العلمانية
قانون فرنسي يجرّم "أشكالًا متجددة" من معاداة السامية يثير جدلا: هل يخلط بين اليهودية والصهيونية؟

العرب اللندنية

الأربعاء 28 كانون الثاني 2026

يثير مشروع قانون فرنسي يهدف إلى مكافحة ما تصفه السلطات بـ«الأشكال المتجددة من معاداة السامية» نقاشًا سياسيًا وفكريًا واسعًا، في ظل مخاوف متزايدة من أن يؤدي إلى خلط إشكالي بين اليهودية كهوية دينية وثقافية، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية ودولة قومية، بما قد ينعكس سلبًا على حرية التعبير والنقاش الديمقراطي في فرنسا.
 
ويأتي المشروع، الذي تقدّمت به النائبة كارولين يادان عن حزب «النهضة» الحاكم، وأُدرج على جدول أعمال الجمعية الوطنية، في سياق تصاعد غير مسبوق في الأعمال المعادية لليهود منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
 
وتؤكد يادان أن معاداة السامية «لم تختفِ يومًا، بل تغيّر أقنعتها»، معتبرة أن استهداف إسرائيل والدعوة إلى تدميرها باتا اليوم الشكل الأكثر شيوعًا لهذه الظاهرة.
 
وينص مشروع القانون على تشديد العقوبات المتعلقة بالتحريض على الإرهاب وتمجيده، خصوصًا عندما يُقدَّم في إطار «المقاومة»، كما يستحدث جريمة جديدة تتمثل في الدعوة إلى تدمير دولة.
 
وكذلك، يوسّع تعريف إنكار المحرقة ليشمل التقليل من شأن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت خلال الحرب العالمية الثانية أو الاستخفاف بها، باعتبار ذلك تعبيرًا من تعبيرات معاداة السامية.
 
غير أن هذا التوسيع في الإطار القانوني يثير اعتراضات واسعة، لا سيما في أوساط اليسار والمجتمع الحقوقي، حيث يُنظر إلى النص على أنه يخلط بين انتقاد سياسات إسرائيل أو الصهيونية كفكرة سياسية، وبين الكراهية الموجّهة ضد اليهود كجماعة دينية أو إثنية.
 
ويرى معارضو القانون أن هذا الخلط قد يحوّل أدوات مكافحة العنصرية إلى وسيلة لتقييد حرية الرأي، خصوصًا في ما يتصل بالقضية الفلسطينية.
 
وفي هذا السياق، حذّرت مقالات وبيانات وقّعتها شخصيات فكرية وحقوقية، من بينها مثقفون فرنسيون من أصول يهودية، من أن دمج انتقاد الصهيونية بمعاداة السامية يقوّض جوهر النقاش الديمقراطي.
 
وأكد هؤلاء أن معاداة السامية جريمة يجب مكافحتها بلا هوادة، لكن توسيع تعريفها ليشمل مواقف سياسية أو تاريخية مثار جدل، قد يفرغ هذا النضال من مضمونه ويُضعف مصداقيته.
 
كما عبّر باحثون ومؤرخون عن خشيتهم من أن يؤدي القانون إلى تقييد البحث الأكاديمي والعمل الصحافي، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الصهيونية وبالطابع الاستعماري للصراع في فلسطين.
 
واعتبروا أن منع المقارنة أو النقاش النقدي لا يحمي الذاكرة التاريخية، بل يفرض قراءة رسمية واحدة، تتعارض مع تقاليد الحرية الفكرية التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية.
 
وسياسيًا، كشف مسار القانون عن انقسام حاد داخل المشهد البرلماني. فقد حظي بدعم المعسكر الحكومي، وكذلك «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، وهو تقاطع أثار بدوره انتقادات، إذ رأت قوى يسارية أن دعم اليمين المتطرف لقانون من هذا النوع يطرح تساؤلات حول توظيفه سياسيًا وحدود صدقيته.
 
معاداة السامية جريمة يجب مكافحتها بلا هوادة، لكن توسيع تعريفها ليشمل مواقف سياسية أو تاريخية مثار جدل، قد يفرغ هذا النضال من مضمونه ويُضعف مصداقيته
 
وفي المقابل، صوّت الشيوعيون وحزب «فرنسا الأبية» والخضر ضد المشروع، معتبرين أن القوانين الحالية كافية، وأن المشكلة تكمن في ضعف التطبيق لا في نقص النصوص.
 
وأما الحزب الاشتراكي، فوجد نفسه في قلب هذا الجدل، منقسمًا بين مؤيدين يرون في القانون رسالة ضرورية ضد معاداة السامية، ومعارضين يحذّرون من مخاطره على الحريات العامة.
 
وبينما وقّع الرئيس السابق فرانسوا هولاند وعدد من النواب الاشتراكيين على النص، أعلن الأمين العام للحزب أوليفييه فور معارضته له، معتبرًا أنه ينطوي على «مغالطات» قانونية ومخاطر سياسية.
 
ويحذّر معارضو القانون من أن نتائجه قد تكون عكسية، إذ قد يغذّي شعورًا بأن اليهود يحظون بمعاملة قانونية خاصة، وهو خطاب لطالما استُخدم تاريخيًا لتبرير معاداة السامية بدل مكافحتها. كما يرون أن الخلط بين اليهودية وإسرائيل لا يخدم لا اليهود الفرنسيين ولا النقاش العام، بل يعمّق الاستقطاب ويغلق مساحات الحوار.
 
ويضع مشروع القانون فرنسا أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن مواجهة تصاعد معاداة السامية بصرامة، من دون الوقوع في فخ توسيع تعريفها إلى حد يطال النقد السياسي والفكري المشروع؟ سؤال يعكس توترًا أعمق في المجتمع الفرنسي، بين هاجس الأمن ومطلب الحرية، وبين حماية الأقليات وصون أسس النقاش الديمقراطي.