العلمانية
كيف يمكن للأكراد والسنة أن يشكلوا قوة معتدلة في المشهد السياسي العراقي الجديد؟

العرب اللندنية

الجمعة 19 كانون لأول 2025

 مع انتهاء الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، تتجلى أمام الأكراد والسنة فرصة تاريخية لتشكيل قوة معتدلة قادرة على إعادة التوازن إلى المشهد السياسي العراقي، وتعزيز الاستقرار الوطني، والمساهمة الفاعلة في إدارة شؤون الدولة بعيدًا عن الانقسامات الطائفية التقليدية والصراعات الإقليمية.
 
وأعادت النتائج الانتخابية ترتيب القوى السياسية في العراق، وأظهرت فوز القوى الشيعية المعتدلة بقيادة محمد شياع السوداني، الذي اعتمد شعار "العراق أولاً" وركز على برامج إصلاحية تتجاوز الانتماءات الطائفية، بما في ذلك تعزيز الاقتصاد، مكافحة الفساد، ترسيخ الاستقرار الأمني، وإعادة البناء المستدام.
 
ويمثل هذا الانتصار فرصة للأكراد والسنة للانخراط في عملية سياسية معتدلة تتيح لهم لعب دور مؤثر في صياغة السياسات الوطنية وإدارة الدولة بطريقة تضمن مصالح جميع الأطراف العراقية.
 
وأثبتت الانتخابات الأخيرة أن الحزب الديمقراطي الكردستاني أصبح القوة الفردية الأكبر في البرلمان العراقي بعد حصوله على 32 مقعدًا، ما يمنحه نفوذاً حقيقياً في صياغة السياسات الداخلية والخارجية، وفي رسم ملامح التحالفات السياسية المقبلة.
 
ويعكس قرار الحزب بالمشاركة في الانتخابات، بعد جدل حول احتمال مقاطعته، إدراكه أن الانعزال سيكلفه أكثر مما سيحقق من مكاسب سياسية.
 
ومن خلال المشاركة، تتاح للأكراد فرصة إعادة الانخراط الكامل في العملية السياسية بعد فترة من الانقطاع والعزلة التي أعقبت استفتاء استقلال إقليم كردستان عام 2017، كما تمنحهم فرصة لاستعادة دورهم كشريك معتدل إلى جانب الشيعة والسنة في إدارة شؤون الدولة.
 
وتاريخياً، كان الأكراد جزءًا أساسيًا من بناء الدولة العراقية بعد عام 2003، حيث شكلوا مع الشيعة العرب اللبنة الأساسية للنظام السياسي، وكانوا شركاء في السلطة وإدارة الدولة. إلا أن العلاقة بدأت تتوتر تدريجيًا بعد دعم الأكراد للتحالف العراقي في عام 2010 وتجاهل الحكومة لبعض المواد الدستورية المتعلقة بالمصالح الكردستانية، ما أدى إلى فتور العلاقة وحدوث الاستفتاء على الاستقلال الذي أعاد الخلافات الإقليمية إلى واجهة السياسة العراقية.
 
واليوم، ومع إعادة الانخراط في العملية الانتخابية والسياسية، أمام الأكراد فرصة لإعادة بناء الثقة مع المكونات العراقية الأخرى، خصوصاً مع القوى الشيعية المعتدلة، وبناء تحالف قادر على تحقيق الاستقرار والاستجابة لمطالب المجتمع الدولي، دون التراجع عن مصالح إقليم كردستان.
 
وتمثل المشاركة الكردية المعتدلة فرصة لتعزيز التوازن بين السلطات الاتحادية والإقليمية، وإعادة رسم خطوط الحوار حول توزيع الموارد النفطية، والمناطق المتنازع عليها، بما يحفظ حقوق الأكراد ضمن إطار الدولة العراقية الموحدة، دون الانزلاق نحو النزاعات الإقليمية أو الانعزال السياسي.
 
