العلمانية
الدروز في قلب صراعات الشرق الأوسط: وحدة دينية وهشاشة سياسية

العرب اللندنية

الخميس 17 تموز 2025

الدروز أقلية دينية مميزة في الشرق الأوسط تجمع بين خصوصية عقدية ودور سياسي فاعل في دول عدة. والأحداث الأخيرة في السويداء تكشف تعقيدات وضعهم بين التحديات الأمنية والحفاظ على هويتهم وسط الصراعات الإقليمية المتصاعدة.
 
 تشكل الطائفة الدرزية في الشرق الأوسط نموذجًا فريدًا لأقلية دينية تجمع بين خصوصية عقائدية عميقة وهشاشة سياسية – جغرافية، ما يجعل وضعها في سياقات الصراعات الراهنة معقدًا ومتفردًا.
 
ونشأت الدعوة الدرزية في مطلع القرن الحادي عشر ضمن إطار المذهب الإسماعيلي، غير أنها تطورت إلى عقيدة سرية ومغلقة إلى حد كبير، تعتمد على مبدأ الخطاب الظاهر والباطن، وترتكز على تعاليم فلسفية ودينية تنفرد بها عن باقي المذاهب الإسلامية، مثل الإيمان بالتقمص وسبع وصايا أخلاقية أساسية.
 
وترتبط هذه الخصوصية الدينية، التي تفرض نوعًا من الانعزال المجتمعي والاحتفاظ بالتعاليم داخل إطار الطائفة، ارتباطًا وثيقًا بحفاظ الدروز على تماسكهم الاجتماعي والهوية الجماعية في بيئة غالبًا ما تكون معادية أو متوترة.
 
ويعيش الدروز في مناطق جبلية متناثرة بين لبنان وسوريا وفلسطين والأردن وإسرائيل، حيث شكلوا تاريخيًا قوة اجتماعية وسياسية ضاغطة رغم كونهم أقلية صغيرة نسبيًا، مستفيدين من زعامات إقطاعية وعائلية تميزت بالقدرة على المناورة السياسية، كما في حالة كمال جنبلاط في لبنان وسلطان باشا الأطرش في سوريا.
 
وفي سياق الحرب السورية المستمرة، يظهر التوتر الدرزي في محافظة السويداء على نحو يبرز التحديات التي تواجه هذه الطائفة في الحفاظ على دورها التقليدي. وحرص الدروز على البقاء محايدين نسبيًا في الصراع، لكن الاشتباكات الأخيرة مع مسلحين بدو في جنوب سوريا كشفت هشاشة وضعهم، وأظهرت مدى تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تدخلت إسرائيل لحماية ما تصفه بـ”أبناء الأقلية الدرزية،” متخذة من ذلك ذريعة لشن ضربات جوية على القوات السورية، ما يضاعف من أبعاد الصراع ويبرز مخاوف من تصعيد أوسع.
 
ويقول نبيل المصري أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة بيروت “تُعتبر الطائفة الدرزية حالة فريدة من نوعها في الشرق الأوسط، إذ حافظت على سرية تعاليمها وهويتها رغم التحديات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي مرت بها عبر القرون. ففي ظل الحروب الحالية في سوريا ولبنان، تبرز هشاشة وضعهم حيث باتوا عرضة لصراعات إقليمية لا تخصهم، ما يعرض مستقبلهم للخطر.”
 
ويتداخل هذا التوتر مع تناقضات داخلية في الطائفة نفسها، بين مواقف تحذر من جر الدروز إلى صراعات مذهبية لا تنتهي وبين إصرار على انتماء سوري واضح، ما يعكس صراعات نفوذ متعددة الأوجه في منطقة تمتد عبر ثلاث دول رئيسية. وتظهر هذه الانقسامات كيف أن الدروز، رغم محافظتهم على خصوصيتهم، ليسوا بمنأى عن التحولات السياسية الكبرى التي تعصف بالمنطقة.
 
وترى ليلى عادل خبيرة في الجماعات الدينية والسياسات الطائفية أن “الخصوصية العقائدية للدروز التي تعتمد على مبدأ الخطاب الظاهر والباطن ساعدتهم على خلق نوع من التماسك المجتمعي الداخلي، لكن هذا الانغلاق جعلهم أكثر عرضة للعزلة السياسية. وما نشهده في السويداء من صراع داخلي هو انعكاس لضغوط متزايدة من محيط إقليمي شديد التعقيد.”
 
