العلمانية
غاب مشروع الدولة فحضرت مشاريع الانفصال

مالك ونوس

الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026

حين خرج السوريون على نظام الأسد سنة 2011، كانوا يريدون من ثورتهم أن تتكلل بانتصار يكِّرس مفهوم الدولة التي تتوقف عن الضلوع بمهمة خدمة الطبقة الحاكمة. دولة المؤسسات الضامنة لجميع أبناء البلاد، والتي تحمل مشروعها المفترض به صياغة عقد اجتماعي جديد يقطع مع منطق الغلبة السابق، واحتكار العنف بمؤسسات الدولة عبر منع السلاح المُتَفلّت، والتطلع إلى اكتساب الشرعية من أبناء الشعب بداية ومن الخارج لاحقاً. وكان الحلم بدولة الرعاية الاجتماعية والقضاء العادل والمساواة وصيانة الحقوق وكفالة الحريات، لتصبح بديلاً عن دولة الأقلية الحاكمة، دولة يُعتمد فيها فصل السلطات، لمنع تغول السلطة التنفيذية، ضماناً لحقوق الأفراد في التمثيل والمشاركة.
 
مكافأة فئات وإقصاء أخرى
 
لكن مع سقوط النظام، بدا واضحاً أن ثمة طبقة جديدة تسعى للحلول محل طبقة الأسد التي كانت تتحكم بالبلاد وأهلها. كما كان واضحاً أيضاً، أن هذه الطبقة لا تحمل أي مشروع للدولة ما بعد السقوط، بل إن رؤيتها اقتصرت على الرؤية الاقتصادية بانتهاج اقتصاد السوق الحر، على الرغم من غياب التشريع المطلوب لضمان السير في هذا النهج وتطبيقه. لذلك توقفت في منتصف الطريق، وبدأت بنهج كان واضحاً أنه يسعى لمكافأة فئات، وإقصاء فئات أخرى، وهو ما تكرس عبر تسريح مئات الآلاف وحل المؤسسات الأمنية عشوائياً، وإفقار الملايين من ذوي هؤلاء المقصيين. وحين اعتمدت إدارةَ البلادِ عبر ملاحقة المستجدات لمعالجتها، أكملت مهمة الإقصاء باعتماد العنف المفرط على خلفيات طائفية ضدهم، ما أظهرها وكأنها تنشر بذور تفكك الدولة بيدها، معتقدة بذلك أنها تحاول زيادة قوتها باجتراح الحلول الأمنية.
 
فمنذ الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام، وخصوصاً عندما انتقلت حكومة الإنقاذ من إدارة إدلب إلى إدارة البلاد برمتها من دمشق، كان واضحاً أن ثمة توجه لسلطة هيئة تحرير الشام للاستئثار بحكم البلاد، وفق منطق الغالب، واعتبار بقية أبناء البلاد مغلوبين. وتعزز هذا الأمر عندما لم تُطعَّم الحكومة بعناصر أخرى من أجل توسيعها، لكي يساهم بقية أبناء البلاد في إدارتها في تلك المرحلة بالغة الصعوبة. وحين ظهرت الحكومة الجديدة، لم يلمس المواطنون تغييراً في الصبغة، مع كل ذلك الكلام عن تكنوقراط أو تمثيلٍ للأقليات في هذه الحكومة. غير أن الإعلان الدستوري، مع كل تلك الصلاحيات التي أعطاها للرئيس، ألغى العمل بمبدأ فصل السلطات، وركزها بيد شخص. وفي الوقت الذي اعتمدت القسر في الإدارة، تبين أنها لا تحمل مشروعاً واضحاً لتأسيس الدولة على ركائز القانون، فكان ذلك الاستسهال في ارتكاب المجازر الدموية ورعايتها، فأدخلت الخوف إلى قلوب بقية أبناء المجتمع من الطوائف الأخرى، وهو ما أدى بالضرورة إلى بدء ظهور المشاريع الانفصالية.
 
تدفعنا المعارك التي اندلعت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، قبل أيام، بين الفصائل التابعة للدولة، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى العودة مجدداً للتفكير في استمرار غياب مشروع الدولة الوطنية وحضور المشاريع الانفصالية التي لا يمكن سوى للدولة وحدها، عبر ممارساتها وسلوكها وتمثيلها لجميع السوريين، أن تضمن عدم ظهورها. وإذ يفسر كثيرون توجه السويداء للانفصال عن الدولة، وإصرار "قسد" على الكونفدرالية أو اللامركزية، أنه رد فعل على المجازر التي وقعت بحق المدنيين العلويين في الساحل، في آذار/مارس الماضي، بعدما سلموا أسلحتهم، لم تُعد السلطة حساباتها وتعود عن موضوع الاستئثار بالقرار، ولم توافق على مطالب "قسد" فيما يخص الإعلان الدستوري الذي كانت قد رفضته لأنها رأت أنه يناقض اتفاق آذار الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي. كما لم تبدأ بعملية صياغة دستور جديد، يكفل حقوق الكرد وحقوق بقية فئات المجتمع، ويشرع مطالبهم. ثم أتى المرسوم الرئاسي الذي صدر قبل أيام، والذي لَحَظَ المطالب التاريخية للكرد ليزيد الشرخ، لأن المرسوم لا ينوب عن الدستور، فكما صدر المرسوم وفق إرادة رئاسية، يمكن أن يلغى وفق إرادة رئاسية.
 
