العلمانية
الصين تراقب بحذر الانفتاح التركي القائم على الروابط العِرقية مع مغتربي التركمان في لبنان

العرب اللندنية

الثلاثاء 3 شباط 2026

تعتمد الصين موقفًا متحفظًا وحذرًا تجاه السياسات التركية التي تقوم على ما يُعرف بـ«الروابط العِرقية»، أو «القومية التركية»، بوصفها أداة لتوسيع النفوذ الخارجي، بما في ذلك التحفيز على منح الجنسية التركية للتركمان اللبنانيين.
 
ويعود هذا الموقف إلى عدة أسباب، في مقدمتها الموقف الصيني الصارم الرافض لما تسميه «السياسات العِرقية التركية» ودفاع بكين عن مبدأ سيادة الدول. إذ ترفض الصين مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية، وتعتبر توظيف الانتماء العِرقي في السياسة الخارجية—أو ما يُعرف بـ«الطورانية»—تهديدًا مباشرًا لمبدأ «سيادة الدولة»، وتخشى أن يتحول إلى نموذج يُحتذى به للتدخل في دوائر نفوذ أخرى.
 
وتتجلى حساسية السياسة الصينية، على وجه الخصوص، تجاه «القومية التركية» في نظرة بكين بعين الريبة إلى أي تحرك تركي يهدف إلى تعزيز هوية عِرقية مشتركة خارج الحدود، لما لذلك من تداعيات مباشرة على النزعات الانفصالية داخل الصين، ولا سيما في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) الذي يقطنه الإيغور من أصول تركية.
 
وتخشى الصين سابقة منح الجنسية التركية لعدد من الأقليات العِرقية في لبنان، إذ ترى—من منظورها—أن ذلك قد يُفضي إلى إنشاء مراكز قوى عِرقية.
 
كما تنظر بكين إلى وعود تركيا (التي أعلنها وزير خارجيتها عام 2020) بمنح الجنسية للتركمان اللبنانيين على أنها محاولة لتغيير التوازن الديمغرافي والسياسي، وتعدّها شكلًا من «اللعب بالقوة العِرقية» القادر على زعزعة استقرار دول هشّة.
 
وتخشى الصين توسّع دعم أنقرة لمبدأ «الوحدة العِرقية التركية» وما قد يترتب عليه من آثار على أمن إقليم شينجيانغ الذي يضم أقلية ذات أصول تركية.
 
كما تخشى أن يشجّع نجاح هذه السياسة في لبنان أو غيره أنقرة على تقديم تنازلات مماثلة—كالجوازات أو حقوق الإقامة—للإيغور، كما حدث في سنوات سابقة، ما أدى إلى توترات دبلوماسية حادّة بين البلدين.
 
ورغم أن الصين لم تُصدر بيانًا رسميًا مباشرًا بشأن قرار تركيا منح الجنسية للتركمان في لبنان أو لغيرهم، فإن تحفظاتها الضمنية يمكن استنتاجها من عدة سياقات، أبرزها الحساسية الصينية تجاه «الهوية التركية».
 
وتنظر بكين بعين الشك إلى أي سياسات تعزّز الروابط العابرة للحدود على أساس «الهوية التركية»، نظرًا لارتباط هذا المفهوم بقضية الإيغور في شينجيانغ. فالإيغور مجموعة عِرقية تركية تتولى تركيا أحيانًا الدفاع عن حقوقها، وهو ما تعتبره بكين تدخلًا في شؤونها الداخلية.
 
وإلى جانب ذلك، تعتمد الصين سياسة تدقيق أمني مشددة تجاه الأفراد الذين لديهم صلات بتركيا؛ إذ تفرض قيودًا وفحوصات إضافية على من زاروا تركيا أو تربطهم بها علاقات قوية عند التقدم بطلبات تأشيرة دخول إلى الصين، بما يعكس تنامي القلق الأمني الصيني حيال «النشاط العِرقي» المرتبط بتركيا.
 
وتلتزم الصين على نحو ثابت بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وباحترام السيادة الوطنية، وتعارض استخدام الهويات العِرقية كأداة للتأثير السياسي في الدول الأخرى.
 
وهو المنطق ذاته الذي استندت إليه أطراف انتقدت تحركات تركيا تجاه تركمان لبنان، معتبرة إياها «تدخلًا في الشؤون الداخلية». غير أن الصين، في الوقت نفسه، تنتهج مقاربة براغماتية في علاقتها مع تركيا؛ فعلى الرغم من الخلافات حول قضايا الجماعات العِرقية التركية، يحرص كل من بكين وأنقرة على الحفاظ على التعاون الاستراتيجي والاقتصادي.
 
