العلمانية
ضغوط شعبوية تجبر الاتحاد الأوروبي الى تشديد قواعد الهجرة واللجوء

العرب اللندنية

الإثنين 22 كانون لأول 2025

وافق الاتحاد الأوروبي مؤخراً على حزمة من الإجراءات الأكثر صرامة في سياسات الهجرة واللجوء، بما في ذلك إنشاء ما يسمى بـ"مراكز العودة" خارج حدود التكتل، المخصصة لطالبي اللجوء الذين تُرفض طلباتهم.
 
ويأتي هذا القرار في ظل تراجع الرأي العام الأوروبي تجاه الهجرة، وهو ما يعزز المكاسب السياسية لليمين المتطرف في العديد من دول التكتل، الذي بات يستخدم ملف الهجرة كأداة انتخابية لتحقيق مكاسب سياسية.
 
ورغم انخفاض أعداد الدخول غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة نحو 20 في المئة خلال النصف الأول من عام 2025، حسب بيانات وكالة فرونتكس، فإن الضغوط الشعبية والسياسية دفعت وزراء الداخلية إلى تبني إجراءات أكثر تشدداً، بما يعكس حالة القلق والجدل المستمرين بشأن الهجرة في القارة.
 
وأكد مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي، ماجنوس برونر، على الحاجة إلى تسريع وتيرة العمل لمنح المواطنين شعوراً بالسيطرة على الوضع، فيما رأى وزير الهجرة الدنماركي راسموس ستوكلوند أن نسبة كبيرة من المهاجرين غير النظاميين الذين صدرت بحقهم قرارات بالعودة لا يزالون في دول التكتل، مشدداً على أن القواعد الجديدة ستساهم في رفع معدلات الترحيل.
 
وتأتي هذه التحركات في إطار "ميثاق الهجرة واللجوء" الذي أقر العام الماضي، ويدخل حيز التنفيذ في يونيو المقبل، ويهدف إلى تحسين إدارة الهجرة، وتسريع إعادة طالبي اللجوء المرفوضين، وتعزيز الرقابة على الحدود.
 
وتتيح القواعد الجديدة لدول الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات واسعة، أبرزها إنشاء مراكز خارجية لمعالجة طلبات اللجوء المرفوضة، وفرض عقوبات أطول على المهاجرين الذين يرفضون مغادرة الأراضي الأوروبية، إضافة إلى إمكانية ترحيلهم إلى دول ثالثة تُصنف على أنها "آمنة".
 
وقد تم تصنيف عدد من الدول من بينها كوسوفو، وبنغلاديش، وكولومبيا، ومصر، والهند وتونس، كدول منشأ آمنة، إلى جانب جميع الدول المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي، مع استثناء الدول التي تشهد نزاعات أو تخضع لعقوبات أوروبية، مثل أوكرانيا.
 
ومن التعديلات الجوهرية في المفهوم الجديد للدول الآمنة أنه لم يعد من الضروري وجود رابط مباشر بين طالب اللجوء والدولة الثالثة، ما يتيح مرونة أكبر في إعادة توطين المهاجرين خارج الاتحاد، لكنه يثير مخاوف حقوقية وقانونية جدية.
 
وأثار هذا التوجه، برغم تأييده من بعض الدول، انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والناشطين في مجال الهجرة، الذين رأوا أن إنشاء مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي سيزيد من معاناة المهاجرين ويدفعهم لمخاطر أكبر، مع الإبقاء عليهم في حالة من الغموض القانوني.
 
ووصفت منظمة العفو الدولية مراكز العودة بأنها "قاسية وغير قابلة للتطبيق"، بينما اعتبرت منظمات أخرى أن الاتحاد الأوروبي يختار حلولاً قد تزيد من الخطر على المهاجرين بدلاً من الاستثمار في الحماية والاندماج.
 
القواعد الجديدة تتيح اتخاذ إجراءات واسعة، أبرزها إنشاء مراكز خارجية لمعالجة طلبات اللجوء المرفوضة، وفرض عقوبات أطول على المهاجرين الذين يرفضون مغادرة الأراضي الأوروبية، إضافة إلى إمكانية ترحيلهم إلى دول ثالثة تُصنف على أنها آمنة.
 
