهوم الفتوى التشاركية والتفاعلية ويجعل الدين قريبا من الناس بلغتهم وأسئلتهم الواقعية.
المراهنة على الخطاب الديني الرقمي تتجاوز منطق الدفاع والتصدي للتطرف، لتتحول إلى مشروع بناء هوية متجددة داخل بيئة افتراضية عابرة للحدود
وأما على صعيد الرؤية الكبرى، فإن المبادرة تنسجم مع دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى تأطير الحقل الديني وتحصينه، وهي دعوة تحمل بعدا حضاريا وأمنيا في آن، إذ تستهدف إعادة إنتاج القيم المغربية الأصيلة في قالب تواصلي حديث، وترسيخ خطاب ديني يعزز التماسك المجتمعي، ويفتح أبواب الفهم والتسامح والاعتزاز بالذات.
ويشهد الخطاب الديني الموجه إلى الشباب المغربي اليوم تحديات عميقة لا تتعلق فقط بتطوير الوسائط الرقمية أو تحديث اللغة، بل ترتبط أساسا بتغير في بنية الوعي القيمي والثقافي لدى هذه الفئة.
وبات واضحا أن مجرد الانتقال من المنابر التقليدية إلى الشاشات لا يضمن التأثير، ما لم يصاحب ذلك تحول في طبيعة الرسالة نفسها، وفي الكيفية التي يُصاغ بها الدين كشريك في حياة الشباب، لا كمجرد مجموعة أوامر ونواهٍ.
ولم تعد فاعلية الخطاب الديني تقاس فقط بمدى استقامته العقدية أو التزامه بالنصوص، بل بقدرته على المرافقة والإصغاء، وعلى تقديم معاني دينية تنسجم مع الإكراهات الجديدة دون أن تتخلى عن جوهرها.
وفي هذا السياق، لا يكفي إنتاج محتوى ديني منضبط شرعيًا، بل يجب أن يكون هذا المحتوى متجددًا في لغته، حساسًا لقضايا الجيل، قريبًا من همومه الواقعية، بعيدًا عن التنميط الأخلاقي أو الخطاب المعياري الذي يُشعر المتلقي بالذنب بدل أن يمنحه الأمل. كما أن الخطاب الذي يتعامل مع الشباب من موقع الواعظ الأخلاقي أو الحارس القيمي، دون إدراك لبنيته النفسية والهوياتية، لن ينجح في جذب انتباهه أو بناء علاقة ثقة معه.
ويشير مراقبون إلى أن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق الدفاع والتصدي للتطرف أو الانحراف فحسب، إلى منطق البناء والمرافقة، بحيث يصبح الخطاب الديني الرقمي دعامة للتماسك المجتمعي، وأداة لتحفيز التفكير النقدي الإيجابي، ومنصة تحترم ذكاء الشباب وتثق بقدرته على البحث عن الحقيقة.
ويظل التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المشروع، بحسب عدد من المختصين، هو ضمان المهنية والموثوقية والاستمرارية في إنتاج المحتوى الديني، وتفادي الانزلاق نحو الابتذال أو الانغلاق، في مشهد رقمي تتنافس فيه الرسائل وتتنازع فيه المرجعيات.
المصدر: العرب اللندنية