العلمانية
"داعش" يستعيد أنفاسه في الجزيرة السورية

أحمد الكناني

الجمعة 30 كانون الثاني 2026

عاد تنظيم "داعش" إلى واجهة الأحداث السياسية والأمنية في سوريا، عقب تحرير الجيش السوري لمناطق واسعة من الجزيرة شرق البلاد، إذ شكلت سجون "داعش" في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحدياً جديداً لدمشق التي تحارب التنظيم، وأولوية إقليمية ودولية، وسط مخاوف من عملية فرار أو استعصاء تفضي لهروب عناصره المتطرفة، كما حصل في سجن "الشدادي" مع اقتراب القوات السورية، حيث نجح مئات السجناء بالفرار قبل أن يعيد الجيش السوري معظمهم، بعد طوق أمني فرضه على المدينة لحظة وصوله.
 
منذ سقوط نظام الأسد نجح تنظيم "داعش" بفرض نفسه في المشهد السوري، إذ أعلن عودته ومحاربته للإدارة الجديدة في دمشق، ونفذ عدة عمليات تنوعت على الجغرافية السورية، وآخرها بعد انضمام سوريا لقوات التحالف في الـ 13/ ديسمبر أسفرت عن مقتل جنود أميركيين على يد عنصر من الأمن العام السوري منتمي للتنظيم.
 
ظروف ملائمة
 
حافظ تنظيم "داعش" خلال السنوات الخمس الأخيرة على جيوبه في منطقة البادية السورية وتدمر، وأرياف دير الزور والرقة، والتي شهدت إعادة لإحياء نفوذه بعد سقوط نظام الأسد من حيث إعادة اتصالاته والفوضى التي شهدتها المنطقة في الأشهر الأولى لسقوط النظام.
 
يشير الخبير في الشؤون العسكرية محمود عبد السلام إلى الطبيعة الجغرافية لمنطقة الجزيرة كبيئة خصبة اعتمدها تنظيم "داعش" في تأسيس نفوذه، ومنطلقاً لعملياته العسكرية، إذ ركز "داعش" منذ سقوط الأسد على تواجده في مدينة تدمر كنقطة ربط واتصال مع المنطقة الشرقية وتحديداً أرياف دير الزور والرقة، مستغلاً التداخل الحدودي مع العراق والأردن، والتمويه في عمق البادية، مستفيداً من الطرق البرية الصحراوية في تنقلاته.
 
ويتابع الخبير العسكري في حديث لـ"المدن" أنه مع تحرير المنطقة وانسحاب قوات "قسد" بدأت عناصر التنظيم بالتحرك بشكل أكثر حرية، واستغلال المعارك الدائرة ضد "قسد" للتوزع والانتشار، إضافة إلى أن فتح "قسد" للسجون وإخراج عناصر التنظيم ما سهل فرار عشرات العناصر والقياديين، الذين سيعملون على إعادة احياء اتصالاتهم في المنطقة.
 
من جانبه يعتقد الأكاديمي والباحث السياسي مروان حمي في حديث لـِ "المدن" أن تحرير الجزيرة بات بيئة مُهيأة لعودة تنظيم "داعش"، بسبب الفراغ الأمني والسياسي والخدمي الذي تعيشه المنطقة إثر انسحاب قوات "قسد" وتفكك بعض كتائبها، إضافة إلى انشغال قوات سوريا الديمقراطية في المناطق التي تسيطر عليها بالمعارك الدائرة، وجميعها عوامل أضعفت التركيز على الملف الأمني الداخلي ومتابعة خلايا "داعش" النائمة، لافتاً إلى أن تدهور الأوضاع المعيشية والانفلات الأمني، يزيد من قابلية تجنيد الشباب المحلي لـِ "داعش"، خصوصاً في المناطق العربية. 
 
تداخلات عشائرية
 
ولا شك أن الوضع الأمني لا يزال هشاً في المنطقة الشرقية بعد معارك خاضها الجيش السوري لتحرير الجزيرة، وفي هذا الإطار ينوه الخبير العسكري عبد السلام إلى متغيرات كبيرة يمكن أن يستغلها التنظيم في إعادة تموضعه شرق البلاد وأبرزها الغطاء العشائري.
 
إذ يستغل تنظيم "داعش" التواصلات العشائرية بين سوريا والعراق كغطاء لتحركاته، ونشره لأفكاره، خصوصاً في ظل الوضع الأمني الراهن، إضافة إلى وجود كميات كبيرة من السلاح كان التنظيم قد أخفاها نتيجة لكثافة عمليات التحالف ضده، والتي أدت لتراجع نفوذه، وجميعها أسباب من المحتمل أن تؤدي لعودة التنظيم، وبشكل أقوى بعد خروج عشرات العناصر والقياديين من السجون. 
 
فيما ينوه الباحث حمي لاحتمالية إعادة التنظيم انتشاره في المناطق الصحراوية الشاسعة شرق سوريا، والبادية السورية-العراقية، حيث توفر الجغرافية الممتدة ملاذاً للتخفي والتحرك. ومن المتوقع أن يعتمد التنظيم على شبكات التهريب التقليدية للأفراد والسلاح، والسيطرة على آبار النفط والغاز، واستقطاب العشائر المحلية المهمشة عبر الإغراء المالي، وتفعيل خلاياه النائمة لتنفيذ عمليات نوعية تمهيداً للتوسع، مستغلاً الانشغال الإقليمي والدولي بالصراعات الأخرى مثل غزة.
 
تحديات أمنية
 
بات واضحاً أن تحرير منطقة الجزيرة يحمل تبعات أمنية وعسكرية، خصوصاً مع ازدياد المساحة الجغرافية لسيطرة الجيش والدولة السورية في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة بأريافهم الواسعة، وفي هذا السياق ينوه الخبير العسكري عبد السلام إلى عدة تحديات تواجهها الدولة السورية خصوصاً بعد التحرير وأبرزها بسط السيطرة الأمنية على الجغرافية الواسعة، والتي تعد بيئة خصبة لتنظيم "داعش".
 
ويلفت عبد السلام إلى ضرورة تدريب وتهيئة العناصر الأمنية القادرة على مواجهة التنظيم المدرب، إضافة إلى تفعيل الرصد، ومراقبة المناطق الحدودية والتي سيستغلها التنظيم في تنقلاته، وعليه لا يمكن أن تقوم الحكومة السورية بهذه الأدوار وحدها دون التنسيق مع الأجهزة الأمنية في المملكة الأردنية الهاشمية والعراق، عدا عن تكثيف الطلعات الجوية للتحالف على مواقع التنظيم وتصفية قياداته.
 
أما حمي فيلفت إلى أن الانقسام السياسي، وتراجع قدرات الجيش اللوجستية بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة، وانشغاله على جبهات متعددة، يمكن أن يضعف من قدرته في مواجهة "داعش"، يعزز ذلك انعدام الثقة بين "قسد" والحكومة والتي ستعطل التنسيق في هذا الملف، مما يترك ثغرات أمنية يستغلها التنظيم لتعزيز وجوده بشكل قد يصعب احتواؤه لاحقاً.
 
يذكر أن تنظيم "داعش" أعلن حربه على الإدارة الجديدة منذ تسلمها إدارة البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 عبر بيان مصور بثه في صحيفته الرسمية النبأ، في العدد 472، واعتبر الرئيس الشرع "قائد عمليات ردع العدوان" قد بدأ "فتح الخطوط والتنسيق مع الصليبيين" وفق بيان "داعش".
 
 المصدر: المدن