وتأتي هذه الإجراءات في ظل محاولة الاتحاد الأوروبي تقليص الضغط على نظامه للجوء، خاصة بعد سنوات من التدفق المتواصل للاجئين، بمن فيهم الأوكرانيون الفارون من الحرب منذ 2022.
 
وفي هذا السياق، اعتمدت الدول الأعضاء آلية "صندوق التضامن" لعام 2026، الذي يحدد أرقام إعادة التوطين والمساهمات المالية لدعم الدول الأكثر تأثراً، مع إعفاء بعض الدول التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، مثل قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا.
 
وتتيح هذه الآلية للدول تقديم دعم مالي أو تشغيلي أو استقبال طالبي لجوء مباشرة، بهدف توزيع الأعباء بطريقة أكثر توازناً داخل الاتحاد الأوروبي.
 
لكن هذه السياسات تواجه تحديات واضحة على صعيد التنفيذ. فقد أعلنت بعض الدول مثل المجر وسلوفاكيا والتشيك رفضها تطبيق آلية التضامن، مستندة إلى سياسات داخلية صارمة أو الالتزامات السابقة تجاه اللاجئين الأوكرانيين، ما يعكس الانقسامات العميقة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن ملف الهجرة.
 
كما تواجه بعض المبادرات القانونية، مثل مراكز العودة الإيطالية في ألبانيا، سلسلة من العقبات أمام المحاكم الوطنية والأوروبية، حيث بقيت المنشآت خالية دون تشغيل فعال، مما يسلط الضوء على الصعوبة العملية لتطبيق هذه السياسات على أرض الواقع.
 
كما أثارت القواعد الجديدة جدلاً حول تعريف الدول الثالثة الآمنة ومدى احترامها لمعايير حقوق الإنسان، وهو ما يطرح تساؤلات حول المصداقية القانونية لهذه الإجراءات، ويكشف عن التوازن الدقيق بين تحقيق السيطرة على الهجرة وبين الالتزام بالمعايير الإنسانية والقانونية الدولية.
 
ويضاف إلى ذلك انتقادات بعض الدول الأعضاء، مثل فرنسا، التي شككت في فعالية القانون الجديد، وبولندا التي سعت لتوسيع قائمة الدول الآمنة لتقليل الضغط على الاتحاد.
 
وعلى صعيد السياسات الداخلية لدول الاتحاد، تظهر هذه الحزمة الجديدة كتعبير عن تزايد النفوذ السياسي لليمين المتطرف، الذي يركز على ملف الهجرة لتحقيق مكاسب انتخابية، مقابل تحديات تطبيقية وأخلاقية وقانونية مستمرة. فالسياسات الأوروبية الجديدة تعكس محاولة التوازن بين رغبة الرأي العام في السيطرة على الهجرة، وبين الالتزامات الدولية تجاه اللاجئين، وما يترتب على ذلك من ضغوط قانونية وحقوقية، وهو ما يجعل الملف الهجري أحد أكثر الملفات تعقيداً في الاتحاد الأوروبي، ويعكس حالة الانقسام السياسي بين الدول الأعضاء.
 
ويرى مراقبون أن اتفاق الاتحاد الأوروبي على تشديد سياسة الهجرة واللجوء يمثل خطوة مهمة من الناحية السياسية والإدارية، لكنه يواجه تحديات تطبيقية وقانونية كبيرة. فهو يعكس التوتر بين الحاجة للسيطرة على تدفق المهاجرين، وبين الالتزام بالمعايير الإنسانية وحقوق الإنسان، ويبرز الانقسامات العميقة داخل التكتل حول هذه القضية الحساسة.
 
وفي ظل استمرار الخلافات الداخلية ورفض بعض الدول المشاركة في آليات التضامن، يبقى نجاح هذه السياسات محل شك، فيما يظل الملف مفتوحاً أمام التداعيات السياسية والإنسانية والقانونية في المستقبل القريب.