ويمثل السنة تحدياً مختلفاً، إذ أدت سنوات التمرد والإرهاب والصراعات الطائفية إلى تراجع قدرتهم على المنافسة السياسية على نطاق وطني واسع. غير أن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن الكتل السنية الرئيسية—حزب
 
التفاوض الأكراد والسنة بشكل متوازن، وبناء تحالفات استراتيجية مع القوى الشيعية المعتدلة، سيمنح العراق هامشًا أكبر للحفاظ على سيادته، وتجنبه الانزلاق إلى صراعات إقليمية قد تؤدي إلى مزيد من التوترات على الأرض.
 
التقدم (33 مقعدًا)، تحالف السيادة (9 مقاعد)، وتحالف العزم (15 مقعدًا)—تمكنت من السيطرة على محافظتي الأنبار وصلاح الدين، وهما المحافظتان السنيتان الرئيسيتان، ما يتيح لهم فرصة لإعادة بناء رسالتهم السياسية ضمن العملية الوطنية.
 
لكن التحدي الأكبر أمام السنة يكمن في ضعف الوحدة الداخلية وعدم وضوح الرؤية السياسية الشاملة، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين تركيا ودول الخليج من جهة، والأكراد من جهة أخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالموارد والمناطق الحدودية المتنازع عليها.
 
ولذلك، فإن قدرة السنة على تشكيل قوة معتدلة تعتمد على قدرتهم على توحيد رسائلهم السياسية، والابتعاد عن الخطاب الطائفي، والمشاركة البناءة في التحالفات مع الأكراد والشيعة المعتدلين لتحقيق أهداف وطنية مشتركة.
 
ويرى الباحثان محمد تطرخان وهاجر بشير سعدون في تقرير نشره معهد واشنطن أن لدى السنّة لديهم فرصة لإعادة بناء خطاب سياسي شامل يركز على التنمية، الإصلاح، وتأمين الحقوق المدنية لجميع العراقيين، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية، وهو ما يتطلب من قياداتهم تجاوز النزاعات الإقليمية السابقة مع الأكراد، وتعزيز الثقة بين المكونات المختلفة. كما يمثل نجاحهم في تشكيل تحالف معتدل فرصة لإعادة توزيع النفوذ السياسي بطريقة تضمن تمثيلاً عادلاً للسنة في الحكومة والبرلمان.
 
ويعكس فوز قائمة السوداني، الذي يمثل تحالفًا معتدلاً داخل الإطار التنسيقي، رغبة الناخبين الشيعة في الابتعاد عن السياسات الحادة التي تتبعها الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتركيز على إدارة شؤون الدولة بما يحقق التنمية والاستقرار.
 
ويعتبر السوداني شخصية تكنوقراطية تركز على مصالح الداخل العراقي، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط الدولية والنفوذ الإقليمي الإيراني، ما يوفر مساحة للأكراد والسنة للانخراط في التحالف الوطني المعتدل.
 
وفي المقابل، لا تزال الفصائل الشيعية المسلحة ترى في إيران المرجعية الأساسية للقيادة السياسية والدينية، وتسعى إلى توسيع نفوذها عبر البرلمان أو الشارع، ما يجعل وجود كتلة معتدلة قوية من الأكراد والسنة ضروريًا لضمان عدم انزلاق البلاد نحو مزيد من الانقسامات والصراعات الداخلية. التحالف المعتدل بين الشيعة غير الموالين لإيران، والأكراد والسنة، يمكن أن يشكل مظلة حامية للاستقرار السياسي الداخلي، ويمنع استغلال القوى الإقليمية للأوضاع الداخلية لتحقيق مصالحها.
 
ويعكس النجاح المحتمل للأكراد والسنة كقوة معتدلة في العراق تداخلًا معقدًا بين عوامل داخلية ودولية، تتطلب استراتيجيات دقيقة وقدرة على التنسيق السياسي الفعال.
 
وأول هذه العوامل هو التنسيق الوثيق مع القوى الشيعية المعتدلة، إذ يعد هذا التحالف ضروريًا لضمان تنفيذ سياسات إصلاحية شاملة تعالج الأمن والاستقرار، وتعزز التنمية الاقتصادية، وتتيح تحقيق خطوات ملموسة نحو إصلاح مؤسسات الدولة.
 
