صناعة الحرية بدأت في بلاد الرافدين وصولا إلى أول دستور أميركي
أحمد الناجي
الأربعاء 19 تشرين الثاني 2025
الشعوب والأقوام في الحضارات الشرقية القديمة وضعت البواكير الأولى لتنظيم العلاقات الاجتماعية والمعاملات التجارية.
أثبتت التنقيبات الأثرية في أرض العراق أن أقدم مجلس سياسي (برلمان)، عرفته البشرية، قد انعقد في البلاد التي كانت تعرف قديماً باسم سومر الواقعة بين نهري دجلة والفرات قبل نحو خمسة آلاف سنة، أي في حدود عام 3000 قبل الميلاد، وقد تكون هذا المجلس من مجلس الأعيان (مجلس الشيوخ) ومجلس النواب، إضافة إلى المواطنين الذكور القادرين على حمل السلاح، وكان ذلك البرلمان في حقيقته مجلساً حربياً دُعي إلى الانعقاد لاتخاذ قرار مصيري يتعلق بأمر الحرب والسلم.
كشفت التنقيبات الأثرية التي أجراها الفرنسيون في العراق سنة 1878، في أطلال مدينة لكش السومرية، عن أقدم القوانين والشرائع المعروفة في التاريخ، والمتمثلة في أربع نسخ مختلفة الأشكال لوثيقة منقوشة تتضمن إصلاحات الملك السومري أوروكاجينا، التي يعود تاريخها إلى نحو 2355 قبل الميلاد، وقد احتوت هذه الوثيقة على تفاصيل أقدم إصلاح اجتماعي عرفته البشرية، إذ نادت صراحة بأهمية حقوق الإنسان، وأكدت حرية الفرد، ورفضت كل ما يتنافى مع الكرامة الإنسانية.
التشريعات الأولى
بيّنت النصوص التي دونها الكاتب السومري أن أوروكاجينا أعاد العدل إلى نصابه وضمن حرية المواطنين وألغى الضرائب الجائرة، كما أزال المظالم وأشكال الاستغلال التي كان يتعرض لها الفقراء من جانب الأغنياء، وقد سجلت تلك الوثيقة للمرة الأولى في التاريخ الإنساني ظهور كلمة “الحرية” بوصفها قيمة اجتماعية وسياسية.
وعلى الرغم من تلك الشواهد التاريخية الماثلة، فقد كان لافتاً توجه الرؤية الاستشراقية، حين تجاوزت بواكير حضارة وادي الرافدين في هذا الشأن، وغضت الطرف عن تلك الإشراقات الحضارية الأولى، التي شكلت إرهاصات الإنسانية البدائية في صناعة الحرية، بالاتساق مع المركزية الغربية التي اعتبرت أن دول المدن اليونانية القديمة، ومن بعدها روما، كانت أول من عرف الدساتير، وأن ممارسة الحكم الدستوري كانت جغرافياً محصورة بشرق البحر الأبيض المتوسط.
وإذا أردنا الوقوف على الانعطافة التي مثلتها الاكتشافات الأثرية خلال القرن العشرين، فيمكن القول بما لا يدع مجالاً للجدل أن الشعوب والأقوام في الحضارات الشرقية القديمة قد وضعت البواكير الأولى لتنظيم العلاقات الاجتماعية والمعاملات التجارية، وبلورت منظومة متكاملة من القوانين والشرائع المدونة.
قيم الحرية والعدالة الاجتماعية لم تكون وليدة العصور الحديثة، بل انبثقت منذ فجر الحضارة الإنسانية في وادي الرافدين
ولعل ما يجب ذكره في هذا السياق التاريخي الموجز: أن أولى تلك المنجزات التي أبدعتها حضارات وادي الرافدين، تمثلت في شريعة أورنمو (2111-2003 ق. م)، وشريعة لبت عشتار (2017-1794 ق. م)، وقانون أشنونا الذي وضع قبل شريعة حمورابي بنحو قرنين، ثم جاءت شريعة حمورابي (1792- 1750 ق. م) لتتوج تلك المسيرة القانونية العريقة. ليس ثمة ما هو أبلغ دلالة على أن بواكير الوعي الإنساني بالحرية، قد تجلت في بابل سيدة حواضر العالم القديم، من ذلك النص الوارد في مقدمة شريعة حمورابي، الذي جاء فيه: “لأوطد العدل في البلاد/ لأقضي على الخبيث والشر/ لكي لا يستعبد القوي الضعيف/ ولكي يعلو ‘العدل’ كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود/ ولكي ينير البلاد/ من أجل خير البشر.”
يكشف ذلك النص البابلي العريق أن الحرية والعدالة الاجتماعية لم تكونا وليدتي العصور الحديثة، بل انبثقتا منذ فجر الحضارة الإنسانية في وادي الرافدين، بوصفهما ركزتين في الفكر التشريعي والأخلاقي آنذاك. ومن هنا يمكن القول إن تلك البدايات الرافدينية قد أرست المبادئ الأولى لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأن الفكر الإنساني ظل عبر العصور يسعى إلى تطوير تلك المفاهيم وصياغتها في إطار أكثر نضجاً وعدالة، وصولاً إلى ما سيعرف لاحقاً بمفهوم الدستور الذي تطور تدريجياً، حتى اتخذ في العصر الحديث صورته المؤسسية والقانونية.
ومع تعاقب المراحل التاريخية وتبدل البنى السياسية والاجتماعية، أخذت فكرة الدستور تتبلور بوصفها أداة لضبط السلطة وتحديد صلاحياتها، وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، حتى بلغت في العصر الحديث مفهومها المتكامل الذي يجمع بين الشرعية القانونية والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية.
