أوروبا واليمين المتطرف: تحالف الضرورة أم زلزال أيديولوجي؟
سلام الكواكبي
الخميس 7 آب 2025
مع بداية الدورة البرلمانية الجديدة للاتحاد الأوروبي في تموز/ يوليو 2024، بدا أن السياسة الأوروبية تقف على أعتاب مرحلة مختلفة كليًا. اليمين المتشدد، الذي كان حتى الأمس القريب محاصرًا خارج حدود السلطة، دخل اليوم من الباب العريض، ليس فقط عبر صناديق الاقتراع، بل من خلال تحالفات غير معهودة مع قوى كانت تصنّف نفسها تقليديًا ضمن "التيارات المعتدلة". ما كان يُعدّ من المحظورات السياسية أصبح اليوم جزءًا من البراغماتية اليومية داخل أروقة البرلمان.
المقال التالي يرصد هذا التحول بدقة، ويطرح سؤالًا محوريًا حول الوجه الجديد الذي تتجه أوروبا إليه.
في مشهد سياسي لم تعرفه مؤسسات الاتحاد الأوروبي منذ نشأتها، بدأت رياح اليمين المتشدد تُحدث اضطرابًا فعليًا في توازن القوى داخل البرلمان الأوروبي، عقب انتخابات حزيران/ يونيو 2024. ومع انطلاق الدورة البرلمانية الجديدة في تموز/ يوليو، انكشف تحول نوعي عميق: المحافظون تخلّوا عن تحالفاتهم التقليدية، وفتحوا الباب أمام تعاون غير مسبوق مع أطراف كانت حتى وقت قريب تُعتبر من المحظورات السياسية، وهي أحزاب اليمين المتطرف.
هذا الانعطاف لا يقتصر على مجرد حسابات برلمانية عابرة، بل يعكس تغيرًا هيكليًا في بنية التفكير السياسي داخل البرلمان الأوروبي. التحالفات الجديدة لا تُخفي نواياها: تشريعات أكثر تشددًا، وأولويات تميل إلى منطق الردع والسيطرة، بدلًا من خطاب الحقوق والمبادئ الذي لطالما تغنّت به بروكسل.
أبرز تجليات هذا المنعطف تجسدت في قرار حزب الشعب الأوروبي، الكتلة الأقوى في البرلمان، بالتحالف مع ثلاث مجموعات يمينية متشددة، في طليعتها تكتلات معروفة بخطابها العدائي تجاه المهاجرين والأقليات. هذا التحالف جاء على أنقاض انسحاب الحزب من تنسيقه التقليدي مع الليبراليين والاشتراكيين، محدثًا ما يشبه القطيعة مع المسارات المعتادة لصناعة القرار الأوروبي.
وإن بدا هذا التغيير تكتيكًا براغماتيًا لتأمين ملفات معينة، كملف الهجرة مثلًا، إلا أن المؤشرات الأولى تكشف عن تبدل أعمق في ذهنية الحزب ونهجه: الخط الأحمر الذي كان يفصل بين الأحزاب "المعتدلة" و"المتطرفة" لم يعد مقدسًا، بل تحول إلى أداة قابلة للتجاوز كلما دعت الحاجة.
التحركات بدأت مباشرة داخل لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان، حيث يسعى التحالف الجديد للسيطرة على مسار قانونين محوريين: الأول يخص تصنيف "البلدان الثالثة الآمنة"، ما يسمح بترحيل طالبي اللجوء إلى دول خارج الاتحاد، والثاني يُصنّف "البلدان الأصلية الآمنة"، بما يتيح رفضًا سريعًا للطلبات المقدمة من رعاياها. هذه التشريعات لا تعدو أن تكون تعديلًا في التفاصيل، بل هي تغيير في جوهر السياسة الأوروبية بشأن الهجرة.
منسقة حزب الشعب الأوروبي داخل اللجنة لم تتردد في تبرير التحالف الجديد بغياب التوافق مع الكتل الليبرالية والاشتراكية، مدعية أن احتمال تسليم مشاريع حساسة للخضر أو اليسار الراديكالي لم يكن مقبولًا. وقد وصفت التحالف مع اليمين المتطرف بأنه "خيار الضرورة"، لضمان هيمنة حزبها على نصوص تراها مركزية لبرنامجه السياسي.
لكن خلف هذه الرواية، تكشف تقارير متعددة عن أن التنسيق مع اليمين المتطرف لم يكن وليد اللحظة. بل تشير إلى أن التفاهمات كانت قائمة قبل حتى انعقاد البرلمان، وجرى التفاوض بشأنها في الكواليس. نائب فرنسي من أقصى اليمين لم يُخفِ الأمر، بل أكد أن دعمهم لحزب الشعب كان محسومًا منذ البداية، لتفادي "اختطاف" ملف الهجرة من قبل اليسار.
ردود الفعل لم تتأخر. الكتل الليبرالية والاشتراكية شجبت هذا التحالف واعتبرته انتهاكًا واضحًا لـ"الخط الأحمر" الذي كان يفصل أوروبا عن شبح التطرف. بالنسبة لهم، ما حصل لا يهدد فقط توازن السلطة داخل البرلمان، بل يضرب في الصميم مشروع الاتحاد ذاته، القائم على قيم الانفتاح والتعددية وحقوق الإنسان.
الأخطر أن ما يحدث تحت قبة البرلمان لا يعكس مجرد مواقف حزبية، بل تحولات أوسع في المزاج العام الأوروبي. الخطاب الأمني الشعبوي القائم على الخوف من المهاجرين والهويات الثقافية المختلفة أصبح جذابًا لشرائح كبيرة من الناخبين. ولم تعد الأحزاب الكبرى محصنة أمام هذا التيار، بل بدأت تُقلّد لغته، وتتبنى أجندته، ولو جزئيًا، لضمان بقائها في اللعبة السياسية.
التحول لا يقف عند حدود البرلمان. فقد استلمت الدنمارك، منذ مطلع تموز/ يوليو، رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، وهي معروفة بمواقفها المتشددة تجاه الهجرة. ويبدو أن من أولوياتها تعزيز ما يُسمى بـ"الشراكات الخارجية"، التي تهدف إلى معالجة طلبات اللجوء خارج أراضي الاتحاد، في صيغة تثير تساؤلات جدية حول احترام مبادئ اللجوء والكرامة الإنسانية.
ما نشهده ليس مجرد تعديل في التحالفات، بل لحظة انعطاف كبرى في مسار الاتحاد الأوروبي. انكسار "التابوهات" السياسية، واندماج الخطابات اليمينية المتطرفة داخل التيارات المحافظة. نحن أمام لحظة سياسية تعيد رسم ملامح المشروع الأوروبي نفسه، من الداخل. دخول اليمين المتطرف إلى قلب المفاوضات البرلمانية لم يعد استثناءً، بل مؤشرًا على تحوّل أوسع في المزاج العام، وربما في الهوية السياسية للاتحاد. والسؤال: هل الاتحاد الأوروبي بصدد إعادة صياغة نفسه على أسس جديدة؟ أسس تُقدّم منطق الأمن والسيطرة على حساب المبادئ الليبرالية التي بُني عليها؟ هل ما زال الاتحاد قادرًا على الحفاظ على جوهره الأخلاقي وسط هذه الزوابع، أم أن صعود اليمين المتشدد سيُعيد تشكيل أوروبا بصورة مختلفة أقل انفتاحًا، أكثر حذرًا، وأبعد ما تكون عن الحلم الأوروبي كما عرفناه؟
المصدر: المدن