ويعني هذا التنسيق أن القوى المعتدلة يجب أن تعمل ليس فقط على مستوى البرلمان، بل على الأرض أيضًا، لضمان استقرار المناطق المختلفة وتوحيد الجهود تجاه أولويات وطنية مشتركة.
 
ويتمثل العامل الثاني في توحيد الرسائل السياسية، وهو عنصر جوهري لإظهار المصداقية أمام الناخبين والشركاء الدوليين، وإثبات القدرة على قيادة عملية سياسية متكاملة بعيدًا عن الانقسامات الطائفية التقليدية التي لطالما شكلت حجر عثرة أمام استقرار العراق.
 
ويشير الباحثان إلى أن الرسائل المتسقة والمنسقة تساهم في بناء ثقة متبادلة بين مختلف المكونات العراقية، وتمكن الأكراد والسنة من صياغة خطاب سياسي يركز على المصلحة الوطنية العليا ويجذب القوى المعتدلة الأخرى نحو تحالف مستدام.
 
كما يعتمد النجاح على التركيز على المصالح الوطنية العليا، التي تتجاوز الحسابات الإقليمية أو المصالح الفئوية الضيقة، وتشمل تعزيز الأمن الداخلي، مكافحة الفساد المستشري، وتحقيق التنمية المستدامة عبر سياسات اقتصادية واجتماعية متكاملة.
 
ويمثل هذا التركيز الوطني اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأكراد والسنة على تجاوز النزاعات الإقليمية واستغلال النفوذ الخارجي، ليصبحوا فاعلين قادرين على رسم ملامح سياسة عراقية مستقلة.
 
وإضافة إلى ذلك، تأتي الحاجة إلى الحفاظ على الاستقلالية كعامل أساسي، سواء في مواجهة الضغوط الإقليمية أو الدولية، وهو ما يتطلب بناء شبكة تحالفات متوازنة داخل البرلمان، تمكّن القوى المعتدلة من التأثير الفعلي في صناعة القرار واتخاذ خطوات استراتيجية نحو إصلاح مؤسسات الدولة.
 
وتمنح القدرة على الموازنة بين النفوذ الدولي والضغط الإقليمي هذه القوى هامشاً من المناورة السياسية، وتساعدها على تعزيز دورها الوطني دون الانزلاق إلى صراعات قد تقوض مسارها.
 
وتوفر النتائج الانتخابية الأخيرة فرصة مهمة لإعادة إشراك الأكراد والسنة في إدارة الدولة على أسس دستورية واضحة، حيث يمثل الدستور العراقي، الذي صيغ تحت إشراف دولي بعد عام 2003، واحدًا من أكثر الدساتير العربية حداثة وديمقراطية.
 
ويوفر الدستور آليات للرقابة والتوازن بين السلطات، ويضمن الحقوق الفردية والمدنية، ويعترف بالفدرالية لتقسيم السلطة وبناء الثقة بين المكونات العراقية المختلفة، ما يمنح القوى المعتدلة إطارًا قانونيًا وسياسيًا للعمل ضمنه بفعالية، ويساهم في ترسيخ مكانتها كحارس للتوازن الوطني ومصدر للاستقرار بعيدًا عن الانقسامات التقليدية.
 
وإذا نجح الأكراد والسنة في تشكيل قوة معتدلة داخل المشهد السياسي العراقي، فإن النتائج المحتملة قد تكون عميقة وواسعة الأثر على الاستقرار الوطني والمستقبل السياسي للبلاد.
 
لدى السنّة فرصة لإعادة بناء خطاب سياسي شامل يركز على التنمية، الإصلاح، وتأمين الحقوق المدنية لجميع العراقيين، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية، وهو ما يتطلب من قياداتهم تجاوز النزاعات الإقليمية السابقة مع الأكراد.
 
وتتمثل أولى هذه النتائج في إعادة التوازن السياسي الداخلي، حيث ستمنح القوى المعتدلة القدرة على منع القوى المتشددة من استعادة زمام المبادرة، مع ضمان مشاركة عادلة لجميع المكونات العراقية في صنع القرار.
 