وقد أكدت وزارة الخارجية التركية مؤخرًا (يناير 2026) رغبتها في تعميق التعاون مع الصين.
 
ومع ذلك، باتت الصين أكثر حذرًا إزاء سياسة تركيا القائمة على توظيف «الروابط العِرقية التركية» لتوسيع نفوذها في آسيا الوسطى وشينجيانغ، خشية ما قد يترتب على ذلك من عدم استقرار داخلي، رغم المصالح الاقتصادية المشتركة.
 
وترى بكين أن هذه السياسة—بما تتضمنه من ترويج للهوية التركية والإيغورية—تشكل تهديدًا لسيادتها الوطنية الداخلية، ولا سيما لأقلياتها ذات الأصول التركية في شينجيانغ.
 
ومن هنا، تسعى الصين إلى إدارة هذا التوتر عبر سياسة إدماج تركيا ضمن مبادرة «الحزام والطريق".
 
الصين باتت أكثر حذرًا إزاء سياسة تركيا القائمة على توظيف الروابط العِرقية لتوسيع نفوذها في آسيا الوسطى وشينجيانغ، خشية ما قد يترتب على ذلك من عدم استقرار داخلي، رغم المصالح الاقتصادية المشتركة.
 
وتكمن أبرز نقاط الخلاف من منظور الصين في خشيتها من استغلال «القومية التركية». فبكين تخشى أن يؤدي ترويج أنقرة لهذه القومية إلى إذكاء النزعات الانفصالية لدى أقلية الإيغور ذات الأصول التركية في شينجيانغ.
 
وبناءً عليه، تفرض الصين قيودًا على علاقات تركيا مع «الأقلية الإيغورية» داخل أراضيها. كما تبدي الصين قلقًا من النفوذ التركي في آسيا الوسطى عبر خطاب دعائي يروّج للانتماء العِرقي التركي.
 
وتعدّ بكين انفتاح تركيا على جمهوريات آسيا الوسطى، القائم على دعاوى الامتداد العِرقي التركي، منافسًا لنفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، ولا سيما ضمن إطار مبادرة «الحزام والطريق».
 
وفي هذا السياق، تنتهج الصين سياسة حذر جيوسياسي تجاه تركيا فيما يخص مسألة العِرق والروابط العِرقية التركية، نظرًا لما قد تسببه من ضرر لمصالح الصين ونفوذها في الشرق الأوسط.
 
وبينما تسعى بكين إلى توسيع نفوذها عبر أدوات اقتصادية وتنموية من خلال «الحزام والطريق»، ترى أن «السياسات العِرقية–الدينية التركية» تُفضي إلى استقطاب يعيق الاستقرار الضروري للاستثمارات الصينية.
 
وعليه، تعتمد الصين مقاربة خاصة لإدارة علاقتها مع تركيا. فعلى الرغم من تحفظاتها على السياسات العِرقية التركية، تسعى بكين إلى احتواء أنقرة عبر تعميق الروابط الاقتصادية وتوسيع التبادل التجاري، مستفيدة من احتياجات تركيا الاقتصادية، بما يفرض موازنة حذرة في المواقف السياسية.
 
ومن ثمّ، توجه الصين رسائل دبلوماسية غير مباشرة إلى تركيا، تعبّر فيها عن تحفظاتها على تسييس العِرق واستخدام الهوية العِرقية، وذلك من خلال تأكيدها الدائم في اللقاءات الثنائية على ضرورة احترام «السلامة الإقليمية» و«عدم التدخل»، في رسائل موجّهة إلى أنقرة لوقف دعم الحركات القائمة على هوية عِرقية عابرة للحدود.
 
وبهذا المعنى، لا تعارض الصين مبدأ منح الجنسية بوصفه إجراءً قانونيًا سياديًا في حد ذاته، لكنها تعارض تسييس العِرق واستخدامه أداةً للنفوذ.
 
وتعدّ «التجنيس على أساس عِرقي» في لبنان إشارة تحذير تمسّ أمنها القومي مباشرة، ولا سيما في ما يتصل بقضية الإيغور.
 
وعليه، يتضح أن الموقف الصيني لا يستهدف تركمان لبنان كأفراد، ولا غيرهم، بقدر ما يعكس تحفظًا مبدئيًا على سياسة تركية تستخدم «الروابط العِرقية التركية» لتوسيع النفوذ الخارجي، خشية انعكاساتها على مصالح الصين الحسّاسة، إقليميًا وداخليًا، في آسيا الوسطى وشينجيانغ وغيرها.