 
ومن ناحية أخرى، يشكل اشتراك الدروز في المؤسسات الرسمية، خصوصًا في إسرائيل حيث يخدمون في الجيش ولديهم محاكم وروحانيون مستقلون، نموذجًا مختلفًا عن وضعهم في سوريا ولبنان، ما يعكس قدرة الطائفة على التكيف مع أنظمة الحكم المختلفة مع الحفاظ على هويتها.
 
وتؤكد هناء سليمان الخبيرة في الحركات المسلحة والطائفية في سوريا أن “اشتباكات السويداء الأخيرة تمثل انفجارًا لمجموعة من الأزمات المتراكمة بين المجتمعات المحلية، لكنها تعكس أيضًا إستراتيجيات أوسع يستخدمها اللاعبون الإقليميون لتعزيز نفوذهم. فالطائفة الدرزية قد تجد نفسها محاصرة بين تداعيات الصراع السوري وتداخل الأجندات الخارجية.”
 
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الطائفة الدرزية اليوم في مفترق طرق بين المحافظة على خصوصيتها الدينية والاجتماعية وبين الضغوط المتزايدة للصراعات الإقليمية المتشابكة التي تحمل تهديدات وجودية لأدوارها السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يستوجب قراءة دقيقة لتوازناتها الداخلية وعلاقاتها مع القوى المحلية والإقليمية، خاصة في ظل تدخلات خارجية تؤجج الخلافات الداخلية، كما يحدث في السويداء.
 
وتعود جذور التوترات بين الدروز والجيران في مناطق مثل السويداء وجبال لبنان إلى تاريخ طويل من التنافس على الموارد والسلطة، إضافة إلى الاختلافات الدينية والاجتماعية. وشكل هذا التداخل بين التعاون والاحتكاك نموذجًا متكررًا في العلاقات الطائفية والإثنية في المنطقة، حيث يجمع التعايش مع الحذر من الصراعات المفاجئة.
 
وتعد الأقليات الدينية مثل الدروز ضحايا رئيسيين لصراعات القوى الكبرى في الشرق الأوسط، حيث يُستخدمون أحيانًا كأدوات في معارك النفوذ بين الدول، مثل التدخلات الإسرائيلية والإيرانية والتركية في سوريا ولبنان. وتخلق هذه الديناميكية بيئة سياسية مضطربة تزيد من هشاشة وضع هذه الأقليات.
 
وعلى الرغم من حجمهم الصغير، ساهم الدروز بشكل ملموس في الحياة المدنية والسياسية في دول انتشارهم، عبر مشاركتهم في المؤسسات العسكرية والأمنية، والاقتصاد، والتعليم، ما جعلهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني، مع محاولة متواصلة للحفاظ على هويتهم الخاصة.
 
وتعزز تعاليم الدروز التي تركز على السرية والانغلاق على الذات من قوة التماسك الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تحد من قدرتهم على تشكيل تحالفات أوسع، ما يجعلهم في وضع صعب عند التعامل مع القوى السياسية الأكبر، ويضعهم أمام خيارات إستراتيجية محدودة في أوقات الأزمات. وشهدت المجتمعات الدرزية تحولات ديموغرافية عبر الهجرة الداخلية والخارجية، حيث هاجر عدد كبير منهم إلى أميركا وأوروبا وأستراليا، ما أدّى إلى تشتت جغرافي وأثّر على التماسك الاجتماعي والسياسي داخل الطائفة، خاصة مع تراجع أعدادهم في المناطق التقليدية.
 
ولطالما اعتمد الدروز على تنظيمات محلية للدفاع عن أنفسهم في وجه التهديدات، مع تباين في قدرة هذه التنظيمات في مختلف الدول، كما شهدت بعض المناطق إنشاء مجموعات مسلحة خاصة للدفاع عن مصالح الطائفة، وهو أمر يعكس الأبعاد الأمنية المعقدة في سياق النزاعات الإقليمية. وتتسم الزعامات الدرزية، سواء الدينية أو السياسية، بالدور الحاسم في توجيه مواقف الطائفة من القضايا الوطنية والإقليمية، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التكيف مع التغيرات السياسية والاجتماعية المعاصرة، خصوصًا بين الأجيال الجديدة التي تطالب بمواقف أكثر انفتاحًا ومرونة.
 
ويرى الباحث في الشؤون الدينية مكرم رباح أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية ببيروت أنه “تاريخيًا، لعب الدروز دورًا سياسيًا هامًا رغم صغر حجمهم، لكنهم يواجهون اليوم تحديات جسيمة بسبب انقسام مواقف قياداتهم بين الحياد والتورط في الصراعات المحلية والإقليمية. فالحفاظ على وحدة الطائفة وسط هذه الانقسامات بات من أصعب المهمات.”