ولا يقتصر هذا التوازن الداخلي لا يقتصر على توزيع المناصب، بل يمتد إلى القدرة على صياغة السياسات الوطنية بشكل يعكس مصالح مختلف الأطراف دون أن يطغى أي طرف على الآخر، بما يعزز ثقة المواطنين في العملية السياسية ويحد من الانقسامات الطائفية التي طالما شكلت عقبة أمام بناء الدولة.
 
ومن جانب آخر، يشكل التحالف المعتدل فرصة لتعزيز الديمقراطية والحوكمة الرشيدة في العراق. فباتباع خطوات مدروسة لتطبيق الدستور العراقي تدريجيًا، يمكن للقوى المعتدلة المساهمة في إرساء مؤسسات قوية وشفافة، قادرة على إدارة شؤون الدولة بفعالية، وتحقيق التنمية المستدامة. هذا المسار يتطلب التركيز على بناء آليات للرقابة والمساءلة، وترسيخ قواعد الحوكمة الرشيدة، بما يقلل من فرص الفساد ويخلق بيئة سياسية مستقرة وجاذبة للاستثمارات الوطنية والدولية.
 
كما يمكن للتحالف المعتدل أن يلعب دورًا حاسمًا في الحد من التدخلات الإقليمية، من خلال تمثيل مصالح العراقيين على حساب النفوذ الخارجي، والحد من محاولات الدول الإقليمية استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق أهدافها.
 
وستمنح قدرة الأكراد والسنة على التفاوض بشكل متوازن، وبناء تحالفات استراتيجية مع القوى الشيعية المعتدلة، العراق هامشًا أكبر للحفاظ على سيادته، وتجنبه الانزلاق إلى صراعات إقليمية قد تؤدي إلى مزيد من التوترات على الأرض.
 
وإلى جانب ذلك، يتيح هذا التحالف فرصة لضمان الاستقرار الأمني والاقتصادي. إذ يمكن للقوى المعتدلة تحسين الأمن الداخلي من خلال تطبيق سياسات أمنية شاملة، والعمل على مكافحة الفساد بفاعلية، وتطوير الاقتصاد بما يخدم مصالح المواطنين ويقلل من الفجوات الاجتماعية والسياسية بين المكونات المختلفة.
 
وتخلق هذه الخطوات مجتمعة بيئة سياسية واجتماعية أكثر استقرارًا، تساعد على تعزيز الثقة بين الحكومة والمواطنين، وتساهم في الحد من انتشار التطرف والعنف داخل المجتمع.
 
ومع ذلك، يواجه التحالف المعتدل عددًا من التحديات الجوهرية. فمن المحتمل أن يتعرض لضغوط من الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران، والتي تسعى لاستعادة النفوذ السياسي وتأثيرها على صنع القرار الوطني. كما قد تنشأ منافسات بين الأكراد والسنة أنفسهم على المقاعد والنفوذ داخل البرلمان، ما يتطلب إدارة حكيمة للعلاقات الداخلية ضمن التحالف لضمان الوحدة والفاعلية.
 
وعلاوة على ذلك، تمثل التهديدات الإقليمية اختبارًا صعبًا للقوى المعتدلة، إذ قد تحاول الأطراف الخارجية استغلال أي انقسامات أو توترات داخلية لتحقيق مصالحها على حساب العراق.
 
ولذلك، يتضح أن نجاح التحالف المعتدل يعتمد على امتلاك استراتيجية واضحة ومرنة، قادرة على مواجهة الأزمات، وإدارة التحديات الداخلية والخارجية، وتحقيق توازن دقيق بين مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
 
وتعزز القدرة على الصمود أمام الضغوط، والحفاظ على الوحدة، وتبني خطاب سياسي معتدل المصالح الوطنية العليا، سيكون العامل الحاسم في تحديد مدى تأثير الأكراد والسنة كقوة معتدلة قادرة على إعادة رسم المشهد السياسي العراقي وتعزيز استقراره على المدى الطويل.