أخطاء تتكرر
 
وبالنظر إلى هذا الواقع، تكمن الخطورة فيما تبين وتأكد لكثيرين بأن السلطة لم تستفد من الأخطاء التي ترافقت مع سلوكها المبكر في اتباع الحل الأمني والعسكري المفرط والمتنقل في حل المشكلات التي واجهتها، وهي مشكلات لا يمكن القول إنها لم تكن متوقعة وجاءت نتيجةً لسياساتها الإقصائية والقسرية. وزادت الخطورة عندما عمدت إلى الاستمرار في اتباع سلوكها ذاته، فالأخطاء التي حصلت في الساحل، وأسفرت عن مجازر دموية، تكررت في السويداء وأسفرت عن مجازر مماثلة لمجازر الساحل، كما تكررت في المعارك مع "قسد". ولكن، ألم يكن سلوك السلطة الإقصائي هو ما عزز تلك المشكلات وجعلها تتعاظم، ودفع آخرين للنظر إلى السلطة كأنها باتت حزباً قائداً، ينظر إلى بقية فئات الشعب بوصفهم منافسين، وأحياناً أعداء؟
 
كانت نظرة السلطة تلك هي ما دفع الخوف لكي يستوطن في قلوب الفئات التي وقعت عليها المجازر، واستمرت تلك النظرة، وكانت تزداد مفاعيلها في كل مناسبة أو احتفال من الاحتفالات التي لا تنتهي، ويخرج فيها موالو السلطة إلى الشوارع لكي يشتموا بقية أبناء البلاد، من كرد وعلويين ودروز، ويستخدمون التحريض الطائفي والمناطقي ضدهم، مع انتشار الدعوات الصريحة لإبادتهم. وفي هذا السياق، قال المستشار الرئاسي، أحمد زيدان، في رده على سؤال في إحدى المقابلات التلفزيونية، قبل أشهرٍ: "هل توقعتَ أنه بعد تحرير دمشق من قبل الفصائل التي تعرضت للبراميل المتفجرة، أن تدخل هذه الفصائل الساحل السوري من دون عمليات قتل أو من دون مذابح أو مجازر؟". فهل من المنطق لمسؤول رفيع في الدولة أن يظهر الدولة خصماً لجزء من رعاياها، فيحكم على فئة واسعة من أبناء المجتمع بالقتل على خلفية الانتقام السياسي، في حين أن المفترض اعتماد مبدأ العدالة الانتقالية لحماية هذا المجتمع. 
 
مباركة الفزعات
 
وقد أثبتت السلطة في تلك الحوادث الدموية، وفي مباركتها الفزعات الدموية أنها لم تحتكر السلاح، بل تستمر بالسماح بانتشاره بين الفصائل والعشائر وسائر المدنيين من غير الأقليات، فلم تفِ بوعودها التي قطعتها للأطراف الدولية، بحل تلك الفصائل وجعلها تنضوي ضمن جهاز مؤسسي هو الجيش، ولم تحمِ الأقليات. لذلك يمكن القول إنها تعيد المجتمع إلى المراحل البدائية غير المؤسسية، حين كان يُفرض على كل فرد بالغ أن يحمل السلاح، فليصبح فائض القوة دافعاً لافتعال حروب وغزوات لا مبرر لها، خصوصاً أنها تُحرَّم على جماعات أخرى تعيش في كنف هذه الدولة حمله، وهذا ما يجعلها أسيرة الخوف، وتنحصر ردود أفعالها بالسعي للانفصال.
 
ولكن، وعلى الرغم من مرور أكثر من سنة على إسقاط النظام، وهي عمر سلطة الشرع، ما تزال الفرصة أمامها من أجل تصنيف المرحلة انتقاليةً، تُحدَّد لهذا الانتقال مدة زمنية، وتحدد خلالها حقوق المواطنين الأساسية، وتعيد توظيف العنف ومأسسته، وتبدأ بصياغة عقد اجتماعي جديد، لكيلا تصبح سلطة وظيفتها إدارة الصراع، كما كان يفعل الأسد الهارب.
 
 
المصدر: المدن