تأسيس الدساتير
يعني المدلول اللغوي لكلمة الدستور في اللغة الإنجليزية التأسيس أو التكوين (Constitution)، أما في اللغة العربية فإن استعمال كلمة الدستور -وهي في الأصل فارسية- يُفيد ما يتصل بالحكم فـ”دست” معناها اليد، و”ور” معناها المالك أو صاحب الشيء، كما تأتي الإذن أو الترخيص، وقد ذكر العلامة مصطفى جواد في المعجم المستدرك: إن الدُستور (بضم الدال) كلمة فارسية معربة، ومعناه الوزير الكبير الذي يُرجع إليه في الأمور، وأصلها الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه، فسمي الوزير لأن ما فيه معلوم، أو لأنه يرجع إليه كما يرجع إلى الدفتر، أو لأنه يكون في يده أو لأنه لا يفتح إلا عنده.
تعددت التعريفات التي تناولت مفهوم الدستور، غير أن من أجملها وأعمقها ذلك التعبير الذي يرى فيه بأنه “صناعة الحرية”، وإذا شئنا أن نذكر تعريفاً وسطاً يجمع بين الاتجاهات الأكاديمية المتعددة، فيمكن القول: إن الدستور هو مجموعة القواعد التي تحدد في نظام حر سلطات الدولة العامة وحقوق الأفراد.
أما عند الحديث عن المفهوم السياسي للدستور، فلا بد من التمييز بين معنيين أساسيين للكلمة، الأول: المعنى المادي أو الموضوعي، ويقصد به مجموعة القواعد التي تنظم نشاط الدولة ووظائفها ومؤسساتها المختلفة. والثاني: المعنى الشكلي، ويراد به الوثيقة الرسمية التي تضبط عمل السلطات وتحدد اختصاصاتها، على نحو لا يمكن إعداد موادها أو تعديلها إلا وفق إجراءات خاصة تتميز بصلابتها واختلافها عن تلك المتبعة في سنّ القوانين العادية.
تقتضي الضرورة الإشارة هنا إلى أن الدستور بوصفه عرفاً منظماً ومكتوباً في التاريخ الحديث، يعد في أصله منجزا غربيا، أو بالأحرى – توخيا للدقة – نتاجاً لثمار الثورتين الأميركية والفرنسية في القرن الثامن عشر، وقد عد الدستور الأميركي الصادر عام 1789 عميد الدساتير المكتوبة في العالم، لما شكله من نقلة نوعية في تنظيم السلطة وتحديد الحقوق.
وفي المقابل جاء إعلان لائحة حقوق الإنسان مطلع الثورة الفرنسية الذي أصدرته الجمعية الوطنية في السادس والعشرين من أغسطس 1789، بمثابة مقدمة للدستور الفرنسي، إذ أبرزت المبادئ الأساسية لحقوق المواطن وواجبات الدولة، ونلحظ أن تلك اللائحة قد تأثرت بوثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن أفكار فولتير ومونتسكيو وروسو، وبعد فترة وجيزة أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية الدستور في الرابع عشر من سبتمبر 1791، ليعد خطوة تأسيسية في مسار الفكر الدستوري الحديث.
ومن الجدير بالذكر أن الدستور البريطاني غير المكتوب يمتاز بأسبقيته التاريخية على سائر الدساتير في العالم، إذ تكوّن عبر سلسلة من التشريعات والمواثيق الدستورية المتفرقة التي صدرت في أزمنة مختلفة، من أبرزها: العهد الأعظم (Magna carta) سنة 1215، ولائحة الحقوق (Bill of rihhts) سنة 1689، وقانون وراثة العرش (Act of serrlment) سنة 1701، وتشريع الإصلاح سنة 1832.
لقد أصبحت الدساتير المكتوبة خلال القرنين الماضيين، القاعدة السائدة في أنظمة الحكم بجميع أنحاء العالم، إذ يحتل الدستور موقع الصدارة بين سائر القوانين في الدولة، ويتعين احترام نصوصه وأحكامه والعمل في حدودها ووفق مقتضاها. فالدستور يسمو على القوانين العادية ويعلو عليها من حيث المرتبة القانونية، لأنه هو الذي يضع الأسس التي تنظم بموجبها الدولة وتمارس من خلالها السلطة فيها.
وتتجلى هذه السلطة في ثلاث صور رئيسة: “السلطة التشريعية” التي تضع القوانين، و”السلطة التنفيذية”، التي تتولى تنفيذها، و”السلطة القضائية” التي تعنى بتطبيقها والفصل في المنازعات بشأنها، وتشكل هذه السلطات مجتمعة جهاز الدولة العام، الذي ينبغي أن يخضع للدستور، لأن الدستور هو الذي أنشأ هذه السلطات وحدد اختصاصاتها ونطاق عملها لتحقيق التوازن بينها وصولاً لسيادة القانون.
تبين مما تقدم أن الدستور لم يكن وليد عصر بعينه، بل ثمرة تطور تاريخي وفكري طويل، تفاعلت فيه التجارب البشرية منذ العصور الأولى، حتى تبلور في صورته الحديثة. وقد شكل هذا التطور منعطفاً في الفكر السياسي والقانوني، إذ انتقلت سلطة الحكم من الإرادة المطلقة للحاكم الى إرادة الشعب المقيدة بالقانون.
المصدر: العرب اللندنية